باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 21 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عبدالله الفكي البشير عرض كل المقالات

ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: (8-9)- جزء (3-3)

اخر تحديث: 21 أغسطس, 2026 6:16 مساءً
شارك

ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: (8-9)- جزء (3-3)

ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025)، لأمين حامد زين العابدين نموذجًا (8-9)- جزء (3-3)

بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير

تطور التشريع الإسلامي وصلته بتطور المجتمعات

“إن الإسلام فكر متطور ولا يجمد على صورة واحدة لا في التشريع ولا في الأخلاق إلا حين تعجز العقول عن الانطلاق معه”.
محمود محمد طه، 1965

يكشف كتاب الدكتور أمين حامد زين العابدين: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025)، من خلال ما تناولناه في الحلقات السابقة وما سنواصل تناوله لاحقًا، عن نمط من أنماط التعامل السائدة في جانب من الكتابات السودانية مع فكر المفكر السوداني محمود محمد طه. وينتهي الكتاب إلى جملة من الأحكام التقريرية الحاسمة، من بينها القول إن محمود محمد طه «لم يشرح في أعماله عوامل تخلف السودان والمجتمعات العربية والإسلامية» (ص 189)، وإن فكره طغت عليه «النزعة التوفيقية والتلفيقية» (ص 189). ويذهب المؤلف كذلك إلى القول، في معرض حديثه عن مشروع الدكتور عبد الله أحمد النعيم، إن استراتيجية النعيم لإصلاح الشريعة «اعتمدت […] على المنهج القانوني ومبدأ أستاذه طه للإصلاح، لارتباط ذلك بهاجس استبعاد العلمانية، لحرصه على انطلاق الإصلاح من مبادئ إسلامية بديلة للمبادئ الموروثة، عوضًا عن العلمانية التي لا تلائم ظروف المجتمعات الإسلامية» (ص 204).
وقد بيّنا في الحلقات السابقة أن هذه الأحكام، عند وضعها في مواجهة كتابات محمود محمد طه وأحاديثه ومواقفه العملية الموثقة، لا تصمد أمام الاختبار. ومن ثم، فإن إعادة النظر فيها تصبح أمرًا ضروريًا، لا سيما أن النقد العلمي لا يقوم على إطلاق الأحكام، وإنما على قراءة النصوص في سياقاتها، واستقراء مجمل الطرح الفكري، ومقارنة النتائج التي ينتهي إليها الناقد بالوقائع والنصوص التي يستند إليها.
وفي هذه الحلقة نواصل مناقشة تلك الأحكام، من خلال التوقف عند مسألة مركزية في فكر محمود محمد طه، تتمثل في رؤيته لتطور التشريع الإسلامي وصلته بتطور المجتمعات؛ إذ إن دراسة التشريعات، في تصوره، تُفضي إلى فهم التاريخ الاجتماعي والسياسي للمجتمعات، ومن ثم تكشف جانبًا مهمًا من عوامل تخلف السودان والمجتمعات العربية والإسلامية، التي زعم الدكتور أمين، دون سند كافٍ، أن محمود محمد طه لم يشرحها في أعماله. ثم ننتقل إلى شهادات عدد من الباحثين والمفكرين الذين درسوا فكر محمود محمد طه، ووقفوا على أصالة مشروعه وجِدّة طرحه في تطوير الشريعة الإسلامية.

التشريعات مرآة لتطور المجتمعات

“إذا أردت أن تعرف تاريخ أي شعب فعليك أن تعرف القوانين التي تحكمه”.
محمود محمد طه

“التاريخ إذا دُرس عبر تطور القوانين، القوانين الدينية وغير الدينية، وانتقالها من بلد لبلد، يُمكن من معرفة التاريخ الحقيقي للمجتمع والشعوب”.
محمود محمد طه، 1971

يرى المفكر محمود محمد طه أن التشريعات تمثل إحدى أهم الوسائل التي يمكن من خلالها قراءة تاريخ المجتمع وقياس درجة تطوره؛ فالقانون، في نظره، ليس مجرد مجموعة من النصوص الجامدة، وإنما هو تعبير عن حركة المجتمع وحاجاته وتحولاته. ومن هنا تأتي عبارته الدالة: “إذا أردت أن تعرف تاريخ أي شعب فعليك أن تعرف القوانين التي تحكمه”. فدراسة تطور التشريعات تكشف، في جانب مهم منها، تطور المجتمع نفسه؛ لأن القانون يتفاعل مع الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ويتغير بتغير الحاجات والمصالح ومستوى الوعي. ويرى طه أن صاحب الثقافة القانونية الواسعة، والقدرة على دراسة القوانين في سياقاتها التاريخية والاجتماعية، يستطيع أن يقدم قراءة عميقة لمسار تطور المجتمع. وبذلك تصبح التشريعات، بما تحمله من تصورات عن الحقوق والواجبات والعلاقات بين الأفراد والجماعات، وثيقة أساسية لفهم التاريخ الاجتماعي والسياسي. وإذا طبقنا هذه الرؤية على السودان، يمكننا ملاحظة أن التحولات الكبرى في التشريعات والاتفاقات الدستورية والسياسية كثيرًا ما تزامنت مع حضور الفئات المهمشة والمستضعفة في المجال العام، كما حدث، على سبيل المثال، مع اتفاقية أديس أبابا عام 1972، ثم اتفاقية السلام الشامل عام 2005.
وهنا تبرز فكرة أساسية في طرح طه، وهي أن صون حقوق المستضعفين والمهمشين وكرامتهم يمثل مظهرًا جوهريًا من مظاهر نهوض المجتمع. كتب طه في كتابه: الرسالة الثانية من الإسلام (1967)، قائلاً: “إذا وجدت مجتمعاً للضعفاء فيه حق محفوظ، وكرامة مرعية، وإذا وجدت مجتمعاً للنساء فيه حرية، وحرمة، وتشريف، وللأطفال فيه حقوق، وله بهم عناية، وعليهم رحمة، ولهم فيه محبة، فأعلم أنه مجتمع متمدن، ومتحضر”. ولهذا فهو يرى بأنه لا يمكن الحديث عن تطور حقيقي من دون حرية، ولا عن حرية من دون عدالة، ولا عن عدالة من دون مساواة، ولا عن سلام مستدام مع استمرار التهميش والإقصاء. وهو يرى بأن المجهود البشري، في تاريخه الطويل، ظل يستهدف إنصاف المستضعفين، والمظلومين على الأرض، بالقضاء على أسباب الفرقة، والتناحر، وإقامة علائق الناس، على أساس من العدل، والمحبة. واهتمامنا، نحن الجمهوريين، الشديد لنصرة المستضعفين، إنما هو، بسبيل، من تتويج، هذا المجهود البشري. (الإخوان الجمهوريون، “المنشور الأول بمناسبة: عَام الطِّفْل العَالَمي”، أم درمان، يناير 1976).

