عتاب الزهور والورد! .. بقلم: د. مرتضى الغالي

 

وزير أسبق للمالية وضع حجر الأساس و(المداميك الأولى) لأزمة الاقتصاد السوداني.. ولكنه يطل الآن من الشاشات بين آونة وأخرى ليحدد (طريق الخلاص) من الأزمة الاقتصادية! وهذه من بعض الشواهد القوية التي تؤكد أن السودان بلد غريب (نسيج وحده) لا يشابهه بلد في الدنيا في سلسلة الغرائب التي تقع عليه وتمضي وكأن شيئاً لم يكن! ولو شئت أن تحسب العجائب التي مرّت على الوطن، خاصة في الثلاثين سنة الأخيرة، لامتلأت كل الصفحات المتبقية من (أليس في بلاد العجائب) وقصص الغول والسعلاة، ويوميات جحا التركي، ونوادر هبنقه القيسي ذي الودعات، والساحرة (بابا يوغا) التي تطير على ظهر المكنسة، والرجل المنقسم على نفسه الذي يصبح في النهار (دكتور جيكل) وبالمساء (مستر هايد)..!

والغريب أن ذات الوزير الأسبق الذي كان مطلق اليدين ليفعل كل ما عنّ له بالاقتصاد يعيد كتابة التاريخ هذه الأيام ويقول أن الكلمة العليا في الاقتصاد لم تكن له! وذلك لاعتقاده بضعف الذاكرة الجمعية السودانية سواء هذا الاعتقاد خاطئاً أم صحيحاً، مع إن (طيور الروابي) تعلم أنه كان مطلق السراح.. ولأجل تنشيط الذاكرة فهو ذات الرجل الذي تنسب إليه الكثير من المصادر ( الفكرة الألمعية) التي التصقت باسمه؛ وهي فكرة (المثلث الشهير) التي تدعو إلى عدم إضاعة المال والتعب والجهد في أي منطقة خارج هذا المثلث الذي يحوي بين أضلعه وزواياه التي يظللها (جيب التمام) كردفان وسنار ودنقلا! لا يهم إذا تبرأت الجماعة من نظرية المثلث او أنكره صاحبه؛ فلا شيء يأتي من الفراغ، والآثار التي نتجت عن مثل هذه الأفكار موجودة، وتبعاتها المدمرة لا تزال شاخصة وعصيّة على العلاج، فلا يمكن إنكار التهميش والمحاباة في المشروعات الاقتصادية وموازين التنمية والأولويات و(الصرف على الذوات)، ولا يمكن إنكار تفكيك مؤسسات الدولة.. مؤسسة بعد مؤسسة ..ولا يمكن إنكار أهوال الخصخصة التي قالوا عنها إن الدولة لا تعمل في الخدمات والبيع والشراء، وإن القطاع الخاص هو جناح التنمية.. ولكنك تنظر اليوم فلا تدري كم تملك الدولة من الشركات الحكومية المعلومة.. دع عنك تلك التي لا يزال ديوان المراجع العام يبحث عنها عن طريق (فتح خشم البقرة)..!

لقد تمت الخصخصة بأسوأ ما يكن من تدابير، وانتقلت مؤسسات الدولة الناجحة الباذخة إلي أيدي آخرين بتراب الفلوس؛ من النقل النهري إلي مشروع الجزيرة.. كل هذا معلوم.. وقد جرت الكثير من هذه الإجراءات الاقتصادية الوخيمة مبكراً، وانفصمت بسببها عُرى (الرعاية الاجتماعية) وانتقل اقتصاد الوطن إلي دنيا بيوتات المال و(الرأسمالية المتوحشة) واغتني من اغتنى من ريع الدولة.. تم كل ذلك في السنوات الأولى وبسلطة مطلقة ليس عليها معقِّب، وتحت رعب مقيم أشبه بـ(ليلة السكاكين الطويلة) في يوميات النازية..! وبعد كل هذا يأتي نفس الذين فعلوا الأفاعيل بالاقتصاد إلى استوديوهات التلفزيون الباردة.. ليقترحوا لنا الآن الطريق إلي الخروج من الأزمة! ..أيها الورد أين حُمرة خديك؟!

murtadamore@yahoo.com

عن د. مرتضى الغالي

د. مرتضى الغالي

شاهد أيضاً

مؤتمر ميونخ: العالم يرتعد والبلابسة يتشاكسون حول عطاء جسر الحلفايا وإيجارات منازل الوزراء..!

مؤتمر ميونخ العالمي للأمن هو مؤتمر تداولي دوري يعقد كل عام ويحظي باهتمام كبير، وتوضع …

اترك تعليقاً