ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه (8-9)
كتاب: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025)، لأمين حامد زين العابدين نموذجًا (8-9)- جزء (2-3)
بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير
نحو مفهوم جديد للآخر انطلاقاً من الفهم الإنساني للإسلام
من قبول الآخر إلى محبته
“إن الأرض مائدة الله، وأن الخلق جميعهم، وعلى اختلافهم، عياله، وأنهم، على مائدته، سواء، لا يتفاضلون إلا بالتقوى، وأن مِسبَر التقوى العمل على نفع عيال الله في الأرض”.
محمود محمد طه، مارس 1951
نواصل في هذه الحلقة تفنيد الحكم التقريري الذي أطلقه الدكتور أمين حامد زين العابدين في كتابه الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة، حين قال إن المفكر محمود محمد طه «لم يشرح في أعماله عوامل تخلف السودان والمجتمعات العربية الإسلامية» (ص 189). ونستدعي، في السياق نفسه، حكمه التقريري الآخر الذي يرى فيه أن فكر محمود محمد طه طغت عليه “النزعة التوفيقية والتلفيقية” (ص 189). وقد توقفنا في حلقات سابقة عند جوانب من هذا الحكم، وكشفنا عن أنه لا يصمد أمام مراجعة شاملة لأعمال محمود محمد طه، ولا أمام قراءة تستحضر اتساع مشروعه وتعدد مستوياته وتداخل أسئلته الفكرية والإنسانية والاجتماعية.
ونقف هنا، بإيجاز، عند رؤية محمود محمد طه إلى الآخر، انطلاقاً من الفهم الإنساني الذي قدمه للإسلام. ذلك أن هذه الرؤية لا تكشف فقط عن معالجة عميقة لمسألة الإنسان وعلاقته بالإنسان الآخر، وإنما تكشف كذلك عن أصالة في التفكير تتجاوز مجرد التلفيق بين عناصر متفرقة. فنحن أمام تصور له منطقه الداخلي، ومفاهيمه المتساندة، ووجهته الأخلاقية والإنسانية الواضحة.
الإنسان أولاً: من هو الآخر؟
قدم محمود محمد طه تعريفاً جديداً ومفهوماً إنسانياً للآخر من داخل القرآن، ينشد التسامح والتعايش السلمي وبناء السلام في النفوس وعلى الأرض. وهو مفهوم يقوم على الأصول الإنسانية التي تجمع بين الذات والآخر، وبين الناس جميعاً، بغض النظر عن الدين واللسان والإثنية واللون والنوع. بل إن الأمر، عنده، يتجاوز الإنسان إلى الوجود كله؛ فـ “المخلوقات، عظيمها وحقيرها، علويها وسفليها، إن هي إلا صور لتجليات الله في الوجود”. ومن هنا تبدأ أهمية مفهوم الآخر عند طه: فالآخر لا يُعرَّف ابتداءً بكونه مختلفاً عني في الدين أو العرق أو اللغة أو اللون أو النوع، وإنما يُنظر إليه في إطار أوسع، هو إطار الإنسان، ومظهر الله في الوجود، والغاية التي تتجه إليها الأديان والفلسفات. يقول طه: “إن الإنسان، من حيث هو إنسان، هو مظهر الله، كون البيئة الطبيعية، بجميع الخلائق والكائنات، بما فيها الإنسان، هي مظهر الله في الوجود، وهي علم الله تجسَّد”. فالذات الإلهية، في ظهورها لتُعرف، تنزّلت إلى العلم، ثم إلى الإرادة، ثم إلى القدرة، حيث تجسدت في المخلوقات. ولهذا فإن جميع المخلوقات، عظيمها وحقيرها، علويها وسفليها، هي صور لتجليات الله في الوجود. وقد سمّى الله هذه المظاهر آيات، فقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. فالجميع، بهذا المعنى، آيات الله.
الإنسان هو مظهر الله في الوجود
يذهب طه أبعد من مجرد القول بالمساواة بين البشر. فالإنسان، من حيث هو إنسان، هو مظهر الله في الوجود، وهو ثمرة هذا الكون وصفوته و«الغاية»، وما عداه وسيلة إليه. ومن هنا يقول: “فإن جميع الأديان والكتب المقدسة والفلسفات، بما في ذلك القرآن، والإسلام، ما هي إلا وسيلة للغاية، التي هي الإنسان”. هذه العبارة، إذا قُرئت في سياق طرح طه كله، تكشف عن مركزية الإنسان في الفهم الجديد للإسلام. فالدين ليس غاية منفصلة عن الإنسان، وإنما هو وسيلة لتحقيق غاية إنسانية عليا، تتصل بالحياة والحرية والكرامة والكمال. فجميع الأديان والكتب المقدسة والفلسفات، عنده، هي وسيلة للغاية، التي هي الإنسان.
