محمد الشريف
m.omeralshrif114@gmail.com
العام المنصرم 2025 وما أدراك ما 2025 !!! عام العجَب والكوارث واللهب والنيازك و الشُّهب الملتهبة والمتفجِّرة والموقوتة ! عام العَنَت والمشَّقة والابتلاء الكبير بالنسبة للسودان والسودانيين . وهو أقرب ما يكون شَبَهاٌ لما يُعرفُ ، في التاريخ الإسلامي ، بعام الرَّمادة . ونقف قليلاٌ عند التذكير بحيثيات ما كان في ذلك العام ثم نُعرِّجُ على عامنا المكلوم الخامس والعشرين من الألفية الثالثة في سوداننا المأزوم .
عام الرمادة تسميةٌ لسنةِ قحطٍ وجدبٍ وجوعٍ أصابتْ المدينة المنورة وما حولها زمن خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وتُؤرَّخ هذه الفترة برجوع النّاس من الحج سنة 18هجرية الموافق 639 ميلادية وحتى تسعة أشهر . فيه صارت الأرضُ كلّها سوداء، فشُبّهتْ بالرَّماد، وفي ذلك تعليلُ التسمية بعام الرمادة . وقد ماتَ خلقٌ كثيرٌ في عام الرمادة جرَّاء الجوع والمَسْغَبة والنزوح .
والبَونُ شاسعٌ بين رمادنا وعام الرمادة . فقد كان هنالك عمر الفاروق – رضي الله عنه – الذي خفَّف من وَقْعِ الكارثة التي أَحْدقتْ بالمسلمين في ذلك العام .
ماذا فعل عمر بن الخطاب في عام الرمادة؟
حثَّ الناس على كثرة الصلاة والدعاء واللجوء إلى الله ، طلبَ الغيثَ من الله وطلبَ الإغاثة من وُلاتِه على المدن الإسلامية ، أوقفَ إقامةَ الحَدِّ في عام الرمادة وعمل على تأخير دفع الزكاة في عام الرمادة .
وهذا اختصارٌ شديدٌ لما فعله الفاروق رضي الله عنه .
قد يقول قارئٌ إنَّ البَوْنَ شاسعٌ ولا مجال للمقارنة هنا . فأقول نعم ولكنني أقَمتُها من حيث معاناة المسلمين جوعاٌ وموتاٌ ونزوحاٌ و… هلُمَّ رماد بلادنا وسواد أرضها وبؤس أهلها . وربَّما كان ما وقع من فظائع في غُرناطة الاندلسية أقربَ إلى حرب السودان التي تدور رحاها منذ الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣ إلى يومنا هذا . وكانت غرناطة آخر ولاية إسلامية في الأندلس اكتسحها الجيشُ الإسباني في عام ١٤٩١ م .
وتتفقُ المصادرُ العربية والأجنبية على أنَّ الجيشَ الإسباني استخدمَ المِدفعية الثقيلة في حربه، ثم أحرقَ جنودُه كلَّ المزارع والمحاصيل خارج الأسوار . بل أُحرِقَ الناسُ في الشوارع وأُحرِقتْ الكتب أكواماٌ أكواما . ويَذكُر المؤرِّخ “محمد عبد الله عنان” في موسوعته “دولة الإسلام في الأندلس” أن السكان المستضعفين لم يجدوا ما يأكلونه في الصِّيام، فذبحوا القطط والكلاب، وأكلوا الفئران.
طفحَ كيلُ حربِنا اللعينة في السودان في ٢٠٢٥ وارتفعتْ وتيرةُ الفظائع والانتهاكات فأصبحتْ مثيلتُها في غُرناطة وعامُ الرمادة في المدينة المُنوَّرة أهونْ :
○ إتَّشحَتْ الأرضُ بِوشاح السَّواد والرماد الذي اكتَستهُ على أيدي مغول العصر تتار الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في أبريل ٢٠٢٣ فأصبحتْ ٢٠٢٥ حُبلَى بِكُل نُطَف القذارة والفُجُور في الخُصُومة والحَرابة :
○ حرائق عمَّت القرى والحَضَر وجُثثٌ أعْيَتْ الكلاب والعُقبَان
○ دمارٌ أتى على كل الدِّيار أكانت مساكنَ ، مدارسَ، مساجدَ ، مستشفياتٍ ، جامعاتٍ ، مصانعَ ، أو مقار حكومية .
○ اسْتَتبعَ كُلَّ ذلك نهبُ وسلبُ ، سرقةُ و ” شفشفة ” لكل ماهو مفيدٌ وثمينٌ وتدميرٌ أو حرقٌ ما لم يَسهُلْ نزعُه أو حِملُه .
○ عمَّ الخرابُ و ” الرَّماد كال حمَّاد ” واضطُرَّ الجميع إلى الهروب والنزوح بعد اشتداد المعارك بين طرفي الصِّراع .
○ لم يُقصِّر الطرف الآخر في إشعالِ الحرائق بالبراميل المتفجرة على الأسواق والمجمعات السكنية التي أوّى اليها البعضُ اشتباهاً بأنها تأوي ” دعّامة ” .
○ لم يقفْ السَّوادُ والرَّمادُ عند هذا الحد بل فعلتْ الغازات الكيماوية فِعلتَها في العاصمة وبعضِ الأقاليم البعيدة .
○ أمَّا الحديثُ عن أعدادِ القتلى والنازحين واللاجئين والجوعى فذلك ممّا يشيبُ له الوِلدان ولا مجال لِطَرقِه هنا ، ودَعْ عنك الاغتصابَ وحرقَ الأعصابِ بالاذلالِ والاهاناتِ وغيرها ممّا بَرَع فيه الطرفان ومناديبُ الميليشيا المُفَوَّضة .
وهكذا حازَ العام ٢٠٢٥ وحربُ السودان على أسوأ الملفات من بين البلدان التي تُعاني حروباً حول العالم من حيثُ الانتهاكاتِ والفظائعَ والأمراضِ والجوع والقهر . تَسيَّد هذا العام ميادينَ الكوارثِ عالمياً وقد وَرِثَ عمّا قَبْله من عامي ٢٠٢٣ و ٢٠٢٤ كلَّ ما أهَّلَه لهذا الترتيبِ الأولِ كارثياً .
وهكذا استَحقَّ العامُ المُنصَرِمُ التَّسمِية ب ” عام الرمادة ” .
محمد عمر الشريف
جدة في ٧/ يناير 2026
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم