mustafabatal@msn.com
قلنا فيما سبق ونحن نحتفي بتقويم العميد عبد الرحمن فرح لأداء الحزب الاتحادي الديمقراطي خلال حقبة الديمقراطية البرلمانية الثالثة، أن الأداء العام لمجمل الأحزاب والقوى السياسية، المشاركة في تلك التجربة، على مختلف مشاربها واتجاهاتها، لم يحظ بتقويم موضوعي حتى يومنا هذا. والحاجة الى مثل ذلك التقويم المتجرد تظل قائمة. وقد لمع في ذهني ذات مرة اسم العالم الجليل البروفيسور أحمد ابراهيم أبوشوك، ليسد تلك الثغرة في كتاب تاريخنا السياسي، فينال الأجر الواحد، أو الاجرين معاً.
إذ لم تنهض لتلك المهمة جهة ذات وزن ومصداقية وقدرة. وإنما ترك الأمر في يد الحيوانات السياسية في مزرعة السياسة السودانية (أكدنا على تعريف أرسطو للإنسان كحيوان سياسي). وميزة تعريف أرسطو انه يوحد بيننا، نخبة وعامة، ويجمعنا على صعيد واحد. لا فرق بين حيوان وحيوان الا بالتقوى. وذلك توحيد ضروري طالما ان أداء النخبة في مورد التقويم الحاضر لم يجاوز استسهال الترديد التجهيلي العبثي لحزمة من أحكام إطلاقيه لم يؤيدها الواقع ولم يوثقها التاريخ، وهو مسلك ترفعت عنه العامة في غالب أمرها.
ولعلني، طالما لم ابارح بعد محطة الاحكام النخبوية التجهيلية الاطلاقيه، و قبل أن استطرد في تقويم دور الحزب الاتحادي الديمقراطي، أتوقف لأروى لك – أعزك الله – عن موقف لا أعرف ان كان طريفاً ام محزناً حضرته بعد أيام قلائل من قيام انقلاب العصبة المنقذة في يونيو 1989. المكان: احدي قاعات مبني حكومي بالخرطوم، الحضور: أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة، والصحافي البريطاني جوليان أوزين، وشخصي، ثم العميد (آنذاك) الدكتور بابكر محمد توم، الذي تولي في ما بعد عدداً من المناصب الدستورية. وكان الصحافي البريطاني يجري، إنابةً عن صحيفة فاينانشيال تايمز الأمريكية، حديثاً صحفياً مع القيادي السوداني الكبير.
في منتصف اللقاء توقف الصحافي ليسأل عضو مجلس قيادة الثورة عن مبادرة الميرغني-قرنق الشهيرة، ونقاط الاعتراض التي كان قد قدمها حولها رئيس الوزراء المطاح به، والتي عرفت في الادب السياسي وقتها بمصطلح (توضيحاتها). وهنا انطلق عضو مجلس الثورة في (وصلة) هجوم على رئيس الوزراء السابق، وكال له من الاتهامات أشكالاً وألواناً. ثم ختم الوصلة بأن ذكر أنه يرفض موقف المهدي و(توضيحاته) من مبادرة الميرغني. كان ذلك، بطبيعة الحال، في زمن تعمد فيه قادة العصبة المنقذة إرسال رسائل مضللة ومختلطة الى الشارع السوداني والعالم الخارجي، تخلق للحاكمين الجدد في الأخيلة العامة، داخلياً وخارجياً، صوراً غير الصورة الاسلاموية الحقيقية التي استبانت لاحقا.