والإنسان عند طه “حيوان نزل منزلة الكرامة بالعقل”، وهو لا يزال في طور التكوين، يتنقل في منازل الكمال تنقلاً سرمدياً. وليس الإنسان، في هذه الرؤية، كائناً مكتملاً منذ البداية، وإنما هو مشروع دائم للتطور والترقي.
وهنا تكتسب حرية الإنسان وكرامته مكانتهما المركزية؛ إذ تصبحان من أعلى مقاصد الدين والفلسفة، ويصبح حق الحياة وحق الحرية وما يتفرع منهما من صميم المقاصد الإنسانية للإسلام. وإذا كان الإنسان هو الغاية، فإن اختلاف الناس في الدين أو اللون أو اللسان أو النوع/ الجنس أو الإثنية لا يمكن أن يكون أساساً لإهدار إنسانية أي منهم.
الآخر ليس غريباً
في هذا السياق يتغير معنى “الآخر”. فالآخر، في الفهم الجديد للإسلام، ليس غريباً بالمعنى الذي يجعله خارج دائرة العناية والمحبة، وليس خصماً لمجرد اختلافه، وليس موضوعاً للكراهية أو الإقصاء. إن الإنسان الآخر، عند طه، بغض النظر عن دينه ولونه ولسانه وإثنيته ونوعه أو جنسه، ليس موضعاً للبغض أو لأذى الخاطر، دع عنك الأذى الحسي أو القتل. والسبب عميق في بساطته: الآخر هو ميدان محبتنا لله. فنحن نحب الله في خلائقه، وأكرم خلائق الله هو الإنسان. ومن ثم فإن العلاقة بالآخر ليست مسألة سياسية أو اجتماعية فحسب، وإنما هي، في جوهرها، مسألة دينية وروحية وأخلاقية.
نحن لا نحب الله حباً مجرداً عن العالم، وإنما نحبه في خلقه وفي كونه. ولذلك تصبح العلاقة بالإنسان الآخر جزءاً من علاقتنا بالله. ومن هنا يقول طه: “ومثلما كان الكون الخارجي محفوظاً بالجاذبية بين أجرامه المختلفة، نحن قانوننا يكون هو الجاذبية بين الأفراد المختلفين، التي هي قانون المحبة، وليس العداء”. إنها صورة شديدة الدلالة: فكما تحفظ الجاذبية انتظام الأجرام المختلفة في الكون، تكون المحبة هي القانون الذي يحفظ انتظام المجتمع الإنساني، ويمنع اختلاف أفراده من التحول إلى صراع وعداء.
إلى الجزء الثاني (2- 3) من هذه الحلقة (13- 18)
من قانون القهر إلى قانون المحبة
لا يقف الأمر عند الدعوة الأخلاقية إلى التسامح. فطرح طه يتجه إلى إعادة بناء العلاقة الاجتماعية نفسها. فهو يقول: ونحن نسير في تفاعلنا مع المجتمع ليكون تفاعل المحبة المتبادلة، ونحن نسير لنحب الله.. وحب الله لا يكون لله مجرداً، وإنما نحب الله في خلائقه، وفي كونه. ثم يقول: ونحن نسير في طريق تطوير قانوننا مع المجتمع من قانون القهر إلى قانون المحبة.. وهذا هو طريق السير في فض الكبت. وهنا يتضح أن مفهوم الآخر متصل اتصالاً عضوياً بمشروع الحرية. فالمجتمع الذي يقوم على القهر لا يستطيع أن ينتج علاقة إنسانية سليمة بالآخر؛ لأن القهر يحول الاختلاف إلى تهديد، ويجعل السيطرة بديلاً عن الحوار، والعداء بديلاً عن المحبة.
أما الانتقال من قانون القهر إلى قانون المحبة، فهو انتقال من علاقة تقوم على الإكراه إلى علاقة تقوم على الحرية والمسؤولية. وبذلك فإن “الآخر” ليس موضوعاً منفصلاً عن طرح طه الفكري، وإنما يقع في قلب هذا الطرح.
