ضد “تمليش” القبائل: قراءة عقلانية في خطورة التعميم

umniaissa@hotmail.com
بقلم؛ الصادق حمدين

مدخل تمهيدي

وسط غمار هذا الصراع الدموي الراهن الذي ينهش جسد الوطن، تبرز دعوات مثيرة للقلق، تتجه إلى تحميل قبائل بأكملها وزر أفعال جماعات مسلحة، أيا كانت انتماءاتها، ومناطقها، ومنطلقاتها، وكأنها كتل متجانسة لا أفراد فيها يملكون قرارهم، ولا تمايز يمنحهم حق الاختيار.

وأجدني، شأن كثير من أبناء هذا الشعب، أرفض بشدة هذا التوجه التصنيفي التبسيطي الخطير، الذي يُعرف اختصارًا بظاهرة “تمليش” القبائل، أي نسبتها إلى الميليشيات، وكأن انتماء الفرد القبلي بات مرادفًا للتمرد أو العمالة أو الإجرام.

هذا النمط من التفكير الضار، الذي يغيب عنه الوعي بالتاريخ والجغرافيا والسياق السياسي، يُعدّ تقويضًا مباشرًا لفكرة الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية التي ينشدها السواد الأعظم من أبناء الشعب السوداني، دولة يتساوى فيها المواطنون دون اعتبار لانتماءاتهم الإثنية أو الجهوية أو العرقية.

إن ربط الصراع الحالي بقبيلة أو جهة جغرافية معينة دون غيرها، لا يفضي إلا إلى مزيد من التشرذم والانقسام، ويهدد وحدة السودان شعبًا وأرضًا ووجداناً.

تمهيدًا للانتقال من المقدمة إلى متن المقال. ولمن يتابع المشهد السياسي في السودان يدرك أن “قوات الدعم السريع” لم تنشأ بمعزل عن التركيبة القبلية المتنوعة للبلاد، إذ تكوّنت من عناصر تنتمي إلى مختلف القبائل السودانية، بما في ذلك بعض القبائل من وسط وشمال السودان.

كما جرى انتداب عدد من الضباط والجنود من القوات المسلحة للانضمام إلى صفوفها، ما أضفى عليها طابعاً قومياً، وهيكلاً تنظيمياً خاصاً بقانون ينظم عملها، خُصّص لخدمة مصالح سلطة الأمر الواقع الحاكمة آنذاك.

غير أن الخطاب الذي يسعى إلى اختزال الصراع السوداني ضمن ثنائية “الزرقة” و”العرب”، “الغرابة”، و “الشماليين”، لا يعكس سوى وعياً سطحياً ومضللاً، يُراد به تعميق الانقسام الاجتماعي، وإعادة إنتاج جراح الماضي، عبر تسويق تصنيفات لونية، وقبلية، ومناطقية لا تخدم سوى مشاريع الفتنة والتفرقة.

ولعل الذاكرة السودانية لا تزال تحفظ تلك الأغنية الشعبية التي شاعت في فترة ماضية: وهي حوار مؤلم بين الخليفة ود تور شين، وأمونة بت حاج أحمد
“بقارة حاربونا شدو جمالم جونا، جلبنا ليهم سمسم والسمسم ما كفاهم، جلبنالم سعية”.

وهذه القصيدة – “قشايتي الخديرا” – كما يسمونها في نواحي كردفان، شأنها شأن غيرها من أشعار التراث الشفهي، يمكن تبديل بعض كلماتها حسب السياق المكاني، فاستبدلت كلمة “بقارة” بـ”جهادية”، أو “جهدية”، في الأغنية الشهيرة التي تغنت بها فرقة عقد الجلاد، لكن المعنى الجارح والقابل للاستغلال من قبل اصحاب النفوس الخبيثة بقي كما هو، حيث تحولت الأغنية إلى وسيلة لإعادة بث الضغائن القديمة بصيغة جديدة.