الحاجة إلى تطوير التشريع الإسلامي

“الفرق الواضح بين التشريع والقرآن… التشريع يتطور حسب حاجة وظروف البيئة المشرع لها، ثم إلى القرآن ينتهي تطور كل تشريع”.
سعيد الطيب شايب، 16 أغسطس 1962 (قبل 64 عاماً من تاريخ اليوم)
وسعيد الطيب شايب (1931–2002) من أكبر تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه، وهو كبير الإخوان الجمهوريين، وهو من دشن مرحلة التتلمذ على يديّ الأستاذ محمود محمد طه.

يمكننا قراءة رؤية محمود محمد طه لتطوير الشريعة الإسلامية انطلاقاً من السؤال الجوهري الآتي: هل يستطيع الفهم السائد للإسلام، بما تتضمنه مناهج الجامعات والمؤسسات الدينية وخطابات الدول الإسلامية وما يتداوله الأئمة والوعاظ، أن يستجيب لمطالب إنسان العصر وتحديات الحياة الحديثة؟ وتزداد أهمية السؤال عندما يتعلق الأمر بقضايا مثل المساواة السياسية، التي يعبر عنها طه بمفهوم الديمقراطية، والمساواة الاقتصادية، التي يربطها بالاشتراكية، والمساواة الاجتماعية. والإجابة عند طه واضحة: لا يمكن الحديث عن الديمقراطية والاشتراكية والمساواة الاجتماعية في الإسلام من غير الحديث عن تطوير الشريعة الإسلامية. فالأنماط التشريعية القائمة، في نظره، ارتبطت بمرحلة تاريخية محددة، ولم تعد قادرة بصورتها الراهنة على استيعاب قامة الحياة المعاصرة. ولهذا يقول إن الشريعة الإسلامية، لكي تستوعب الحياة الحديثة وتوجه طاقاتها، لا بد أن “تتفتق، وتتطور، وترتفع من فروع القرآن إلى أصوله”. فالدين، في تصوره، ليس نظامًا استنفد أغراضه التاريخية، وإنما يحمل في داخله طاقة متجددة قادرة على الاستجابة لتحولات الحياة. ومن هنا تأتي عبارته الحاسمة: “إن من يتحدث عن الديمقراطية، والاشتراكية، في الإسلام، من غير أن يتحدث عن تطوير الشريعة السلفية من مستوى آيات الفروع (الآيات المدنية)، إلى مستوى آيات الأصول (الآيات المكية)، إنما يدلي بباطل، ويتحدث فيما لا يعلم”.

من نظرية مقاصد الشريعة إلى أطروحة تطويرها

“ليس في الشريعة الإسلامية حقوق أساسية لأنها لا تمثل المستوى الديمقراطي في الإسلام، وإنما تمثل عهد الوصاية منه، وليس في عهد الوصاية دستور”.
محمود محمد طه، 1969