من قبول الآخر إلى الخروج من الذات لمعانقته
الْآخِرُ هُوَ مَيْدَانُ مَحَبَّتِنَا لله
ولذلك فإن قبول الآخر، وهو المطلب الذي تسعى مجتمعات العالم المعاصر إلى تكريسه، لا يمثل، في الفهم الجديد للإسلام، إلا حداً أدنى. فالمطلوب ليس مجرد قبول الآخر، وإنما الخروج من الذات لمعانقة الآخر. وهنا يحدث التحول من التسامح إلى المحبة، ومن الاعتراف بالاختلاف إلى إقامة علاقة إنسانية إيجابية معه. فأن أقبل الآخر يعني أن أعترف بحقه في الوجود، أما أن أحبه، فيعني أن أراه شريكاً في الإنسانية، وميداناً لمحبة الله في خلقه. وهذا الانتقال من القبول إلى المحبة هو، في تقديري، من أكثر جوانب تصور طه للآخر جدة وأصالة؛ لأنه لا يكتفي بتعديل السلوك تجاه الآخر، وإنما يعيد بناء النظرة إليه من الأساس.
الآخر في البيئة الإنسانية الجديدة
تكتسب هذه الرؤية أهمية إضافية في ظل البيئة الإنسانية الجديدة التي يعيشها عالم اليوم. فطه يرى أن البيئة قد أصبحت بيئة إنسانية عالمية، وأن الوحدة الكوكبية، ووحدة المصير المشترك للإنسانية أصبحت حقيقة لا يمكن تجاهلها. لقد جعلت وسائل الاتصال والمواصلات والتكنولوجيا والاقتصاد والسياسة العالم أكثر ترابطاً، وقد قال طه بذلك منذ العام 1958، بحيث لم يعد الإنسان يعيش داخل حدود مغلقة. وفي مثل هذا العالم لا يمكن أن يستمر النظر إلى الآخر بوصفه عدواً دائماً أو غريباً دائماً. ومن هنا يأتي تعريف طه للإسلام بوصفه تعريفاً بحقيقة البيئة، ومصالحةً وتواؤماً معها: “إن الإسلام يعني التعريف بحقيقة البيئة، والمصالحة والتواؤم معها”. وهذا التعريف، في دلالته الواسعة والعميقة، يسوقنا إلى رؤية طه تجاه البيئة الطبيعية، فهو يرى أن البيئة في الأصل هي بيئة روحية ذات مظهر مادي. وهذا موضوع كبير لا يسع المجال للتفصيل فيه. وقد سبق وأن قدمت ورقة بعنوان: “الوعي بالبيئة والتواؤم معها في الفهم الجديد للإسلام”، في الملتقى الدولي بعنوان: الفلسفة والبيئة، تنظيم مخبر الجماليات والفنون والفلسفة المعاصرة بالاشتراك مع كلية العلوم الإنسانية والجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية بجامعة الجزائر2، الجزائر، (27- 28 نوفمبر 2024). ولدي كتاب سيصدر قريباً بعنوان: حِمايةُ كوْكَبِنَا من الْإِبادةِ البِيئِيَّة: قراءة في رؤية الفهم الجديد للإسلام.
هل هذه “نزعة توفيقية وتلفيقية”؟
نعود هنا، ونحن نناقش رؤية المفكر محمود محمد طه تجاه الآخر، إلى الحكم الذي أصدره الدكتور أمين حامد زين العابدين، حين وصف فكر محمود محمد طه بأنه طغت عليه “النزعة التوفيقية والتلفيقية”. فإذا كان المقصود بالتوفيق والتلفيق مجرد وجود عناصر متنوعة في فكر طه، فإن هذا الوصف يحتاج إلى قدر كبير من التحديد؛ لأن تنوع المصادر والمقاربات لا يعني بذاته التلفيق. والسؤال المنهجي الأهم هو: هل ثمة بناء فكري تنتظم فيه هذه العناصر، أم مجرد جمع اعتباطي بينها؟
ومفهوم الآخر الذي نعرضه هنا يقدم مثالاً واضحاً على الحاجة إلى مراجعة الحكم. فنحن أمام سلسلة مترابطة في مثال واحد وهو رؤية طه تجاه الآخر، حيث: الإنسان مظهر لله في الوجود؛ والإنسان هو الغاية؛ والأديان والفلسفات وسائل لهذه الغاية؛ وحق الحياة والحرية من مقاصد الدين؛ والآخر إنسان قبل كل اختلاف؛ والآخر ميدان لمحبتنا لله؛ والمحبة قانون العلاقة الإنسانية؛ والانتقال من القهر إلى المحبة طريق إلى الحرية؛ ومن ثم فإن قبول الآخر ليس نهاية الطريق، وإنما بدايته، والطريق الأبعد هو الخروج من الذات لمعانقته ومحبته.
