عدوان المثقف .. هل نحن عنصريون؟! .. بقلم: غسان علي عثمان
29 نوفمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
33 زيارة
تهمة العنصرية روجتها النخبة لتعلق عليها شماعة العجز وعممتها لتتكسب منها..!
دعاوي الفارين من (العنصرية) كاذبة فهم وإن اختلفت أصولهم نالوا امتيازهم نخبة من الوسط المتهم بالإقصاء..!!
كيف يمكن أن تنشأ مثقفاً كامل المعنى في وسط نابذ لك؟!
ghassanworld@gmail.com
(السودانيون النيليون عنصريون)… ذلك بأنه تستند دعاوى كثير من المثقفين أصحاب المواقف السياسية والذين ينتمون لجغرافيا بلادي الغنية والمتعددة؛ قلنا تستند على فرضية رسوخ عنصرية تمارسها بعض الجماعات القبلية أو لنقل بحسب عبارتهم الرائجة (السودان النيلي) وعلى ما يختزنه هذا الوصف من عنصرية تستبطن تقسيم الشعب السوداني إلى جغرافيات متنافرة وذلك بطريقة بدائية فجَّة فإنها تقف دليلاً على ضعف بضاعتهم من المعرفة التي يستندون، فلو أجرينا حصراً لهذه المواقف فإننا واجدونها تنتشر في دائرة ضيقة، أما الناطقون بها فهم نخبة تجَّذر وجودها في هذا (السوداني النيلي) المتهم بالعنصرية رغم تمركز من يدعون تمثيلهم في بقاع أخرى يتشكل منها الجسد السوداني المضروب بمثقفي الفتنة، وهذا يفيد أنهم لا ينتمون بالمعنى والحضور إلى قبيلتهم بل نالوا استحقاق وجودهم نخبة داخل الحيز المتهم بالاقصاء والعنصرية، فكيف تُعمد رمزاً لمعرفة ما (شاعر،روائي،صحفي، سياسي قومي…ألخ) داخل وسط عنصري والذي من شروطه ألا يسمح لمن لا ينتمون لجغرافياه بالتمدد، بل جوهره قائم على المحو والتهميش، وجغرافياه موصومة بالعنف الثقافي والاقصاء الاجتماعي، لعلها ليست سوى أوهام النخبة العاجزة..!
المثقف .. الشعور بالعظمة والعجز:
والحاجة الملحة للتفوق دفعت أبو الطيب المتنبيء (303هـ – 354هـ) في غمرة شعوره بالدونية وسط آخرين، أن يتعالى عليهم في تركيبه الخاص وأناه المعذبة، يفعلها رغم ادعاء التُّميز والعظمة يقول :(سَيعْلَمُ الجَمعُ مـمّنْ ضَـمّ مَجلِسُنـا
بأنّني خَيـرُ مَنْ تَسْعَـى بـهِ قَـدَمُ – أنَا الذي نَظَـرَ الأعْمَـى إلى أدَبـي – وَأسْمَعَتْ كَلِماتـي مَنْ بـهِ صَمَـمُ – أنَامُ مِلْءَ جُفُونـي عَـنْ شَوَارِدِهَـا – وَيَسْهَـرُ الخَلْـقُ جَرّاهَـا وَيخْتَصِـمُ) أنه الهوس والاضطراب الذي يعانيه المثقف وسط مجتمعه.
وقد يختلف معي البعض حول ما سنطرحه هنا، أي ما نقول بأنها مشكلة تلازم النخبة السودانية في مجموعها الجغرافي ولا يقع فيها البعض بسبب من أصله العرقي، بل الكل سواء، كما أنها مشكلة عامة وليست رهين تقسيمات أبدعها المثقف ليخدم بها أغراضه، وفي الوقت ذاته يضلل بها المجتمع، أنها حالة عدوان على الذات المضطهدة، هي من لازمت محمد أحمد المحجوب (1908 – 1976م) حينما استقر في ذهنه لعب أدوار لا يملك لها الحضور الكافي، حينما كان المحجوب الأكثر هروباً، بأن ترك شأنه الخاص، والخاص جداً وانخرط في أوهام التفوق، وغيابه الذي نعني قال به الدكتور النور حمد في كتابه القيِّم (مهارب المبدعين) حين جرى الحديث عن المحجوب، ونتفق فيما ذهب إليه بأن (البرستيج) عنده كان عمدته وسلطانه، فوزير الخارجية ورئيس الوزارة لفترتين في الستينيات ما شغلته مجاعة الغرب، أو ذرف الدمع على قتال الأشقاء في الجنوب، ففضل أن يراسل حسناوات الشام، وهن له عاتبات! قائلاً (أنا ما أبتعدت عن القصيد وعن أهازيجي وفني.. أنا يا أميةُ (فتاة شامية) شاعر والشعر مسبحتي ودني و(هدى) النفوس قصيدة روت الهوى والشعر عني.. الكتاب صفحة 260)، أنه العجز في أكمل صوره، أنك في محل المسئولية تتغيب عن عمد، وأيضاَ ما نلمسه في مشاغبات محمد المهدي المجذوب (1919 – 1982م) في انكاره المرح لتقاليد مجتمعه، ورفضه بل وسم المجتمع بالعصبية الدينية المؤذية للمبدع طليق القلب واللسان ليكتب من مدينة واو 1954م قصيدته (انطلاقة) يقول: (فليتِي في الزنوج ولـي ربـابٌ تميـلُ به خطاي وتستقيــمُ ، أُجشِّمه فيجفلُ وهـــو يشكـو كما يشكو من الحُمَةِ السليـم، وفي حِقْـوَيَّ من خـرزٍ حـزامٌ وفي صَدُغَيّ من وَدَعٍ نظيـم، وأجتـرع المريسةَ فـي الحواني وأهْــذِرُ لا أُلام ولا ألــوم، طليـقٌ لا تقيـّدني قريـــشٌ بأحساب الكــرام ولا تميـم، وأُصرعُ في الطريق وفي عيوني ضبابُ السُّكْرِ والطّربِ الغَشوم) هي الهزيمة أمام التغيير الاجتماعي لصالح أفكار عليا يؤمن بها المثقف النخبوي، هو شعور بالنقص يعتريه فيبحث عن شماعة يعلق عليها وجوده الناقص وأزماته النفسية في التعايش، وفوق الشعور بالعظمة والتفوق الذاتي المغلوب على أمره يبرز هنا وهم المثقف ليعلن عزلته بعد أن يعادي الجميع فقط لأنه فشل في تقعيد فعله لصالح المجموع الاجتماعي، لنقرأ مع الفيتوري وشماعته بأنه زنجي مضطهد في وسط نافر، رغم أنه يتحدث عن طفولته في الاسكندرية وهي مدينة المتوسط المحكومة اجتماعياً بالجاليات الأوروبية، يقول (قلها لا تجبن.. لا تجبن! قلها في وجه البشرية..أنا زنجي..وأبي زنجي الجد.. وأمي زنجية..أنا أسود..أسود لكني حر أمتلك الحرية..أرضي إفريقيا..)، وقد ينحو البعض ليفرغ عجزه في التدين التقليدي للمجتمع وغياب الاستنارة التي ينشد فينتابه الشك، وتحرقه المعرفة الغائبة، ذلك عن التيجاني يوسف بشير (1912- 1936م) (أشك ويؤلمني شكي وأبحث عن برد اليقين فيفنى فيه مجهودي، الله لي ولصرح الدين من ريب مجنونة الرأي ثارت حول معبودي، إن راوغتني في نسكي فكم ولجت بى المخاطر فى ديني وتوحيدي) أو أن يفكر المثقف بدوره الطليعي فيعمل قلمه نقداً لمن تنازلوا بل لنقل مارسوا الانتهازية السياسية وتنكروا لمبادئهم فيكفر بالذي صرح ويفعل الأثم في وضحه هذا عند أحمد خير المحامي (1910- 1995م) الذي يعد أحد أعمدة السياسة السودانية أيام الطلب (أعني حداثة صوت المثقفين في الشأن العام) أحمد خير الذي اصابته الغمة من تنكر بعض زملائه لمبادئ النضال ضد الطائفية أرباب الاستعمار يصفهم في كتابه كفاح جيل 1948م يكتب: (حتى إذا ما أرضى طموحه الشخصي، واستجيبت مطالبه الذاتية انخرط في سلك المؤيدين وتهادن مع خصوم مبادئه ومثله، وانتهى به الأمر أخيراً للجلوس في مقعد وثير في صفوف الهيئة الحاكمة يسبق اسمه لقب، وتتبعه رتبة) والأمثلة كثيرة.
وضد دعاوي العنصرية، والوهم الخلاق والشماعة الجاهزة، إنه المثقف المعادي للمجتمع والمنافسين له والشعور بالنقص والدونية حالة لاشعورية تنتابه بسبب من فرط تراكم الوهم بالفرادة والحضور العالي، وينطبق هذا الأمر على بعض النخب السودانية من شعراء وأدباء ومفكرون، هي حالة نفسية تنتاب المثقف العاجز عن التغيير في وسطه الاجتماعي فيلجأ إلى تعميم الأحكام وتجهيز التهم هنا وهناك، ليخرج أحد يقول بعنصرية الوسط النيلي، الوسط النيلي الذي ينتمي له وفيه نضج واستقر حاله الثقافي، ليقف ذلك دليل على زيف دعواه، فكيف يمكن أن تنشأ كامل المعنى في وسط نابذ لك، ألسنا نستمتع بمحمد وردي دون الالتفات لنوبيته، ونكتشف عوالم السحر القروي وقداسة الإنسان في نصوص إبراهيم اسحق ولا يهمنا في ذلك إلى أي جهة ينتمي، ومن ينكر علينا خليل فرح سودانياً كاملاً، وعلي عبد اللطيف من صميم نضالنا ضد المستعمر، وإن وجد من ينكر فهو ينكر بسبب عبث المثقفين الذي يشكلون المجتمع وفق تخرصاتهم، فمن الواجب الآن التوقف عن رفع الحمولة النفسية الزائدة لدى بعض المثقفين والنخب الملقاة على عاتق المجتمع وسوقه إلى تفسيرات جاهزة من قبيل الوسط النيلي،الغرابة،أهل العوض،الأدوربات،الزرق والحمر…ألخ، إنه عدوان المثقف حينما يلقي بعجزه وفشل مشروعه على الكل، على مجتمعه ليصفه بأنه مجتمع عنصري، أنه (المثقف) يحكمه احساس بالكٌّره وعدم القدرة على تحقيق الاشباع، ليربط العدوان (العجز) بالكفاح من أجل تحقيق الكمال المنشود، فتأتي محصلة ذلك جناية المثقف على مجتمعه..!
ghassanworld@gmail.com
/////////////