لا جدال في أن الشريعة الإسلامية، تنطوي على طاقة خلاقة، اتاحت للسابقين في إسهاماتهم، ابداعاً فكرياً وإنسانياً، لا سيما مقاصد الشريعة الإسلامية، والفكر المقاصدي. ومن هؤلاء على سبيل المثال، لا الحصر: الحكيم الترمزي (ت 320ه/ 932م)، فقد استخدم الفاظ المقاصد في بعض كتبه منها: إثبات العلل ، الصلاة ومقاصدها ، وأشار لها كذلك الجويني (419-478هـ / 1028-1085م)، في كتابه: البرهان في أصول الحكم ، والغزالي (450 هـ – 505 هـ / 1058م – 1111م)، المستصفى من علم الأصول . أما الشَّاطبي (538 هـ – 590هـ / 1144م- 1194م) صاحب كتاب الموافقات ، فهو المؤسس لنظرية المقاصد، كما سيرد التفصيل. وأيضاً تحدث عن المقاصد عزالدين بن عبد السلام (577هـ/1181م – 660هـ/1262م) في كتابه: قواعد الأحكام في مصالح الأنام ، وغيرهم. ومن المعاصرين علي الجرجاوي (1874- 1961) في كتابه: حكمة التشريع وفلسفته، وطاهر بن عاشور (1879م/ 1973م)، الذي نشر كتاب: مقاصد الشريعة الإسلامية، وعلال الفاسي (1910م/ 1974م) في كتابه: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها ، وغيرهم . ويُعد الإمام الشَاطبي الرائد والمؤسس الحقيقي لعلم مقاصد الشريعة. وقد أفرد له حيزاً في الجزء الثاني من كتابه: المُوافقات، حينما وضع الكليات الخمس، وهي: “حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل” ، تلبية لمتطلبات روح عصره ومقتضياته. وقد وصف بن عاشور كتاب المُوافقات للشاطبي، كما ذكر أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان في مقدمته لتحقيق كتاب الشاطبي، حيث كتب بن عاشور، قائلاً: “وظهرت مزية كتابه ظهوراً عجيباً في قرننا الحاضر والقرن قبله؛ لما أشكلت على العالم الإسلامي عند نهضته من كبوته أوجه الجمع بين أحكام الدين ومستجدات الحياة العصرية، فكان كتاب: الموافقات، للشاطبي هو المفزع وإليه المرجع لتصوير ما يقتضيه الدين من استجلاب المصالح، وتفصيل طرق الملاءمة بين حقيقة الدين الخالدة وصور الحياة المختلفة”.
ومثلما جاءت جهود الشاطبي متسقة مع روح عصره، وهي تخاطب مستجدات الحياة العصرية، وساعية للملاءمة بين حقيقة الدين وصور الحياة المختلفة، فإن محمود محمد طه عبَّر، قائلاً: لا يمكن للشريعة الإسلامية الحاضرة، أن تنظم حياة الفرد والمجتمع، ولا يمكن أن تستقيم مع قامة الحياة المعاصرة وتحديات العصر، وتلبي مطالب الإنسان المعاصر . ولهذا، لا يمكن لها أن تحقق المقاصد، والتي يلخصها، في حق الحياة وحق الحرية، وما يتفرع منهما، إلا بتطوير الشريعة الإسلامية. وهنا يجب التأكيد بأن تطوير الشريعة الإسلامية، عند محمود محمد طه، يكون من داخل القرآن الكريم، وليس من خارجه. ومن هذه الزاوية يمكن فهم طرح محمود محمد طه بوصفه محاولة أكثر جذرية في التعامل مع العلاقة بين النص القرآني والتشريع والواقع. كما أن طرح طه ينقلنا إلى سؤال أعمق وهو: هل يمكن استعادة مستوى تشريعي قرآني أكثر قدرة على الاستجابة لمطالب العصر واحتياجات الإنسان المعاصر؟

تطوير الشريعة الإسلامية من داخل القرآن: نحو شريعة الإنسان

“إن من يتحدث عن الديمقراطية، والاشتراكية، في الإسلام، من غير أن يتحدث عن تطوير الشريعة السلفية من مستوى آيات الفروع، إلى مستوى آيات الأصـول إنما يدلي بباطل، ويتحـدث فيما لا يعلم”.
محمود محمد طه، 1971

يقرر طه، بشأن الشريعة الإسلامية الحاضرة، قائلاً: “لابد من تطوير الشريعة الإسلامية لمواجهة تحديات العصر ومطالب الإنسان” . وتطوير الشريعة الإسلامية، عنده، يكون من داخل القرآن الكريم، ويعني الانتقال بالتشريع الإسلامي من نص فرعي في القرآن الكريم خدم غرضه حتى استنفده، وهي آيات الفروع (الآيات المدنية)، قرآن الفروع، إلى نص أصلي في القرآن الكريم مُدَّخر لحياة الناس اليوم، وهي آيات الأصول (الآيات المكية)، قرآن الأصول حيث الخطاب الإنساني. ويقوم التطوير عنده استناداً على النظر إلى الحكمة من وراء النص، ومدى مواءمته للواقع. ويقع تطوير الشريعة الإسلامية، عند طه، في تشريع المعاملات ولا يقع في تشريع العبادات. فالتطوير يقع في تشريع المعاملات، كالحقوق الأساسية للأفراد، وكالنظم الاقتصادية والسياسية، إلى آخر ما يرتبط بتحولات المجتمع، وما يسرع إليه التغيير من هذه النظم التي يجب أن تواكب المجتمع في حيوية، واقتدار على التجدد، والنمو، والتطور. ولا يقع التطوير في شريعة العبادات، كما يقول محمود محمد طه: “إلا على الزكاة ذات المقادير، وما ذاك إلا لأنها ليست ركنا تعبديا إلا لعلة أن الناس لم يكونوا يطيقون أفضل منها، وإلا فإن الركن التعبدي إنما هو زكاة المعصوم”. كذلك لا يقع التطوير، كما يقول طه، على تشريع المعاوضة، “وما ذاك إلا لأنه أصيل، وقد بني على الأصول الثوابت من الدين”. فتشريعات الحدود والقصاص باقية لا يدخل عليها من التطور إلا شيء طفيف يجئ من ملابسات العصر، وما يتعلق بالتوسع في فهم الشبهات التي تدرأ الحدود. وأما شريعة العبادات فلا يدخلها تطوير، وستكون باقية على صورتها المأثورة عن المعصوم ولا يدخلها من التطور إلا ما يجعلنا لا نحمل الفرد البالغ الرشيد عليها بالإكراه وإنما نحمله عليها بالإقناع وبالنموذج الكامل الذي نعرضه عليه من سيرتنا. كما أن الانسان، كما يرى طه، يترقى بشريعة العبادات من الشريعة الجماعية في تقليد النبي إلى أن يصل بها إلى شريعته الفردية في الاستقلال عن التقليد والوصول إلى الأصالة. وذلك ان العبادات وسيلة كل فرد ليحقق بالترقي بها فرديته التي لا يشبهه فيها أحد من افراد القطيع. غير أن إقامة قوانين الحدود والقصاص يجب أن تكون مصحوبة بإنجاز كبير في إقامة أخلاق الشعب على جادة من الدين، ويجب أن تكون مصحوبة أيضاً بإقامة مجتمع العدالة الاجتماعية الشاملة (الديمقراطية والاشتراكية والمساواة الاجتماعية) على نحو تطوير التشريع الإسلامي .