هذه ليست مجموعة أفكار متناثرة، وإنما نسق تتساند فيه المفاهيم. ومن ثم فإن الحكم على هذا الفكر بأنه «توفيقي وتلفيقي» لا يكفي أن يكون حكماً تقريرياً؛ بل يحتاج إلى قراءة تفصيلية تثبت مواضع التلفيق والتناقض والتعارض داخل هذا النسق.
إلى الجزء الثالث (3- 3) من هذه الحلقة (13- 18)
دراسات ومقاربات في مفهوم الآخر
كنت قد تناولتُ “الآخر وفقاً للفهم الجديد للإسلام” في ورقة قدمتها في المؤتمر الثالث عشر “التفكير والفلسفة في مواجهة التكفير”، الذي نظمته الجمعية الفلسفية الأردنية ضمن فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون، في مدينة عمّان، الأردن، خلال الفترة من 24 إلى 26 يوليو/تموز 2025، ونُشرت الورقة ضمن أعمال المؤتمر. وقبل ذلك كنت قد أعددت ورقة بعنوان: “التراث الإنساني والأديان والآخر في الفهم الجديد للإسلام: الإيزيدية نموذجاً”، قدمتها في المؤتمر العلمي الدولي “الإيزيديون: الديانة، التراث، التاريخ والجغرافيا”، الذي نظمته كلية العلوم الإنسانية في جامعة دهوك بالتعاون مع مركز لالش الثقافي والاجتماعي، في مدينة دهوك، إقليم كردستان العراق، يومي 29 و30 أبريل/نيسان 2025. كما قدمت محاضرة بعنوان: “نحو فهم جديد للآخر: من قبول الآخر إلى الخروج من الذات لمعانقة الآخر”، وهي قراءة في الفهم الجديد للإسلام، بالمقارنة مع أبي حيان التوحيدي، وابن حزم الأندلسي، وابن رشد، ومالك بن نبي، وحسن حنفي، وطه عبد الرحمن، ومارتن هايدغر، وميشيل فوكو، وإيمانويل ليفيناس. وقد قدمتُ المحاضرة في منتدى قدامنا الصباح الثقافي بمدينة بيرث في غرب أستراليا، بإدارة الأستاذ عفيف إسماعيل، يوم السبت 17 يناير/كانون الثاني 2026. وعقّب عليها الأب الدكتور جورج جانقرا مودي، العميد السابق لكلية التربية بالجامعة الكاثوليكية في جوبا، جنوب السودان، والبروفيسور فوزية مراد، جامعة المرقب، ليبيا، والبروفيسور منية العلمي، جامعة الزيتونة، تونس.
كذلك تم تقديمي في الملتقى العربي للفكر والحوار (ألمانيا) في ندوة إسفيرية، بعنوان: “مفهوم الآخر عند محمود محمد طه: من قبول الآخر إلى محبته- قراءة مقارنة مع أبي حيان التوحيدي، وابن رشد، وإيمانويل كانط، وإيمانويل ليفيناس، وحسن حنفي”، إدارة الدكتور حامد فضل الله، بتاريخ الثلاثاء 2 يونيو 2026.
الآخر في مرآة المقارنة: شهادة الأب الدكتور جورج جانقرا مودي
وتكتسب شهادة الأب الدكتور جورج جانقرا مودي، الراعي المسؤول للكنيسة الكاثوليكية في مدينة شندي، السودان، أهمية خاصة في هذا السياق، لا لأنها مجرد إشادة بفكر محمود محمد طه، وإنما لأن صاحبها متخصص في موضوع “الآخر”، وقد أنجز الماجستير في روما عام 2005 حول الآخر عند إيمانويل ليفيناس، وهو أحد نماذج مقارنتي مع طه في محاضرتنا، كما أنجز مودي الدكتوراه في الموضوع نفسه. وقد تحدث الدكتور مودي، في تعقيبه على المحاضرة، عن أفكار طه تجاه الآخر، فقال: “أنا عندما اطلعت على محاضرة الدكتور عبد الله الفكي البشير عن المفكر محمود محمد طه، أنا اندهشت شديد من هذه الأفكار عن الآخر التي أتى بها الدكتور عبدالله الفكي البشير من المهندس المفكر محمود محمد طه”. ثم أشار إلى أن هذه الأفكار، في رأيه، لها نظائر في المسيحية وفي الأديان الأخرى وفي الإسلام، غير أن الناس لا يرونها. وتوقف تحديداً عند قول طه إن الإنسان، من حيث هو إنسان، هو مظهر الله، وقارنه بالمفهوم المسيحي الذي يرى أن الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله. ثم قال عن طه: “الأستاذ محمود محمد طه جاء قبل زمانه، والناس لم تحتمله فأعدموه”. وأضاف أن هذه الأفكار عن الآخر، التي جاء بها محمود محمد طه، مفيدة للسودان، وللشعوب في أفريقيا والوطن العربي وآسيا، وفي كل مكان، داعياً إلى أن «تحيا» هذه الأفكار في الناس حتى يستطيعوا أن يعيشوا معاً بها، لا بالأفكار القديمة.
