قصة قصيرة
في الصالة الفسيحة ذات الإضاءة الصفراء التي تبعث على الإلفة الدافئة، اجتمع شمل الأصدقاء كما لم يجتمع منذ زمن.
أكثر من ثمانية عشر عاما مضت منذ تخرّجهم في الجامعة وتفرّقهم عبر دروب الحياة، ولم تكتمل جلستهم وجهًا لوجه منذ أمد بعيد.
كانوا يضحكون، ويسترجعون الذكريات، كأنما تفرّقوا بالأمس… يتفرّسون في ترسم خيوط الزمن على وجوههم، ويعقدون مقارنات عجلى بين ملامحهم في تلك الأيام المتصرّمة، وبين ما تبقّى لهم منها.
وكانوا جميعًا يدركون، في دواخلهم، أن هذا اللقاء مختلف.
وقف مضيفهم عدلي، بجسمه المديد وبطنه الذي تمدّد مع الزمن، وشاربه الأبيض الكث، في منتصف المجلس. تنحنح قليلًا، وبدت على ملامحه علامات جدّية مفاجئة، وابتسامة غير متكلّفة، وقال:
– “أتدرون لماذا دعوتكم اليوم؟ أريد منكم أن نودّع مرحلة الشباب وداعًا طقوسيًا، ونتأهّب لمرحلة الشيخوخة.”
سادت لحظة من الصمت العميق. ثم قهقه مرتضى، الذي ولج عالم الأعمال الحرة، وكان كما عهدوه: مفتول العضلات، عالي الصوت، لا يكفّ عن التحدي، لا يتكلف الحديث وإنما يقتحمه بنفسية طلقة وروح وثابة.
– “ومن نصبك ناطقًا باسم الزمن؟!
أنا لن أودّع شيئًا لم يغادرني بعد. ما دام هذا الجسد واقفًا دون عكاز، وما دامت الروح تسري في أوصاله بهمة، والقلب ينبض بالشغف، فأنا شاب حتى آخر نفس!”
برقة فائقة صفّقت مريم ، المحامية التي لم تتزوج بعد، طويلة القامة، نضرة الوجه، وملامحها ما زالت تحتفظ بذلك البهاء الذي عرفوه منذ أيام الدراسة.
– “أتفق مع مرتضى. ما دامت ملامحي تنصفني، فلن أرفع الراية!”
تدخّل طه، الذي صار طبيبا مرموقا في أمراض القلب:
– “الحياة مراحل، يا أصدقاء. لكل مرحلة خصائصها وجمالها. لا يصح أن ننكر الواقع. مغادرة الشباب لا تعني مغادرة الحياة. ولا بدّ من العبور، حتى وإن لم نقتنع به؛ فإن الظروف ستجعلنا في حالة دفاع عن شيءٍ افتقدناه، ولن يعود. حتى القلوب تشيخ…”
ونظر إلى مرتضى بتأمل وترقّب.
هتف زين العابدين، الذي أصيبت ساقه في حادث قبل سنتين، ورفع عصاه الطبية:
– “أنا دخلت الشيخوخة قبل الأوان… فلنرفع نخب العمر الجديد!”
ولوّح بعصاه في الهواء.
عندها نادى عدلي ابنه مصطفى، وكان في الثامنة عشرة، يحمل صينية مملوءة بأقداح العصير التي قدمها للضيوف بترحاب.
قال له ممازحًا وهو يشير إلى أصدقائه:
– “تعال يا مصطفى، لقد حان وقت تسلّمك راية الشباب من هؤلاء الشيوخ!”
ظ
ضحك الجميع، وعلت تعليقات مازحة…
إلا مرتضى، الذي نهض فجأة دون أن ينبس بكلمة، واتجه نحو الشاب بخطى واسعة.
مدّ يده لمصطفى قائلاً بنبرةٍ مرحة في ظاهرها، حادة في باطنها:
– “مصافحتك شرط التسلُّم، يا بطل… وهذا هو الطقس الوحيد الذي أؤمن به.”
مدّ مصطفى يده بتردّد، لكن قبل أن تلامس كفّ مرتضى جيدًا، انقضّ الرجل على يد الشاب بقوة مفاجئة!
قبضة صلبة، محكمة، كأنها معصرة تسحق العظام.
ضغط مرتضى بشدّة، وبدأ وجه مصطفى يتغيّر.
حاول أن يسحب يده، فلما أعجزه الألم، تأوّه، وبدت ملامحه الغضّة باكية من شدته.
خمد الضحك، واتّسعت العيون.
حتى عدلي، الذي اعتاد جنون صديقه، نظر مذهولًا.
احمرّ وجه الشاب وتقلّصت ملامحه من فرط الألم، وهمهم متوجّعًا:
– “آه… أرجوك!”
ابتسم مرتضى أخيرًا، ورفع يده عاليًا وهو يحرّر كف الشاب، ثم قال بصوت جهوري:
“الراية لا تُسلَّم للعُمر، وإنما لمن يحتمل الألم.”
ضحك الجميع، لكن خلف الضحكات كان هناك صمت غير مرئي…
صمت رجلٍ يُقاتل الزمن بقبضته.
وصمت آخرين… تذكّروا أن الزمن لا يُقاتَل طويلًا.
في تلك الليلة، لم تُحسم المسألة. ولم تتم أي طقوس.
لكن بدت في عيون بعضهم النهايات التي قد بدأت…
وفي عيون آخرين، لم تبدأ بعد.
د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم