عبد ربه التائه وكاميرون هدسون: حين يتحدث أحدهما باسم السودان ويعتذر الآخر عنه

quincysjones@hotmail.com
بقلم: د. عزيز سليمان – أستاذ السياسة والسياسات العامة
في قاعة الأمم المتحدة بالأمس، وقف عبد ربه التائه بخطابٍ مرتبك، متنازلٍ عن سيادة المعنى قبل أن يتنازل عن سيادة الدولة. كلمات طويلة بلا روح، جمل منمقة بلا موقف، وكأن الرجل جاء ليقدم السودان في طبقٍ من بلاغة مستهلكة إلى جمهورٍ دولي لا يصغي إلا لما يُراد له أن يسمع. ثم تلاه كاميرون هدسون، خبير الغرب المعلن، فتكلم عن السودان كما لو كان وصياً عليه منذ الأزل، وكأن الخرطوم لا تتنفس إلا بإذن واشنطن.
بين خطابٍ يتلعثم وآخر يتقن لعبة السرد
كان خطاب عبد ربه التائه نموذجًا للانفعال الحذر؛ اختار فيه الرجل الحياد المصطنع، فحوّل المأساة القومية إلى نزاعٍ بين طرفين متكافئين. هنا يكمن خطؤه التاريخي: فقد ساوى الدولة الشرعية بالقوات المتعددة الجنسيات المتمردة، تحت ذريعة الواقعية السياسية. هذه “الواقعية” هي في الحقيقة استسلامٌ مبكر للخطاب الدولي الذي يريد تزييف جوهر الحرب في السودان، ووسمها كـ“حرب أهلية”، بينما هي عدوان خارجي منظَّم، تقوده شبكات مصالح ومرتزقة ومتدخلون بلا وجه وطني.
في المقابل، كان كاميرون هدسون يدرك تمامًا كيف يستخدم اللغة كسلاح. قد لا يكون محقًا في رؤيته، لكنه تفوّق أداءً ومضمونًا. خطابه اعتمد منهجًا مزدوجًا: تأنٍ في الوصف، وحدّة في التوجيه؛ ضرب في عمق السرد الذي صاغه المجتمع الدولي منذ بداية الصراع، وأعاد تأكيد مركزية القرار الغربي في توصيف “من الضحية ومن الجاني”. هذه ليست بلاغة سياسية فحسب، بل هندسة سردٍ لواقعٍ يريد أن يُختزل فيه السودان إلى ساحةٍ للتجارب.
سقوط الدولة في فخ “التكافؤ”
حين قبلت الحكومة – بقيادة عبد ربه التائه – بتوصيف الحرب كصراعٍ بين “دولتين داخل دولة”، أعطت للعدوان شرعيةً لم يكن يمتلكها. فالمشكلة لم تكن في القوة العسكرية، بل في العجز الخطابي والسياسي عن تسمية الأشياء بأسمائها. في عرف السياسة الدولية، الكلمات أخطر من الرصاص، ومن يعجز عن التحكم بالسرد يفقد حقه في تفسير مصيره.
كان من الأجدر بعبد ربه التائه أن يواجه الازدواجية الغربية بشجاعةٍ وطنية: أن يقول للعالم بوضوح إن ما يجري في السودان ليس حرباً بين إخوة، بل غزوٌ يستتر بعباءة الداخل. غير أن الرجل اختار السلامة اللغوية على حساب الحقائق، فخرج من القاعة وبلاده أقل حضورًا مما كانت عليه قبل الخطاب.
ما وراء الكواليس: مطار الكفرة والبوابة المنسية
آخر تقرير لوكالة رويترز عن مطار الكفرة كشف ما لم يجرؤ عبد ربه التائه على قوله. المطار، الواقع في قلب الصحراء الليبية السودانية، تحوّل خلال الأسابيع الماضية إلى ممرٍّ لأسلحة ومقاتلين أجانب يدخلون عبره إلى دارفور وكردفان، بإشراف دولٍ “شقيقة” تدّعي الحياد. هذا ليس “نزاعاً داخلياً”، بل حرب وكالة مكتملة الأركان، يشارك فيها الإقليم والعالم بقدرٍ يفوق ما يدعيه أي تقرير دولي.
لو استشهد رئيس الوزراء بهذا التقرير في خطابه، لأربك السرد الغربي، وربما أعاد للسودان موقعه كضحية للعدوان لا كفاعلٍ في حربٍ لا معنى لها. لكنه اختار الصمت، كأنه يخاف من أن يصفع العالم بمراياه.
الكلمة التي لم تُقال
ما بين خطاب هدسون الماهر وخطاب عبد ربه التائه المترنح، ظهرت مأساة السودان في أوضح صورها: صوت الآخر أقوى من صوت الذات. وكأن لسان الحال يقول إن من يملك المفردة يملك الشرعية، ومن يفقدها يُقصى من التاريخ.
في نهاية الجلسة، لم يكن السؤال من سينتصر في الميدان، بل من سينتصر في التسمية. فالحرب تُخاض بالبندقية، لكنها تُحسم بالخطاب.

عن عزيز سليمان

Avatar

شاهد أيضاً

العدوان المقنَّع: لماذا لم تكن دعوى السودان أمام محكمة العدل الدولية ضد الإمارات بعنوان العدوان وليس الإبادة الجماعية؟

بقلم: الدكتور عزيز سليمان أستاذ السياسية والسياسات العامةquincysjones@hotmail.com في زمن تتداخل فيه الحروب بالوكالة مع …