عبد العاطي في بورتسودان… هدنة الأشهر الثلاثة أولاً

العربي الجديد: قال مصدر مصري مطّلع لـ”العربي الجديد”، إن زيارة وزير الخارجية والهجرة المصري بدر عبد العاطي إلى مدينة بورتسودان، شمال شرق السودان، أمس الثلاثاء، والتي تعدّ المقر المؤقت للقيادة العامة للجيش والحكومة، تأتي في إطار أوسع من الجهود الإقليمية التي تقودها مجموعة “الرباعية” (مصر، السعودية، الإمارات، الولايات المتحدة) لإقرار هدنة إنسانية مؤقتة في السودان، تمتد لثلاثة أشهر، تمهيداً لوقف شامل لإطلاق النار بين الجيش و”الدعم السريع”، يعقبه حوار سياسي بإشراف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.

وقد أبدت قوات الدعم السريع استعدادها مبدئياً لبحث المبادرة، بينما لا يزال الجيش السوداني يطالب بضمانات واضحة بشأن انسحاب هذه القوات من المدن الكبرى وتوحيد القيادة العسكرية. ويبدو أن القاهرة تسعى، عبر زيارة عبد العاطي، إلى تقريب وجهات النظر ودفع السلطة القائمة في بورتسودان نحو تبنّي المبادرة، بما يتيح فتح ممرات إنسانية جديدة وإعادة تنشيط القنوات الدبلوماسية المجمدة منذ انهيار مفاوضات جدة. وختم المصدر بأن مصر تسعى من خلال هذه التحركات إلى ترسيخ موقعها طرفاً موثوقاً به في أي تسوية سودانية مقبلة، مستفيدة من خبرتها التاريخية في التعامل مع الملف السوداني، ومن علاقاتها المتوازنة مع دول الخليج وتركيا، بما يضمن حماية مصالحها الحيوية في الجنوب دون الانخراط في اصطفافات إقليمية حادة.

تسعى مصر لتثبيت وجودها في الشرق السوداني

من جهة أخرى، تحمل الزيارة نفسها أبعاداً اقتصادية وسياسية تتجاوز فكرة الهدنة. فبورتسودان تحولت منذ اندلاع الحرب إلى العاصمة الإدارية والاقتصادية الفعلية للسودان، حيث تعمل منها الحكومة وتُدار منها التجارة عبر الميناء الرئيسي للبلاد. ومصر، التي تُعدّ الشريك التجاري الأول للسودان في عدد من السلع الأساسية، تسعى إلى تثبيت وجودها في الشرق السوداني، وربط مصالحها الاقتصادية والأمنية عبر البحر الأحمر بمشاريع نقل وتجارة جديدة، خصوصاً بعد الاضطرابات التي أثّرت على حركة المعابر البرية في الشمال. كما تحاول القاهرة استثمار علاقاتها المتوازنة مع الجيش السوداني ومع قوى مدنية مختلفة لتأمين موقعها وسيطاً موثوقاً به في أي تسوية مستقبلية.

عبد العاطي يلتقي البرهان
والتقى عبد العاطي أمس رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في بورتسودان. وقال مجلس السيادة في بيان إن الوزير نقل إلى البرهان رسالة دعم ومؤازرة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وأكد عبد العاطي “تطابق المواقف بين السودان ومصر بشأن قضية الأمن المائي باعتبارها قضية وجودية لشعبي البلدين”. من جهته، أعرب البرهان عن “شكره وتقديره لمصر حكومةً وشعباً لوقوفها مع السودان في كل المحافل الإقليمية والدولية، وحرصها على سلامة وأمن واستقرار السودان وسيادته”.

بدورها، ذكرت الخارجية المصرية في بيان أن عبد العاطي شدد على “تضامن مصر الكامل مع السودان ودعم استقراره وأمنه وسيادته ووحدة وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية وعلى رأسها القوات المسلحة السودانية”. وأعرب عن “إدانة مصر للانتهاكات والفظائع في مدينة الفاشر”، مؤكداً “مواصلة مصر جهودها لتحقيق الاستقرار في السودان، والانخراط بصورة فاعلة في الجهود الهادفة لوقف إطلاق النار في السودان ووضع حد لمعاناة الشعب السوداني سواء في الإطار الثنائي أو المحافل الإقليمية والدولية وفي مقدمتها الرباعية الدولية”.

سقوط الفاشر
وفي السياق، قالت الخبيرة في الشؤون الأفريقية نجلاء مرعي، في تصريحات لـ”العربي الجديد”، إن سقوط الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في يد قوات الدعم السريع، له دلالات رمزية وميدانية كبرى، لأن المدينة تمثل مركزاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً مهماً لكلٍّ من الجيش و”الدعم السريع”، لكنه لا يعكس حسماً استراتيجياً بعد، موضحة أن الصراع في السودان أصبح أكثر تعقيداً، إذ تجاوز السيطرة العسكرية على المدن إلى تنازع الهويات والإثنيات وبنية السلطة نفسها. وبرأيها، فإن استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية، والنزوح الجماعي الذي تجاوز 36 ألف مدني باتجاه شمال كردفان، مع فقدان أكثر من 170 ألف شخص، يعكس عمق الأزمة الإنسانية التي تحاول القاهرة المساهمة في احتوائها عبر قنواتها الدبلوماسية والإنسانية.

نجلاء مرعي: الزيارة بحثت الاستثمار وإعادة تأهيل البنية التحتية والأمن المائي

وأشارت مرعي إلى أن المسؤولين المصريين ناقشوا خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي مع وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم تطورات الأوضاع في الفاشر، وأكدوا دعم القاهرة الشعب السوداني وانخراطها الفعّال في الجهود الدولية الساعية لوقف إطلاق النار وتسهيل نفاذ المساعدات الإنسانية. وأشارت مرعي إلى أن مباحثات وزير الخارجية في بورتسودان تطرقت أيضاً إلى ملفات التعاون الثنائي، بما في ذلك الاستثمار وإعادة تأهيل البنية التحتية، إلى جانب بحث الأمن المائي في ظلّ التوترات المتصاعدة بين إثيوبيا وإريتريا، وتصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد حول سعيه للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، وهو ما تراه القاهرة تطوراً يحمل تداعيات استراتيجية على أمن البحر الأحمر واستقرار القرن الأفريقي.

وتوقعت الخبيرة في الشؤون الأفريقية أن يحاول الجيش السوداني خلال المرحلة المقبلة استعادة زمام المبادرة عبر حرب استنزاف طويلة لتجنب استثمار “الدعم السريع” لانتصاراته الميدانية سياسياً. لكنها رأت أن المسار السياسي سيبقى في النهاية الخيار الوحيد لإنهاء الحرب الأهلية، شرط أن يتم ذلك من دون إضفاء شرعية كاملة على ما حققته “الدعم السريع” عسكرياً، مؤكدة أن القاهرة تسعى جاهدة لضمان أن يكون الحلّ في السودان نابعاً من إرادة وطنية تحفظ وحدة الدولة ولا تُقايض استقرارها بتوازنات إقليمية مؤقتة.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

رائدات أعمال لا نازحات: كيف شكلت المرأة السودانية حياتها بعد الحرب؟

منتدى الإعلام السوداني: آلاء البرير: عطبرة، 14 فبراير 2026 (راديو البنات)- في بلدٍ أنهكته الحرب …