عباقرة الكلوب هاوس- حين يتحول المايكروفون إلى عرشٍ للغرور

زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com

في العوالم الافتراضية، حيث تذوب الحدود بين الحوار والأداء، يبرز مشهد ثقافي فريد؛ مشهد يتحول فيه “المايكروفون” من أداة للتواصل إلى منصة للاستعلاء. إنهم “عباقرة الكلوب هاوس”، أولئك الذين لا يرون في الغرفة الرقمية فضاءً للنقاش، بل يرونها منبراً يُخولهم إسداء الحكمة للعامة.

الاستهلال بدلاً من التحية
لا يبدؤون حديثهم بالسلام، بل بجملة استهلالية تفصح عن مقامهم المُفترض: “أولاً، دعوني أوضح نقطة فلسفية…”. من اللحظة الأولى، يُعلنون أن الحوار لن يكون بين أنداد، بل سيكون محاضرة أحادية الاتجاه، يحمل فيها المتحدث وحده مشعل المعرفة، بينما على المستمعين دور المتلقي السلبي.

المصطلح سلاحاً والغموض درعاً
يُسرف هؤلاء على أنفسهم في رشق مصطلحات فلسفية وعلمية (“الهرمنيوطيقا”، “تفكيك الخطاب”، “البنيوية”) ليس لغاية توضيحية، بل كطقوس لإثبات التفوق. إنهم ينسجون حول أفكارهم – التي قد تكون بسيطة في جوهرها – ستاراً من التعقيد الاصطلاحي، وكأنهم يخشون أن يكشف الوضوح هشاشة بنيانهم الفكري. المصطلح هنا لم يعد أداة للفهم، بل أصبح وساماً للتباهي ووسيلة لإقصاء أي رأي مخالف بتهمة “السطحية” و”قلة القراءة”.

تمثيلية المثقف حين يطغى الأداء على الجوهر
الكثير من هؤلاء “العباقرة” ليسوا سوى ممثلين بارعين في دور “المفكر”. إنهم يمتلكون مقدرة لافتة على تلوين نبرات الصوت، واختزان مجموعة من الاقتباسات الجاهزة، وإطلاق ضحكات محسوبة توحي بعمقٍ غير موجود. إنهم لا يسعون إلى المعرفة بقدر ما يسعون إلى “صورة” المثقف، في زمنٍ أصبحت فيه الصورة أبلغ من المضمون.

المعرفة كأداة للهيمنة لا للتحرر
الغاية الحقيقية من هذا الأداء ليست نقاش الأفكار أو بناء المعرفة الجماعية، بل تأكيد هيمنة صوت واحد. يتبنى هؤلاء خطاباً تنويري، يحمل شعارات الحرية الفكرية، لكنه في حقيقته لا يحتمل التعددية ولا يرى في الرأي المخالف سوى جهلٍ يجب تصحيحه. إنهم يورِّطون المعرفة في لعبة سلطة، يحتمون خلفها من مواجهة حقيقة محدوديتهم وبشريتهم.

دعوة إلى التواضع الفكري
في الختام، لا ينبغي أن يتحول فضاء الحوار الحر إلى مسرح لتضخم الأنا. إن القيمة الحقيقية لأي منصة نقاش تكمن في قدرتها على خلق مساحة آمنة لتبادل الأفكار بعيداً عن نبرة الوصاية والاستعلاء. فليكن ذكرى لنا جميعاً: أن صخب الصوت لا يغني عن عمق الفكرة، وأن كثرة المصطلحات لا تعوض عن رصانة المنطق، وأن من يتحدث كثيراً عن التواضع قد يكون أكثرنا حاجة إلى استحضاره. فالحكمة الحقيقية لا تُعلَّق على جدران الغرف الافتراضية، بل تُختبر في سلوكنا وفِي قدرتنا على الاستماع بقدر ما نتحدث.

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

بين الأمس وبكرة – الحزب الشيوعي السوداني.. الرسالة تمت ولا الحكاية يادوب بدت؟

زهير عثمانzuhair.osman@aol.com ثمانين سنة في “سكة” السياسة السودانية ما رقم ساهل ولا كلام ساكت , …