تطوير الشريعة والانتقال بالخطاب الإسلامي إلى المستوى الإنساني

وبتطوير الشريعة الإسلامية استناداً على الآيات المكية، آيات الأصول، يكون الخطاب الإسلامي، كما يرى طه، قد انتقل لمستوى الخطاب الإنساني الذي يقوم على الحرية والإسماح وكرامة الإنسان، حيث آيات الأصول (الآيات المكية). وهي الآيات التي تحقق المساويات الثلاث: المساواة السياسية (الديمقراطية)، والمساواة الاقتصادية (الاشتراكية)، والمساواة الاجتماعية، وهذه تمثل حاجة الإنسان المعاصر. فمثلاً في الدعوة يتم الانتقال من آية الجهاد بالسيف: “﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ(5)﴾، ليقوم العمل علي آيات الاسماح التي تدعو الناس، من خلال عقولهم، ومنها مثلا قوله تعالي: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ، أو: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ .. وقس على ذلك. وفي السياسة يتم الانتقال من آية الشوري، وهي آية وصاية الي آية الديمقراطية. وفي الاقتصاد يتم الانتقال من آية الزكاة الصغري (الفرعية)، وهي آية رأسمالية ملطفة، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ، الى آية العفو، وهي آية اشتراكية.. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ . وفي الاجتماع يتم الانتقال من آيات الوصاية، والتمييز الى آيات المسئولية والحرية، والمساواة . وعن طريق تطوير التشريع يتم الجمع بين الاشتراكية، والديمقراطية، في جهاز واحد، ويتم تحقيق العدالة الاجتماعية، فلا يكون تمييز بين الناس بسبب العنصر، أو العقيدة، أو اللون، أو الجنس، أو الطبقة، فالجميع سواسية أمام القانون، ويحكم علائقهم القانون الدستوري الذي يوفق بين حاجة الفرد الى الحرية الفردية المطلقة وحاجة الجماعة الي العدالة الاجتماعية الشاملة… فجميع صور التمييز الواردة في الشريعة ليست أصلا في الإسلام، وانما هي تشريع مرحلي اقتضاه حكم الوقت في القرن السابع . ولا مناص، مع تطور العصر، إلا بتطوير الشريعة الإسلامية.
ويترتب على تطوير الشريعة الإسلامية أمور كثيرة. فبالشريعة الإسلامية المطورة يكون الجهاد ليس أصلاً في الإسلام، وإنما فرع، وفي ذلك يقول: “الأصل في الإسلام أن كل إنسان حر، الى أن يظهر، عملياً، عجزه عن التزام واجب الحرية، ذلك بأن الحرية حق طبيعي، يقابله واجب الأداء، وهو حسن التصرف في الحرية، فإذا ظهر عجز الحر عن التزام واجب الحرية صودرت حريته، عندئذ، بقانون دستوري” . والقانون الدستوري، عند طه، هو “القانون الذي يوفق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة”. كذلك بتطوير الشريعة الإسلامية يكون الرق ليس أصلاً في الإسلام، وإنما فرع، والرأسمالية ليست أصلاً في الإسلام، وإنما فرع، وعدم المساواة بين الرجال والنساء ليس أصلاً في الإسلام، وإنما فرع، وتعدد الزوجات ليس أصلاً في الإسلام، وإنما فرع، والطلاق ليس أصلاً في الإسلام، وإنما فرع، والحجاب ليس أصلاً في الإسلام، وإنما فرع، والمجتمع المنعزل رجاله عن نسائه ليس أصلاً في الإسلام، وإنما فرع، والشريعة الجماعية ليست أصلاً، وإنما الأصل الشريعة الفردية، ذلك، وبنفس القدر الذي به الجماعة ليست أصلاً، وإنما الأصل الفرد .
والشريعة الإسلامية الحاضرة، كما يرى طه، ليست ديمقراطية، ولا هي اشتراكية، وإنما هي تقوم، في السياسة، على آية الشورى. وآية الشورى حيثما وجدت فهي غير ديمقراطية . بينما الشريعة الإسلامية المطورة عندما تقوم على أصول الدين، إنما تقوم، كما يقول طه: “على المحتوى الإنساني الذي يتسامى على العقيدة، وينعقد على الأصول التي تلتقي فيها الإنسانية الرفيعة، من حيـث أنها إنسانيـة، بصـرف النظـر عن مللها، ونحلـها، وألوانـها، وألسنتها، وأقاليـمها”.

