صناعة التفاهة في الحالة السودانية (٢-٣)

د. عمرو محمد عباس محجوب

كيف تعمل “صناعة التفاهة” داخل الحالة السودانية تحديدًا، مستفيدًا من إطار ألان دونو لكن مترجمًا إلى الواقع السوداني الراهن.

تُعدّ الحالة السودانية بيئة مثالية لفهم كيف تتشكل التفاهة كمنظومة سياسية- اجتماعية، خاصة بعد عقود من سلطة الإنقاذ، وانهيار الدولة، والحرب الحالية. ما يلي ليس نقدًا أخلاقيًا، بل تحليل بنيوي يوضح كيف تم إنتاج التفاهة وترسيخها.

  1. تدمير مؤسسات الدولة لصالح الولاءات

منذ عهد الإنقاذ، تمّ: إحلال التمكين السياسي بدل الكفاءة. تحويل أجهزة الدولة إلى شبكات ولاء. تفريغ الخدمة المدنية من الخبرات الحقيقية وتهميش الكفاءات أو دفعها للهجرة. النتيجة: صعود مسؤولين بلا مؤهلات، لكنهم “مطيعون”، وهو نفس جوهر نظام التفاهة عند دونو.

  1. الإعلام السوداني منذ 2010: الصوت العالي بدل المعرفة: القنوات السودانية ركّزت على الجدل بدلاً من التحليل. الإعلام الخارجي (خاصة الإماراتي) صاغ صورة السودان حسب أجنداته. انتشرت حسابات ومحتويات سطحية تُقدّم رأيًا بلا معلومات. تم تلميع شخصيات لا علاقة لها بالتحليل أو المعرفة. النتيجة: تحوّل الوعي العام إلى ساحة ضجيج، وليس منصة فكر.
  2. الاقتصاد الريعي والحرب: بيئة تنتج التفاهة تلقائيًا
    عندما يعتمد اقتصاد الدولة على: رسوم عبور والذهب خارج الرقابة والمليشيات والمضاربات وليس على الإنتاج الحقيقي فإنه يخلق طبقة ثرية لا تحتاج إلى معرفة أو كفاءة. هذا النمط ينتج طبقة “طفيلية” هي الوقود الطبيعي لنظام التفاهة.
  3. تحلل الدولة وصعود أمراء الحرب

عندما تتفكك الدولة: يبرز الشخص “المسلح” كأقوى من الشخص المتعلم. تتحول السلطة إلى قوة بدائية: من يسيطر على الشارع يفوز. تتراجع قيمة التفكير الاستراتيجي ويصبح السلاح أهم من المؤسسات والقوانين. النتيجة: مركزية “اللا-كفاءة العنيفة” وغياب العقل العام.

  1. هجرة العقول وترك الساحة فارغة

منذ 2011 وحتى الحرب: هاجر عشرات الآلاف من المهندسين والأطباء والباحثين. انسحب المثقفون من الفضاء العام بسبب القمع أو اليأس. بقيت الساحة للمتسلقين ونجوم السوشيال ميديا. ما يحدث الآن نتيجة فراغ معرفي هائل.

كيف تظهر التفاهة اليوم في السودان؟

⬅ في السياسة قادة بلا مشروع، بلا رؤية، يكررون شعارات عامة. التركيز على الأشخاص لا البرامج. نقاشات تقوم على الانفعال، لا على المعلومات.

⬅ في الاقتصاد: تجارة ذهب تهريبية. شبكات مضاربة تتحكم في لقمة العيش وغياب أي تخطيط اقتصادي عقلاني.

⬅ في المجتمع: تراجع قيمة التعليم لصالح المال السريع. سطوة “المؤثر” على حساب المتخصص. استهلاك ضخم للمحتوى السطحي رغم الأزمة.

من المسؤول؟

ليست المشكلة في الشعب، بل في البنية التي صُنعت عبر: التمكين السياسي وضعف التعليم والانهيار الاقتصادي وتدخلات الخارج والحرب التي تحوّل كل شيء إلى تجارة فوضوية
هذه كلها عناصر تصنع التفاهة عمليًا.

ما هو المخرج؟ (باختصار شديد)

يمكن تلخيص مسار الخروج من التفاهة في السودان في 3 خطوات أساسية: استعادة الدولة (قبل استعادة الديمقراطية حتى) دولة القانون والمؤسسات هي مضادّ التفاهة الأول. مشروع وطني جديد يقلّل من الدور الخارجي لأن “التدخلات الإقليمية” تصنع النخب التابعة، لا المستقلة. بناء نخبة فكرية شابة تعتمد على المعرفة والتحليل وليس على الشعارات والانتماء.

عن د. عمرو محمد عباس محجوب

د. عمرو محمد عباس محجوب

شاهد أيضاً

جورج سوروس: من المضاربات المالية إلى تمويل الديمقراطية في العالم (١-٢)

د.عمرو محمد عباس محجوب سأتناول موضوع جورج سوروس وتأثيره لأنه كثيرًا ما يُخلط فيه التحليل …