وهذه الشهادة، بصرف النظر عن الاتفاق معها أو الاختلاف، تفتح باباً مهماً للمقارنة؛ إذ إن مفهوم الآخر عند طه يمكن أن يدخل في حوار جاد مع فلسفات الآخر الحديثة، ولا سيما فلسفة إيمانويل ليفيناس، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن أحدهما نسخة من الآخر، أو أن أي منهما استمد تصوره من الآخر.
نحو إعادة قراءة فكر محمود محمد طه
إن قيمة مفهوم الآخر عند محمود محمد طه لا تكمن فقط في أنه دعا إلى التسامح، أو رفض الكراهية، أو نادى بالسلام. فهذه قيم يمكن العثور عليها، بصيغ مختلفة، في تقاليد دينية وفلسفية عديدة. إن الأهم هو الأساس الذي أقام عليه هذه القيم. فالآخر عنده إنسان؛ والإنسان مظهر لله؛ والله يُحب في خلقه؛ ومن ثم يصبح الآخر ميداناً لمحبتنا لله. وبذلك تنتقل العلاقة معه من مجرد الاعتراف بحقه في الوجود إلى السعي في محبته، ومن مجرد التعايش إلى المشاركة، ومن مجرد عدم إيذائه إلى العمل على نفعه. ولذلك تبدو العبارة التي أطلقها طه في مارس 1951، كما وردت أعلاه، والتي جعل فيها مقياس التقوى هو العمل على نفع عيال الله في الأرض، شديدة الصلة بهذا التصور المتكامل للإنسان والآخر.
إننا، أمام هذا البناء، لا نكون إزاء “توفيق وتلفيق” بين أفكار متفرقة بقدر ما نكون إزاء محاولة لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والدين والمجتمع والكون على أساس إنساني جديد. وهنا يعود السؤال الذي بدأنا به: هل يصح، بعد استحضار هذه المستويات من طرح محمود محمد طه، القول إنه لم يشرح عوامل تخلف السودان والمجتمعات العربية الإسلامية؟ وهل يكفي الحكم عليه بأنه صاحب «نزعة توفيقية وتلفيقية» دون تفكيك منظومته الفكرية، ومناقشة مفاهيمه، ومقارنتها بمثيلاتها في الفكر الإنساني الحديث؟
إن مفهوم الآخر وحده يكشف أن الإجابة ليست بهذه البساطة. بل إن السؤال الأعمق ربما يكون: هل كان محمود محمد طه يحاول أن يوفّق بين القديم والجديد، أم كان يحاول أن يعيد بناء علاقة الإنسان بالدين والآخر والكون على أساس جديد؟
وهنا تكمن الحاجة إلى قراءة أخرى لطرحه؛ قراءة لا تبدأ بالحكم عليه، ثم تبحث عن الشواهد التي تؤيده، وإنما تبدأ من أعماله نفسها، وتدع المفاهيم والنسق والأسئلة والنتائج تتحدث. فالانتقال من قبول الآخر إلى محبته، ومن قانون القهر إلى قانون المحبة، ومن الذات المنغلقة إلى الخروج منها لمعانقة الآخر، ليس مجرد تفصيل في طرح محمود محمد طه؛ وإنما هو أحد المداخل التي تكشف عن عمق رهانه على الإنسان. ولعل هذا هو ما يجعل إعادة قراءة فكره اليوم أكثر إلحاحاً، لا أقل.
كتاب قادم عن الآخر في فكر محمود محمد طه
جدير بالذكر أن لدي كتاباً على وشك الصدور بعنوان: “نحو مفهوم جديد للآخر: من قبول الآخر إلى محبته (قراءة في الفهم الجديد للإسلام)”، وهو يواصل البحث في هذه المسألة، ويتوسع في مقارنتها بمفاهيم الآخر في عدد من التجارب الفكرية والفلسفية والدينية.
نلتقي في الجزء الثاني (3-3) من هذه الحلقة الثامنة (8- 9) مع محور: “تطور التشريع الإسلامي وصلته بتطور المجتمعات”. و”التشريعات مرآة لتطور المجتمعات”.
abdallaelbashir@gmail.com