آية الشورى ليست ديمقراطية

“هناك أمر خطير يجب تقريره هنا، وهو أن الشريعة الإسلامية ليست ديمقراطية، ولا هي اشتراكية، وإنما هي تقوم، في السياسة، على آية الشورى”.
محمود محمد طه، 1968

آية الشورى عند الأستاذ محمود ليست هي آية ديمقراطية، وإنما هي آية حكم الفرد الرشيد الذي جعل وصياً على القصر، وهي آية تنزلت من آية الديمقراطية لتعد الناس ليستأهلوا الديمقراطية، حين يجئ أوانها. يقول الأستاذ محمود: “آية الشورى التي يعتبرها علماء المسلمين آية ديمقراطية، وما هي بذاك، وإنما هي آية حكم الفرد الرشيد الذي جعل وصياً على القصر، وأمر بترشيدهم حتى يكونوا أهلا للديمقراطية، بنهوضهم إلى مستوى حسن التصرف في الحرية الفردية.. وآية الشورى تقول: “فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا، غليظ القلب، لانفضوا من حولك.. فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر.. فإذا عزمت فتوكل على الله.. إن الله يحب المتوكلين”.ويضيف قائلاً: “هذه آية الشورى، والشورى، حيث وردت، سواء في هذه الآية، أو في قوله تعالى “والذين استجابوا لربهم، وأقاموا الصلاة، وأمرهم شورى بينهم، ومما رزقناهم ينفقون”. فليست آيـة ديمقراطية، وإنما هي آية تنزلت من آية الديمقراطية لتعد الناس ليستأهلوا الديمقراطية، حين يجئ أوانها”.يرى الأستاذ محمود أن الله لم يجعل على الحرية الفردية وصياً، يقول الأستاذ محمود: “ومن كرامة الانسان عند الله أن الحرية الفردية لم يجعل عليها وصياً، حتى ولو كان هذا الوصي هو النبي على رفعة خلقه وكمال سجاياه. فقد قال تعالى في ذلك “فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر”، والمعنيون هنا هم المشركون، الذين رفضوا عبادة الله، وعكفوا على الأصنام، يعبدونها، ويتقربون إليها بالقرابين، والمنهي عن السيطرة عليهم هو الرسول محمد، الذي لم يـرد علوا في الأرض، والذي قال تعالى عنه “وإنك لعلى خلق عظيم”. تحدث الاستاذ محمود عن مرحلة إعداد النبي محمد لمجتمع المؤمنين، أثناء وصايته عليهم، لممارسة الديمقراطية، كتب الأستاذ محمود، قائلاً: “ولما كان مجتمع المؤمنين قاصرا عن الارتفاع إلى ممارسة الحرية الفردية في الاختيار والعمل فقد جعل النبي وصيا عليهم ليعدهم لتحمل مسئولية الحرية الفردية المطلقة، وهو أثناء وصايته عليهم يصر على إعطائهم حق الخطأ، كلما وسعه ذلك، من غير أن يشق عليهم أو يعنتهم.. فهو بذلك إنما يعدهم لممارسة الديمقراطية حين يقوى عودهم، ويستحصد عقلهم”.
فآية الشورى، عند الأستاذ محمود، ليست آية غير ديمقراطية، فحسب، وإنما “أكثر من هذا!! أنها ناسخة لآية الديمقراطية.. ناسخة لقوله تعالى: “فذكر إنما أنت مذكر  لست عليهم بمسيطر” هاتان الآيتان هما آيتا الديمقراطية.. وهما منسوختان على مستويين.. فأما في مستوى المشركين، فمنسوختان بآية السيف.. وأما في مستوى المؤمنين، فمنسوختان بهذه الآية – آية الشورى. والأصل في الديمقراطية آيتا “فذكر!! إنما أنت مذكر  لست عليهم بمسيطر”. وكذلك الحال، فالاشتراكية في أصول الإسلام، وليست، في فروعه.. فشريعة الإسلام الحاضرة ليست اشتراكية، وإنما هي رأسمالية، أريد بها أن تكون مرحلة تسيِّر الأمة السالفة إلى منازل الاشتراكية . ويومئذ تتطور الشريعة الحاضرة، بأن تنتقل من فروع القرآن إلى أصوله – من آية الزكاة الصغرى (الفرعية) “خذ من أمولهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم، والله سميع عليم “إلى آية الزكاة الكبرى (الأصلية) “يسألونك ماذا ينفقون قل العفو”. وهذه هي آية الزكاة الكبرى، آية زكاة النبي.. وهي، في حق الشريعة، للأمة، غير ملزمة، وإنما هي منسوخة بالآية الفرعية، آية الزكاة الصغرى. فالتطوير، كما ورد آنفاً، يقع فيما يتعلق بتنظيم المجتمع وهو الاقتصاد والسياسة والاجتماع.. فمثلا في الدعوة يتم الانتقال من آية الجهاد بالسيف: “فاذا انسلخ الأشهر الحرم، فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم”، ليقوم العمل علي آيات الاسماح التي تدعو الناس، من خلال عقولهم، ومنها مثلا قوله تعالي: “أدع الي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”، أو: “وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر”.. وعلى ذلك فقس.. ففي السياسة يتم الانتقال من آية الشوري، وهي آية وصاية الي آية الديمقراطية.. وفي الاقتصاد يتم الانتقال من آية الزكاة الصغري، وهي آية رأسمالية ملطفة، الى آية العفو، وهي آية اشتراكية.. وفي الاجتماع يتم الانتقال من آيات الوصاية، والتمييز الى آيات المسئولية والحرية، والمساواة.. وعن طريق تطوير التشريع يتم الجمع بين الاشتراكية، والديمقراطية، في جهاز واحد، ويتم تحقيق العدالة الاجتماعية، فلا يكون تمييز بين الناس بسبب العنصر، أو العقيدة، أو اللون، أو الجنس، أو الطبقة، فالجميع سواسية أمام القانون، ويحكم علائقهم القانون الدستوري الذي يوفق بين حاجة الفرد الى الحرية الفردية المطلقة وحاجة الجماعة الي العدالة الاجتماعية الشاملة… فجميع صور التمييز الواردة في الشريعة ليست أصلا في الإسلام، وانما هي تشريع مرحلي اقتضاه حكم الوقت في القرن السابع.
جدير بالذكر أن لدينا كتاب سيصدر قريباً بعنوان: من نظرية مقاصد الشريعة إلى أطروحة تطويرها: مقاربة بين الإمام إبراهيم موسى الشاطبي والأستاذ محمود محمد طه.

شهادات على أصالة وجِدّة أطروحة محمود محمد طه لتطوير الشريعة الإسلامية

شهد عدد من المفكرين والباحثين الذين درسوا فكر محمود محمد طه بأصالة فكره وجِدّته، ورأوا فيه محاولة استثنائية لإعادة التفكير في العلاقة بين الإسلام ومتطلبات العصر واحتياجات الإنسان المعاصر. ولابد من الإشارة هنا بأن الدكتورة عائشة نظيف، كانت أول قدم أطروحة دكتوراه الرؤية التجديدية للإسلام التي قدمها المفكر محمود محمد طه، بإشراف البروفيسور سلمان البدور، أستاذ شرف، قسم الفلسفة، الجامعة الأردنية، عمان، والرئيس السابق لجامعة آل البيت، عمان، الأردن، والرئيس السابق لجامعة العلوم الإسلامية العالمية، عمان. وقد أصدرت الدكتورة أطروحتها في كتاب جاء بعنوان: محمود محمد طه: رؤية تجديدية في الإسلام، الجامعة الأردنية،2017.
ونقف أدناه على بعض الشهادات من بعض الذين درسوا فكر محمود محمد طه.

حسين أحمد أمين: “فكرة أساسية ثورية”

كتب المفكر المصري الدكتور حسين أحمد أمين (1932- 2014)، في تقديمه لكتاب: عبدالله أحمد النعيم، نحو تطوير التشريع الإسلامي- الحريات المدنية وحقوق الإنسان والقانون الدولي، ترجمة حسين أحمد أمين، (القاهرة: سيناء للنشر، 1994)، ص 7، كتب الدكتور حسين، قائلاً: “وها قد مضى أكثر من ربع قرن على ظهور كتاب في السودان، هو كتاب: الرسالة الثانية من الإسلام، للشهيد محمود محمد طه، الذى أُعدَّه أهم محاولة ينهض بها مسلم معاصر لتطوير التشريع الإسلامي، والتوفيق بين التعاليم الإسلامية ومقتضيات المعاصرة، دون أن يحظى في مصر (أو في بلد إسلامي خارج السودان على حد علمي) بالاهتمام الذى هو أهل له، ودون أن نلمس له تأثيراً في اتجاهات مفكرينا ومثقفينا وجمهور شعبنا، رغم احتوائه على فكرة أساسية ثورية لا شك عندي في قدرتها متى ما صادفت القبول لدى الرأي العام الإسلامي، على أن توفر الحلول لمعظم المشكلات التي تكتنف موضوع تطبيق الشريعة، في إطار إسلامي”.
وتكتسب شهادة حسين أحمد أمين أهميتها من عدة وجوه؛ فهو ليس من تلاميذ طه، ولا ينطلق من موقع تنظيمي داخل الحركة الجمهورية، وإنما يقرأ الطرح من خارجها، ويرى فيه محاولة جديرة بالاهتمام، ويشير إلى ما يراه من قدرة لفكرته الأساسية والثورية على تقديم حلول لمشكلات تطبيق الشريعة في إطار إسلامي. وهذه الشهادة، بحد ذاتها، تمثل ردًا مهمًا على الحكم الذي يختزل فكر طه في مجرد «نزعة توفيقية وتلفيقية»؛ إذ إن قارئًا من خارج الطرح رأى فيه محاولة أساسية وثورية لتطوير التشريع الإسلامي.

كورنيل وست: “كتابات ثرية وثورية”