مما يجدر ذكره ان هذا النوع من الشعر يُصنَّف من ضمن شعر “الحداثة بالعامية” أو ما يُعرف بالتراث “الثقافي الشفهي”، وهو نمط أدبي تتعدد قراءاته وتتنوّع مقاصده، بما يتيح إمكانيات تأويلية مختلفة.

ومن غير المنطقي إدراج استدعاء التاريخ وربطه بالحاضر ضمن تلك التأويلات على نحو يهدف إلى إثارة النزاعات القبلية، كما ذهب إلى ذلك بعض من سعى لتوظيف النصوص الأدبية لخدمة أغراض شخصية أو أجندات ضارة.

ومن المؤكد أن الشاعر الكبير الراحل “محمد طه القدال” – في قصيدته التي تغنت بها فرقة عقد الجلاد المتدفقة ابداعا – لم يكن يهدف بأي حال من الأحوال إلى المساس بوحدة الوطن أو زعزعة تماسك نسيجه الاجتماعي.

وما يزيد من خطورة هذا الخطاب، أن بعض من يُفترض أنهم مثقفون عضويّون أو باحثون تراثيون، أمثال، د. محمد جلال هاشم، لا يتورعون عن استخدام مصطلح “جنجويد” بغير دقة دلالية، متجاهلين عن عمد السياق التاريخي لنشأة هذا الكيان، والدور الحقيقي الذي لعبه في دارفور، ما بين عامي 2003 إلى 2005.

فقد تلقّى هذا الكيان دعمًا مباشرًا من الدولة العميقة، التي تورّطت أجهزتها ومهندسوها في التخطيط والتنفيذ لجرائم صُنّفت لاحقًا كجرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب، وجرائم إبادة جماعية، وأُحيلت إلى المحكمة الجنائية الدولية، حيث وُجّهت الاتهامات إلى كبار قادة الدولة، بمن فيهم رأسها عمر حسن أحمد البشير. وأخيرًا، أُدين أمامها أحد أدوات نظام البشير، الشهير بـ”علي كوشيب”.

وفي هذا المقام، لا أتحدث عن الفظائع والجرائم كأحداث مجردة، فهذه يحكمها القانون، سواء المحلي أو الدولي، الذي يُفرد العقوبة للفرد المجرم، لا للجماعة أو القبيلة. أما الزج بكيانات قبلية بأكملها في قفص الاتهام، فهو ليس فقط ظلمًا، بل أيضًا مخالفة صريحة لجوهر العدالة والقانون.

والمفارقة المحزنة أن من كانوا في صدارة المشهد وقت ارتكاب تلك الجرائم والموبقات والآثام، ممن يُعرفون اليوم بـ”الفلول الكيزانية”، قد بدأوا في التنصل من أفعالهم، متقمصين دور الضحية، وموجهين أصابع الاتهام إلى غيرهم، في سلوك يُثير الغثيان ويجافي المنطق. فكيف يستقيم أن يتهم الجلاد ضحيته؟ وكيف يُعقل أن يتقمص المجرم دور المظلوم؟ “رمتني بدائها وانسلت”.

إن العدالة الحقة لا تُبنى على الكراهية، ولا على التعميم، ولا على الانتقام الجماعي، بل على مساءلة الأفراد، وفق القانون، دون تحيّز، ودون تحميل الأبرياء وزر المذنبين. وما لم نتمسك بهذه القاعدة، فإننا نُمهّد الطريق لحروب لا تنتهي، ونُجهز على ما تبقى من أمل في بناء وطن يتسع للجميع.

الصادق حمدين – هولندا
umniaissa@hotmail.com

عن الصادق حمدين

الصادق حمدين

شاهد أيضاً

قناة الجزيرة: ماكينة تدوير الأكاذيب وتسويقها

umniaissa@hotmail.comالصادق حمدين لماذا هذا الإصرار المحموم على مطاردة الذباب الإلكتروني بمشبك “الصدق”، وسحقه بشِباك الأخلاق، …