سأل جوليان أوزين القيادي الانقاذوي، عما اذا كان اعتراضه يشمل نقاطاً بعينها، ام انه يشمل جميع النقاط والتحفظات التي أوردها المهدي. جاء الرد بأن الرفض يطال جميع النقاط بغير استثناء. هنا حدثت المفاجأة التي لم يتوقعها عضو مجلس قيادة الثورة. إذ فتح الصحافي كراسته وأخذ يقرأ النقاط والتحفظات والتوضيحات المهدوية موضوع السؤال. ووقف عند النقطة التي اعترض فيها المهدي على ما جاء في الاتفاق بشأن التزام الحكومة برفع حالة الطوارئ في جنوبي البلاد. انصب اعتراض المهدي على ترتيب بنود الغاء حالة الطوارئ واعلان وقف اطلاق النار، فكان موقفه أن حالة الطوارئ ترفع فقط بعد وقف اطلاق النار، لا قبله. بعبارة اخري طالب بأن تلتزم الحركة الشعبية بوقف اطلاق النار اولاً، ثم تعلن الحكومة رفع حالة الطوارئ ثانياً. وكان عدد من كبار ضباط القوات المسلحة المتقاعدين قد طلبوا مقابلة رئيس الوزراء قبل ذلك، ونبهوه الى بعض المخاطر الاستراتيجية في اتفاق الميرغني-قرنق، والتمسوا حماية ظهر القوات المسلحة بعدم الموافقة على رفع حالة الطوارئ قبل التزام جيش الحركة بوقف اطلاق النار. وتفهم رئيس الوزراء ذلك المطلب وتبناه، فكان واحداً من (التوضيحات) التي ضمنها مذكرته الشهيرة.
سأل جوليان أوزين عضو مجلس قيادة الثورة عن وجه اعتراضه، وهو ضابط في القوات المسلحة، على هذه النقطة تحديداً، طالما ان هدفها النهائي هو تأمين القوات المسلحة وحمايتها وتعزيز مركزها. هنا أجفل القيادي الانقاذوي وارتبك، وطلب أن ينظر في الكراسة التي كان الصحافي يقرأ منها، وهو طلب أقل ما يمكن ان يوصف به أنه غريب. ثم أخذ يقرأ بصعوبة ويسأل عن النقاط واحدة واحدة، بعد ان اتضح أنه يقرأها ويتعرف عليها للمرة الاولى! وهنا تدخل العميد (اللواء) الدكتور بابكر محمد توم، وهو يستشعر الحرج، ليأخذ بزمام المبادرة ويتحول بالحديث الى مجرى آخر. وتنفست أنا الصعداء بعد ان كدت اختنق!
خاتمة الرواية أنه اتضح للصحافي الاجنبي وبما لا يدع مجالاً للشك أن عضو مجلس قيادة الثورة لم يكن قد اطلع على المذكرة الشهيرة التي عرفت باسم (توضيحات) رئيس الوزراء على الاتفاقية، ولا يعرف عن بنودها شيئاً. ولكنه مع ذلك لم يجد وازعاً من أن ينطلق في سلسلة من الأحكام الاطلاقيه الجزافية بحق رئيس الوزراء السابق ويهيل على رأسه من الطوب والحجارة ما شاء الله له يهيل. ومثل حبيبنا عضو مجلس قيادة الثورة، وفي ذيله، آلاف المتعلمين والمثقفين السودانيين!
الا قاتل الله الاستطراد. كانت خطتنا ان نتوسع، غداة يومنا هذا، في طرح ومناقشة وتقويم دور الحزب الاتحادي الديمقراطي في غضون تجربة الديمقراطية البرلمانية الثالثة، فانتهي بنا الحال الى التوسع في طرح ومناقشة حالات وأمثلة اضافية من الاحكام التجهيلية الإطلاقيه، والتعميمات العبثية الجزافية، وسيادة روح القطيع في حياتنا العامة.
غفر الله لي ولكم، ولأرسطو الذي جعل منا جميعاً حيوانات سياسية في ملكوت الله. وأسفي شديد لحبيبنا، الانسان الشفيف الخلوق كريم النفس، اللواء الدكتور بابكر محمد توم، الذي ورطناه بغير إرادة منا، في حديث زمان غابر، حسبناه مضى وتولى، ما كان ليخطر ببالنا ان نسترجعه ونستعيده، ولكن الله غالبٌ على أمره.
لا بأس. نواصل الأحد القادم بعون الله.
الرابط للحلقتين الاولى والثانية
https://sudanile.com/index.php?option=com_content&view=article&id=54435:—-1——&catid=61:2008-12-04-08-34-48&Itemid=55
نقلا عن صحيفة (الخرطوم)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم