أن استعادة الثقة المصرفية تبدأ بالأرقام لا بالاجتماعات, حيث يمثل استئناف صندوق ضمان الودائع المصرفية ممارسة مهامه من داخل الخرطوم، وانعقاد اجتماعه الدوري الثالث لعام 2026 بتشريف محافظ بنك السودان المركزي، خطوة مهمة في مسار استعادة المؤسسات المالية السودانية لأدوارها بعد الأضرار التي خلفتها الحرب, غير أن الأهمية الحقيقية لهذه الخطوة لا تكمن في عودة الاجتماعات إلى مقارها فحسب، بل في قدرة الصندوق على حماية مدخرات المواطنين، وتعزيز الثقة في المصارف، وتوفير ضمانات مؤسسية تسهم في استقرار النظام المالي ودعم التعافي الاقتصادي,وقد ناقش الاجتماع مذكرة حول سلطات وصلاحيات مؤسسات ضمان الودائع، ومشروع قانون صندوق ضمان الودائع المصرفية لسنة 2026، وتقرير لجنة التنسيق بين الصندوق وبنك السودان المركزي. وتكشف هذه الملفات عن إدراك لأهمية تطوير الإطار القانوني والتنظيمي لحماية المودعين، إلا أن نجاح هذه الجهود يتطلب الانتقال من مناقشة التشريعات إلى وضع ترتيبات عملية واضحة، تحدد مسؤوليات الجهات المعنية، وتضمن سرعة الاستجابة عند تعثر المصارف، وتوفر معلومات دقيقة عن الموارد المتاحة وحدود الحماية المقررة للعملاء.
وتزداد أهمية هذه المهمة في ظل المؤشرات النقدية والاقتصادية التي نشرها بنك السودان المركزي في عرضه الاقتصادي والمالي للنصف الأول من عام 2026. فقد ارتفع إجمالي الودائع المصرفية من نحو 25.43 تريليون جنيه بنهاية مارس إلى 29.41 تريليون جنيه بنهاية يونيو، بزيادة اسمية تقارب 15.6%. كما ارتفع عرض النقود، بما في ذلك شبه النقود، من نحو 32.10 تريليون جنيه إلى 36.83 تريليون جنيه خلال الفترة نفسها. غير أن هذه الزيادة لا تعني بالضرورة تحسن القوة الشرائية للمدخرات أو ارتفاع مستوى الثقة المصرفية؛ إذ ينبغي تحليلها في ضوء التضخم وتغيرات سعر الصرف والظروف الاستثنائية التي يمر بها الاقتصاد السوداني.
وفي هذا السياق، ارتفع معدل التضخم من 40.2% بنهاية مارس إلى 51.3% بنهاية يونيو 2026، وفق المؤشرات الواردة في عرض البنك المركزي. كما ارتفع المتوسط المرجح لسعر شراء الدولار لدى المصارف التجارية والصرافات من نحو 3,222.8 جنيهًا إلى 3,743.23 جنيهًا خلال الفترة نفسها. وتوضح هذه التطورات أن حماية الودائع لا تنفصل عن استقرار البيئة النقدية؛ فالمودع يحتاج إلى الاطمئنان إلى سلامة أمواله وإمكانية الوصول إليها وفق شروط حسابه، لكنه يتأثر أيضًا بتراجع القوة الشرائية للنقود وتقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف المعيشة وتكشف هذه المؤشرات عن ضرورة التمييز بين نمو الأرصدة المصرفية بالقيمة الاسمية وبين تحسن الوضع المالي الحقيقي للمودعين. فزيادة حجم الودائع لا تثبت وحدها تحسن الملاءة المصرفية أو كفاية السيولة، كما لا تعني أن جميع تلك الودائع مشمولة بالضمان القانوني. وتتحدد التغطية الفعلية وفق أحكام القانون ونطاق الودائع المشمولة وحدود التعويض والاستثناءات المقررة، وهي معلومات ينبغي أن تكون متاحة للجمهور بلغة واضحة ومبسطة ومن هنا، تبرز الحاجة إلى نشر مؤشرات مالية مباشرة عن أداء الصندوق، تشمل إجمالي موارده، وحجم الودائع الخاضعة للضمان، ونسبة الموارد المتاحة إلى الالتزامات المحتملة، ومساهمات المصارف، وقيمة المطالبات والتعويضات المدفوعة، ومتوسط المدة اللازمة لتسوية المستحقات. ولا يتضمن البيان الصحفي للاجتماع بيانات كافية عن هذه المؤشرات، ولذلك لا يمكن الحكم بصورة موضوعية على كفاية موارد الصندوق أو قدرته على مواجهة تعثر مصرف أو أكثر دون الاطلاع على قوائمه المالية المعتمدة وتقاريره الرقابية ويمثل مشروع قانون الصندوق لسنة 2026 فرصة مهمة لتطوير منظومة الضمان بما يتناسب مع المخاطر التي يواجهها القطاع المصرفي في مرحلة ما بعد الحرب. وينبغي أن يعالج التشريع بوضوح مصادر التمويل، وآليات احتساب مساهمات المصارف، وحدود التعويض، وإجراءات المطالبة بالحقوق، والتنسيق مع البنك المركزي والجهات المختصة بتسوية أوضاع المصارف المتعثرة. كما يجب أن يضمن وضوح العلاقة بين حماية المودعين والرقابة الوقائية على المصارف، حتى لا يتحول وجود الضمان إلى بديل عن الالتزام بمعايير السلامة المصرفية وإدارة المخاطر ولا تكتمل فعالية الصندوق بمجرد وجود نصوص قانونية؛ إذ تتطلب وظيفته موارد مالية كافية، ونظم معلومات موثوقة، وسجلات مصرفية سليمة، وخططًا لاستمرارية الأعمال في حالات الطوارئ. وتكتسب هذه المتطلبات أهمية مضاعفة في السودان، حيث فرضت الحرب تحديات تشغيلية ولوجستية على المؤسسات المالية، ما يستدعي مراجعة جاهزية الأنظمة التقنية، والتحقق من سلامة البيانات، وتحديد آليات واضحة لاستقبال شكاوى العملاء والبت فيها، وتوفير قنوات اتصال تشرح للمودعين حقوقهم والإجراءات المتاحة لهم,كما ينبغي أن يتسم التنسيق بين الصندوق وبنك السودان المركزي بالفاعلية والشفافية، من خلال تبادل المعلومات الرقابية في الوقت المناسب، ووضع ترتيبات للتدخل المبكر عند ظهور مؤشرات التعثر، وتحديد المسؤوليات بصورة تمنع تضارب الاختصاصات أو تأخير القرارات. ومن المهم كذلك أن تُنشر تقارير دورية عن أداء الصندوق وموارده والتزاماته، بما يسمح للخبراء والجمهور بتقييم مدى كفاءته على أساس بيانات قابلة للتحقق، بعيدًا عن التقديرات غير المدعومة بالأرقام إن استعادة الثقة في الجهاز المصرفي السوداني تتطلب معالجة متكاملة تجمع بين حماية الودائع، واستقرار السياسة النقدية، وشفافية المعاملات، وفعالية الرقابة، وتحسين جودة الخدمات المصرفية. فالمصارف تمثل قناة أساسية لتعبئة المدخرات وتمويل التجارة والإنتاج والاستثمار، وأي ضعف في ثقة الجمهور بها ينعكس على قدرة الاقتصاد على استعادة نشاطه وتوفير الموارد اللازمة لإعادة الإعمار. ومن ثم، فإن تطوير صندوق ضمان الودائع ينبغي أن يكون جزءًا من إصلاح مصرفي أوسع، يوازن بين حقوق المودعين ومتطلبات السلامة المالية، ويعزز قدرة المؤسسات على التعامل مع الأزمات دون الإضرار بالثقة العامة.
وفي الختام، فإن عودة صندوق ضمان الودائع المصرفية إلى ممارسة مهامه من الخرطوم تمثل خطوة تستحق التقدير، لكنها تضع أمام الجهات المعنية مسؤولية أكبر لتحويل هذه العودة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في أمن مدخراته ووضوح حقوقه وسهولة الوصول إلى الخدمات المصرفية فالثقة لا تُبنى بالإعلانات وحدها، وإنما بالشفافية والمساءلة والقدرة على الوفاء بالالتزامات، وبمؤسسات تنشر بياناتها وتواجه أوجه القصور بجدية ومسؤولية. وفي مرحلة يحتاج فيها السودان إلى استعادة اقتصاده ومؤسساته وتخفيف معاناة مواطنيه، تظل حماية أموال المواطنين أمانة اقتصادية وأخلاقية، ينسجم معناها مع قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] باشارة إلاهية واضحة بما لا يدو للشك بأن صيانة الحقوق وأداء الأمانات ليستا مجرد التزام قانوني، بل أساس للعدل والثقة واستقامة المعاملات، وهي قيم يحتاج إليها القطاع المصرفي السوداني اليوم أكثر من أي وقت مضى. وفي خضم الحديث عن حماية المودعين واستعادة الثقة في الجهاز المصرفي، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن حقوق العاملين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة (مقصلة الاستغناء عن الكفاءات) في أحد المصارف، في مشهد يثير القلق بشأن مستقبل الخبرات المصرفية المتراكمة. فإذا كانت إعادة الهيكلة ضرورة تفرضها الظروف، فإنها لا ينبغي أن تتحول إلى قرارات تستبعد الكفاءات دون معايير شفافة، أو تتجاوز الحقوق القانونية والتعاقدية للعاملين ,فالموظف المصرفي ليس مجرد تكلفة في قائمة المصروفات، بل رصيد من المعرفة والخبرة والذاكرة المؤسسية التي يصعب تعويضها سريعًا ومن هنا، فإن مسؤولية الإدارات والجهات الرقابية تقتضي مراجعة آثار الاستغناء، وضمان عدالة إجراءاته، وصون المستحقات، والتأكد من أن الإصلاح لا يهدم رأس المال البشري الذي يحتاج إليه القطاع المصرفي في مرحلة التعافي ولنا عودة إلى هذا الملف، بما يستحقه من توثيق وتحليل ومساءلة مهنية تحفظ الحقوق وتصون الكفاءات.
د.محمد شرف الدين الطيب
خبير مصرفي
