عبد الرحيم أبو ذكرى* : شاعرٌ يكتب من حافة الرحيل

١

لا يُكتب عن عبد الرحيم أبو ذكرى كما يُكتب عن سواه.

فثمة رهبة خفيفة تسبق الكتابة عنه، كأن الكاتب، وهو يخطّ كلماته الأولى، يقف على حافةٍ ما؛ يطل منها على عالمٍ يتداعى ببطء، أو يعيد ترتيب نفسه خارج ما ألفناه من معانٍ مستقرة.

لم يكن شعر أبي ذكرى مجرد صناعة لغوية محكمة، ولا تعبيرًا عابرًا عن انفعالٍ مؤقت، بل كان، في جوهره، محاولة دائمة للخروج من ضيق العالم إلى اتساعٍ يصعب الإمساك به. اتساعٌ يلامس الحلم أحيانًا، ويقترب من الفناء أحيانًا أخرى، كأن الشاعر كان يبحث، عبر اللغة، عن موطئ قدمٍ في عالمٍ آخر أكثر رحابة.

من هنا يبدو وصف الأديب بشرى الفاضل لشعره بأنه “أغنيات لكوكب الأرض” وصفًا موفّقًا. فهذه القصائد، على كثافتها الوجدانية، تبدو وكأنها تأتي من تخوم الأرض لا من قلبها؛ حيث تختلط الذاكرة بالرؤيا، ويغدو الشعر مساحةً بين الواقع وما يمكن احتماله منه.

وقد التقط كمال الجزولي ملمحًا مهمًا حين أشار إلى انجذاب أبي ذكرى نحو الأعالي: السماوات والكواكب والفضاءات المفتوحة. لم يكن ذلك مجرد هروب، بل كان، في جانب منه، بحثًا عن خلاصٍ ممكن، أو محاولة لتحويل الخيال إلى ملاذٍ من قسوة الواقع.

ولهذا، لا تبدو فكرة الرحيل في شعره مجرد تكرارٍ لغوي، بل هي خيطٌ عميق ينتظم تجربته كلها. الرحيل عنده ليس انتقالًا في المكان، بل انتقالٌ في الشعور والوجود؛ من عالمٍ مثقلٍ بالخيبة إلى عالمٍ متخيّل، أقل قسوة، أو أكثر صفاءً، وإن ظل بعيد المنال.

٢

لعل قصيدته الأشهر “أيها الراحل في الليل” — التي غنّاها مصطفى سيد أحمد — تمثل ذروة هذا الإحساس. فهي ليست مجرد قصيدة، بل تكاد تختصر ملامح تجربته كلها، كما أشار مصطفى نفسه حين رأى فيها خيطًا تنتظم عليه بقية قصائد الديوان.

القصيدة، على بساطتها الظاهرة، تنطوي على عمقٍ إنساني واضح. فهي لا تخاطب شخصًا بعينه، بقدر ما تخاطب ظلًا، أو صورةً من الذات وقد سبقتها إلى الرحيل. لذلك يأتي النداء هادئًا، بلا أداة:

أيها الراحلُ في الليل وحيدًا

ضائعًا منفردا

أمسِ زارتني بواكيرُ الخريفْ

غسلتني بالثلوجْ

وبإشراقِ المروجْ

منذ هذه البداية، تضعنا القصيدة أمام إحساسين متداخلين: الوحدة والزمن.

الوحدة هنا ليست حالة طارئة، بل شعورٌ عميق يلازم التجربة، أما الزمن فلا يسير في خطٍ واحد، بل يتقلب بين فصولٍ متداخلة: صيفٌ يتجمد، وخريفٌ يغسل، وذكرياتٌ تعود دون موعد:

حين زارتني بواكيرُ الخريفْ

كان صيفي جامدًا

وجبيني باردا

وسكوتي رابضًا

فوق البيوت الخشبيّة

مُخفيًا حيرته في الشجرِ

وغروبِ الأنهرِ

وانحسار البَصَرِ

في هذه السطور نلمح قدرة الشاعر على إعادة تشكيل العالم من داخله؛ فالصيف يفقد حرارته، والسكوت يتحول إلى حضورٍ ثقيل. كل شيء يتبدل وفق ما يعتمل في النفس.

ومن هنا يتشكل ذلك التوتر الجميل في شعره بين الأرض والسماء. فالشاعر لا يصف الطبيعة كما هي، بل يجعلها طريقًا لما وراءها:

وثب الريحُ على أشرعتي المنفعلة

سطعت شمسُ الفراديسِ على أروقتي المنعزلة

ومضت تحضنني الشمسُ النديّة

والتي ما حضنتني

في الزمان الأولِ

في الزمانِ الغائبِ المرتحلِ

فالريح هنا ليست مجرد ريح، بل قوة تدفعه، والشمس ليست ضوءًا فقط، بل حلمًا بالاحتضان، مؤجلًا في زمنٍ آخر.

٣

غير أن القصيدة، رغم هذا التحليق، تعود في نهايتها إلى نبرة إنسانية قريبة: نداء الانتظار.

كأن الشاعر، وهو يمضي بعيدًا، يخشى أن يفقد أثر من يناديه:

انتظرْني

فأنا أرحل في الليل وحيدا

موغِلاً منفردا

في الدهاليزِ القصيّاتِ انتظرني

انتظرني في حفيفِ الأجنحة

وسماواتِ الطيور النازحة

وقتَ تنهدُّ المداراتُ

وتسودُّ سماءُ البارحة

انتظرني.. انتظرني

هذا التكرار يحمل رجاءً أكثر مما يحمل تأكيدًا.

رجاءٌ هادئ، يكاد يُهمس، لكنه يظل حاضرًا. وربما هنا يكمن سر الشعر: أن نستمر في النداء، حتى حين لا نعرف إن كان سيُسمع.

٤

في ضوء حياة أبي ذكرى، تبدو هذه القصيدة أقرب إلى صوتٍ شخصي، أو احتجاجٍ صامت على عالمٍ لم يتسع له. كان الرحيل، في شعره وفي حياته، محاولة للبحث عن شكلٍ آخر من الحضور، لا مجرد هروب.

ومع ذلك، فإن شعره لا يستغلق على القارئ. فهو لا يحتاج إلى معرفة واسعة بقدر ما يحتاج إلى حساسيةٍ تجاه اللغة، وإصغاءٍ لما بين الكلمات. وهذا ما يمنحه قربًا خاصًا، رغم عمقه.

٥

يبقى في النهاية سؤال بسيط: ماذا يترك لنا شاعر مثل عبد الرحيم أبو ذكرى؟

ربما لا يترك إجابات، بل يترك أثرًا.

أثرًا خفيفًا، لكنه باقٍ، يتسلل إلينا دون أن نشعر.

وربما يترك لنا هذا الليل، بما فيه من وحشةٍ وجمال، لنجرّب نحن أيضًا أن ننادي:

أيها الراحل في الليل… انتظرني.

فإذا كان الرحيل نصيبه، فإن الانتظار نصيب من يقرأه.

وبين الاثنين، بين الذاهب والمقيم،

يولد الشعر.

  • عبد الرحيم أبو ذكرى (1943 – 16 أكتوبر 1989)
    شاعر ومترجم سوداني من جيل الستينيات، وُلد في شمال السودان، ودرس الأدب الروسي في موسكو حيث نال درجة الدكتوراه في فقه اللغة عام 1987. أصدر ديوانه الوحيد «الرحيل في الليل» (1973)، الذي يضم قصيدته الشهيرة «أيها الراحل في الليل». عمل في الترجمة والبحث الأكاديمي، وانشغلت تجربته بأسئلة الاغتراب والوجود. توفي في موسكو في حادثة مأساوية، تاركًا أثرًا بارزًا في مسار الشعر السوداني الحديث.

دكتور محمد عبدالله

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

الاستاذ محمود محمد طه… الرابع الذي دفع ثمن السؤال

دكتور محمد عبداللهفي زاوية من زوايا الثقافة العربية، يجلس أربعة مفكرين كبار. لا يجمعهم مكان …