أما المفكر الأمريكي البروفيسور كورنيل وست، أستاذ الدراسات الأميركية والأديان المقارنة، فقد عبّر عن تقدير استثنائي لمحمود محمد طه وفكره. ومن أقواله: “حينما يذكر الأستاذ محمود فإني أرتعش وأرتعد لأنني لم أر مثل هذا الاتساق الفكري والسلوكي، والأخلاقي متمثلاً في أي شخص، بمن في ذلك سقراط وغاندي ومارتن لوثر كنج ومانديلا، وغيرهم من رسل الحقيقة، على عظمة هؤلاء الأبطال الأفزاز، ولكون الفكر الجمهوري هو الوحيد القادر على إخراج العالم من أزمته الراهنة التي أدخله فيه التسلط الأمريكي والهوس الديني”. وكتب وست في كتابه: Democracy Matters: Winning the fight against Imperialism (الديمقراطية همنا: كسب الصراع ضد الإمبريالية)، قائلاً: “هناك ثلاثة جهود أساسية لدمقرطة العالم الإسلامي من قبل المسلمين أنفسهم…. آخر مجهود رئيس، يوجد في كتابات محمود محمد طه الثرية والثورية .”
وتكمن أهمية شهادة وست في أنها تأتي من مفكر ينظر إلى طرح طه من زاوية أوسع من الجدل الفقهي الداخلي؛ فهو يضعه في سياق أسئلة الديمقراطية والعدالة والسلام والتحرر من الاستبداد والإمبريالية، ويرى في فكر طه موردًا مهمًا في التفكير في مستقبل العالم.
كما أن استجابة وست للمشاركة في كتاب جماعي عن فكر محمود محمد طه، بمشاركة (46) من المفكرين والباحثين والباحثات من بلدان مختلفة، تعكس استمرار اهتمامه بطرح طه وتقديره لمكانته الفكرية. ومن المنتظر أن يصدر الكتاب الجماعي قريباً، بعنوان: التنوير بين الدين والسياسة: محمود محمد طه نموذجًا، بإشراف البروفيسور كنزة القاسمي من المغرب والدكتور عبد الله الفكي البشير من السودان، وقد قدم له كل من البروفيسور محمد المصباحي من المغرب، والبروفيسور مصطفى النشار من مصر، والبروفيسور ماجد الغرباوي من العراق.

جعفر نجم نصر: “السقف أو الحد الأعلى من التجديد”

ومن الشهادات اللافتة كذلك شهادة البروفيسور جعفر نجم نصر، أستاذ أنثروبولوجيا الدين وعلم اجتماع الدين بالجامعة المستنصرية في العراق، الذي خلص بعد دراسته لفكر محمود محمد طه، إلى القول: “إن الأستاذ طه وبحسب أطروحاته تلك قدم السقف أو الحد الأعلى من التجديد الذي لا يمكن لأحد أن يقدم أعلى منه بحسب اعتقادي”. وقد نشر البروفيسور جعفر دراسته بعنوان: الإسلام الكوني والإسلام العربي: محمود محمد طه والحل الصوفي للشريعة الإسلامية (2019). وأتبع كتابه بنشر العديد من الأوراق العلمية عن فكر محمود محمد طه، كما أنه مشارك معنا بورقة في الكتاب الجماعي آنف الذكر، فضلاً عن عضويته في اللجنة العلمية لكتاب جماعي بعنوان: قضايا النساء في فكر محمود محمد طه: قراءات وشهادات نسائية، بإشراف البروفيسور آمال قرامي (تونس)، والدكتور عبد الله الفكي البشير (السودان)، وبمشاركة (30) من تلميذات الأستاذ محمود محمد طه (الأخوات الجمهوريات)، وباحثات من دول مختلفة.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها تصدر عن باحث أكاديمي تناول فكر طه بالدراسة والتحليل، ولم يكتفِ بالتعاطف معه أو عرضه من الداخل. ووصف الطرح بأنه يمثل «السقف الأعلى من التجديد» يعني أن صاحبه يرى فيه تجاوزًا لما كان مطروحًا في مجال التجديد الديني إلى مستوى أكثر جذرية واتساعًا.

ماذا تكشف هذه الشهادات؟

تكشف هذه الشهادات، عند جمعها وتحليلها، أن طرح محمود محمد طه لم يكن مجرد محاولة فكرية سودانية محدودة التأثير، كما قد توحي بعض القراءات الاختزالية، بل كان طرحاً أثار اهتمام مفكرين وباحثين من خلفيات فكرية وجغرافية متعددة. فقد رأى حسين أحمد أمين في «الرسالة الثانية من الإسلام» أهم محاولة لمسلم معاصر لتطوير التشريع الإسلامي والتوفيق بين التعاليم الإسلامية ومقتضيات العصر. كما وصف كورنيل وست كتابات محمود محمد طه بالثراء والثورية، وربط طرحه بقضايا دمقرطة العالم الإسلامي. أما جعفر نجم نصر، فقد ذهب إلى وصف هذا الطرح بأنه يمثل الحد الأعلى من التجديد.
وعلى الرغم من اختلاف هذه القراءات في منطلقاتها الفكرية وزوايا نظرها وتقييماتها للطرح، فإنها تلتقي عند دلالة أساسية، تتمثل في صعوبة اختزال فكر محمود محمد طه في مجرد محاولة لـ “التوفيق” أو “التلفيق” بين الإسلام ومتطلبات العصر. فمثل هذا الاختزال لا يبدو كافيًا لتفسير طبيعة الطرح، ولا يستوعب ما يتضمنه من اجتهادات ورؤى ومواقف تجاه قضايا التشريع والحداثة والتراث. وسيأتي الحديث لاحقاً عن رؤية محمود محمد طه تجاه التراث والحداثة. ومن هنا، فإن استحضار هذه الشهادات، إلى جانب ما سبق عرضه من حجج وكتابات طه وأحاديثه ومواقفه الموثقة في الحلقات السابقة، يثير سؤالًا منهجيًا يتعلق بمدى استيفاء النقد الموجّه إلى فكر محمود محمد طه لمتطلبات النقد العلمي الموضوعي. فالحكم على طرح فكري بهذا الحجم يقتضي الإحاطة بمقولاته الأساسية وسياقاتها ومصادرها، قبل اختزالها في توصيفات عامة لا تعكس حقيقة الطرح وتعقيداته.
ولعل المفكر محمود محمد طه نفسه قد لخّص جوهر النقد الذي يتسم بالاعتدال والمسؤولية في شرطين أساسيين هما: “العلم والصدق”؛ فالعلم يقتضي الإحاطة بالموضوع وفهمه قبل الحكم عليه، والصدق يقتضي تجرد الناقد عن الانتقائية والتحيز، والالتزام بما تقتضيه الأمانة العلمية في عرض الأفكار ونقدها.

خاتمة

إن مناقشة طرح محمود محمد طه تتطلب قدرًا كبيرًا من الدقة العلمية؛ لأن الطرح يقوم على بناء فكري متكامل لا يصح اختزاله في عبارات أو مواقف منفردة. كما أن الحكم عليه ينبغي أن يستند إلى قراءة مباشرة لكتبه وأحاديثه ومواقفه، لا إلى تلخيصات ثانوية أو أحكام تقريرية لا تستند إلى النصوص. وقد حاولنا، في هذا المقال، أن نضع أطروحة تطوير الشريعة عند طه في سياقها العام، بدءًا من رؤيته للعلاقة بين التشريع وتطور المجتمع، مرورًا بفكرته عن الانتقال من آيات الفروع إلى آيات الأصول، ووصولًا إلى تصوره للديمقراطية والحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.
ثم عرضنا شهادات عدد من الدارسين والمفكرين الذين تعاملوا مع طرح طه بوصفه طرحاً أصيلًا وجديدًا في مجال التجديد الإسلامي؛ من حسين أحمد أمين الذي وصف الرسالة الثانية من الإسلام بأنها أهم محاولة لمسلم معاصر لتطوير التشريع الإسلامي، ووصف فكرة تطوير الشريعة بالأساسية والثورية، إلى كورنيل وست الذي وصف كتابات طه بالثرية والثورية، إلى جعفر نجم نصر الذي رأى أن طه بلغ “السقف الأعلى” من التجديد. وعليه، فإن القول بضعف أصالة فكر محمود محمد طه، أو اختزاله غير المحق في “نزعته التوفيقية والتلفيقية”، يحتاج إلى أكثر من حكم تقريري؛ يحتاج إلى قراءة كتابات طه وأحاديثه، إذ كيف يطلق الباحث حكماً دون الاطلاع؟ كما تبين حال الدكتور أمين. ويحتاج إطلاق الحكم كذلك إلى مناقشة منهجية كتابات طه الأساسية وأحاديثه، وإلى وضعها في سياق الفكر الإسلامي الحديث، ومقارنتها بما سبقها وما تلاها من مشاريع التجديد، فضلاً عن استصحاب آراء المتخصصين من الذين درسوا فكر محمود محمد طه. فإذا كان طرح طه قد دعا إلى تطوير الشريعة من داخل القرآن، وربط هذا التطوير بالحرية والديمقراطية والسلام والتسامح والمساواة والعدالة الاجتماعية، وقدم تصورًا متكاملًا للانتقال من تشريع الوصاية إلى تشريع المسؤولية، فإن السؤال العلمي لا ينبغي أن يكون فقط: هل نوافق المفكر محمود محمد طه أم نختلف معه؟ وإنما أيضًا: ما الذي أضافه إلى سؤال التجديد الإسلامي؟ وما الذي جعله، في نظر عدد من أبرز الدارسين، طرحاً أصيلًا وثوريًا وذا سقف أعلى في التجديد؟ وكيف نقل الفكر الإسلامي إلى مصاف الأفق الإنساني؟
وهذه الأسئلة، قبل الإجابة عنها بالنفي أو الإثبات، تفرض قراءة فكر محمود محمد طه في نصوصه الأصلية، وبمنهج يتسع لتعقيد طرحه وتعدد مستوياته، بعيدًا عن الأحكام المسبقة، على شاكلة “التوفيقية والتلفيقية”، وبعيداً عن الاختزالات المربكة والاجتزاءات المضللة، والمفارقة للوقائع والعلمية.
نلتقي في الحلقة التاسعة (9- 9)، وهي تقع في خمسة أجزاء.

abdallaelbashir@gmail.com

Author

عبدالله الفكي البشير

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
ترامب وأزمة العقلانية التواصلية
منبر الرأي
صدى العقل الحائر- لماذا غاب المفكر السوداني عن المجال العام؟
منبر الرأي
ما حكم العارية والعاري في بيوت لا تدخلها الملائكة (1- 2 ) .. بقلم: د. عبدالسلام نورالدين
الأخبار
مسؤولة دولية تدعو لمنع حدوث إبادة جماعية في جنوب السودان
منبر الرأي
​مأمون التلب… صائد اللغة

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

في فن القصة … بقلم: امير حمد _برلين

د. أمير حمد
منبر الرأي

منصور خالد: حاضرآ يوم مقتل الشهيد الشفيع تحت أحذية ابوالقاسم وجنوده .. وجالساً في مجلس عزاء فاطمة، ارملة الشهيد؟! .. بقلم: عبدالرحمن أحمد بركات

طارق الجزولي
منبر الرأي

إنقلاب القصر .. ذاك السيناريو الخائب ! .. بقلم فضيلي جماع

فضيلي جماع
منبر الرأي

ضُلُّ الفيِلْ .. بقلم/ عادل سيد أحمد

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss