بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
التعليم هو حجر الزاوية في نهضة الأمم، وعماد التنمية، وسر رفعة الأفراد.
غير أن واقع التعليم في وطننا الحبيب يرزح تحت وطأة تحدياتٍ جسام تكبل مسيرته وتقوض أساسه.
وفي خضم الظروف الاجتماعية والاقتصادية المتشابكة، وفي مهب التغيرات المتسارعة التي تعصف ببلادنا، تغدو جودة التعليم وتعزيز فرص التعلم للجميع ضرورةً وجوديةً لا تقبل المساومة. ولكن… ماذا عن السودان؟
لقد ضُرب السودان في مقتل، وتردى في هاويةٍ سحيقةٍ لا فكاك منها إلا بتوافقٍ وطني على معالجة هذه الكارثة الجذرية.
لقد ضُرب في التعليم.. وأي تعليم؟ في التعليم الأساسي.
مناهج عقيمة لا تفرخ عباقرة، ولا تصنع مفكرين، ولا تبني إنساناً.
فقد حُذفت مادة التدبير المنزلي حذفاً باتاً.
وحُذفت مادة الاقتصاد المنزلي حذفاً تاماً.
وحُذفت مادة التشجير حذفاً نهائياً.
وبلاءٌ فوق البلاء: حُذفت مواد الضمير
حُذفت مادة “السرقة حرام” من وجدان الطالب.
وحُذفت مادة “لا تخف إلا الله” فأورثتنا خوفاً من الشرطي وخشيةً من المسؤول وذلاً لصاحب الكرسي.
وحُذفت مادة “تجريم الاستبداد” فصار الظلم تشريعاً والطغيان شرفاً.
مناهج لا تحفز إبداعاً، ولا تغرس مهارة، ولا تفتح أفقاً.
وبرامج خاوية من تنمية الذات: لا تفكير نقدي، ولا حوار رشيد، ولا قيادة، ولا عمل جماعي.
وويلٌ للطالب إذا نطق بالسؤال.. “ابن كلب ليه يسأل؟”
وهكذا نقتل السؤال، فنذبح العقل، فنعدم المستقبل.
والأسوأ والأنكى: معلم ممسوخ
معلمٌ فنياً ضعيف، وتربوياً عاجز.
يحتقر التلميذ، ويجلده، ويشتمه، ويصمه بأقذع النعوت.
والمسكين معذور.. إذ لم يُدرب، ولم ينل حظاً من التأهيل.
فصار ضعيف القدرات، قليل الحيلة، متواضع العطاء.
فكانت حصيلته: صفراً مدوراً.
فكانت المحصلة: جيل ممسوخ
جيلٌ واهن يستسيغ الضيم، ويعجز عن مواجهة شرطي.
جيلٌ ألف الذل، واستلذ الإهانة، وصفق للجلاد، وسجد للطاغية.
جيلٌ لا ينتج، ولا يبدع، ولا يقاوم.. لأنه ببساطة لم يتعلم كيف يكون حراً.
والدواء؟ هيكلة من الجذور واسترداد ما سُلب
إن أحسنا التعليم عمّ الرخاء.
وصار المواطن أهيب من الحكومة.
وأضحى منتجاً لا مستهلكاً، وصانعاً لا تابعاً.
واندحر المستبد، وخاب المنافق، واندثر الخائن.
إنها معركة بناء الإنسان قبل العمران:
فلنبنِ مناهج تشعل العقل ولا تخنقه، بالتفكير النقدي والفلسفة والحوار والبحث العلمي.
ولنغرس مواد تصنع المهارة ولا تحفظها، بالاقتصاد المنزلي والتدبير المنزلي والتشجير والحرف اليدوية وريادة الأعمال.
ولنلقن دروساً تحي الضمير ولا تميته، بالتربية الوطنية وحقوق الواجبات وتجريم الاستبداد والشجاعة المدنية.
ولنعد معلماً إعداداً يليق بالرسالة، لا نرميه في الميدان.
ولنصنع مدرسة تخرج إنساناً، لا مصنعاً للتفاهة.
التعليم الراقي يصنع مواطناً لا يخاف إلا الله.
والتعليم السقيم يصنع عبداً لا يُسأل عما يفعل.
فإما أن نبني المدرسة اليوم.. أو نبكي على الوطن غداً.
والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
—
