د. عمرو محمد عباس محجوب
صناعة التفاهة ليست نتيجة ضعف الفرد، بل هي منظومة كاملة تعمل على: تعطيل التفكير، تلميع السطحيات، تهشيم المؤسسات القوية، تحويل المجتمع إلى سوق واستبدال الكفاءة بالطاعة. لخص الفيلسوف الكندي أهم خمسة أسباب بنيوية أدّت – حسب تحليل ألان دونو وآخرين – إلى صناعة التفاهة داخل المجتمعات الحديثة.
- سيطرة الشركات الكبرى على السياسة : تحوّلت القرارات السياسية إلى منتج تباع فيه النفوذ والمصالح. لم يعد المعيار هو الكفاءة أو الأخلاق بل القدرة على خدمة رأس المال. ينتج ذلك قيادات “إدارية”، بلا رؤية، تقبل بأي شيء يرضي الشركات. النتيجة: صعود شخصيات سطحية تدير ولا تفكّر.
- تحويل المعرفة إلى “خبرة تقنية” ضيقة: الجامعات والشركات تطلب موظفًا يعرف “كيف ينفّذ” لا “كيف ينتقد”. يتم سحق التفكير العميق لصالح مهارات تشغيلية صغيرة ومكرّرة. يتم استبدال المفكرين بـ”خبراء” يكررون ما هو موجود. النتيجة: مجتمع لا ينتج أفكارًا جديدة بل يعيد تدوير التفاهة.
- الإعلام التجاري الذي يصنع نجوماً بلا مضمون: المنصات الإعلامية تفضّل الضجيج على التحليل. معظم المحتوى يقوم على: الإثارة، الفضائح، القصص السطحية، الترفيه الدائم. الشخص “التافه” يصبح شهيرًا لأنه يجلب مشاهدات، لا لأنه ذو قيمة. النتيجة: يصبح النموذج الأعلى للمجتمع هو “المؤثر التافه”.
- البيروقراطيات الحديثة التي تكافئ الطاعة لا التفوق: المؤسسات تفضّل الموظّف المطيع على الذكي الذي يغيّر. الترقي مبني على قواعد شكلية، لا على الابتكار. كل ما هو إنساني، نقدي، أو خلاق يُعتبر “خطرًا على الانسجام الإداري”. النتيجة: صناعة قيادات ضعيفة، وتجاهل أصحاب المواهب.
- الاستهلاك كهوية: تحويل الإنسان إلى “مشتري دائم”: النظام الاقتصادي يغرس فكرة أن قيمة الإنسان فيما يشتريه لا ما يفكّر فيه•يتم تسويق نمط حياة يعتمد على: الموضة، العلامات التجارية، المباهج السريعة. تتحول الثقافة من التفكير إلى السوق. النتيجة: ذوق عام هابط، ومعايير جمالية وفكرية ضعيفة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم