مقدمة
في خرائط الجيوسياسة العالمية، توجد مناطق كاملة توصف بأنها “عمق استراتيجي” لدول أخرى. لكن ماذا لو كان هذا “العمق” نفسه يمتلك إمكانيات تجعله قائمة بذاته؟ هذا هو بالضبط موقع الدول العربية العشر الواقعة في قلب إفريقيا: مصر، ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا، السودان، الصومال، جيبوتي، جزر القمر.
هذه الدول ليست مجرد جسر بين العالم العربي وإفريقيا، بل هي القوة الكامنة التي يتودد إليها الجميع: الصين تسعى لمواردها، أوروبا تخشى هجراتها، إسرائيل تريد تطبيعها، والخليج يستثمر في استقرارها. لكن السؤال المحير: لماذا لا تستطيع هذه الدول العشر أن تمتلك مشروعاً خاصاً بها؟ لماذا كل من يراهن عليها يفعل ذلك لمصلحته هو لا لمصلحتها؟
هذا المقال يحاول فك هذه المعضلة، ويطرح فكرة إنشاء “تجمع الدول العربية الإفريقية” ليس كحلم أكاديمي، بل كضرورة وجودية.
القوة التي يراها الجميع… ولا يفعلها أحد
لو نظرنا إلى هذه الدول العشر مجتمعة، سنرى أرقاماً تذهل:
- السكان: أكثر من 400 مليون نسمة (تفوق عدد سكان أميركا الشمالية).
- المساحة: حوالي 14 مليون كيلومتر مربع (أكبر من مساحة الولايات المتحدة).
- الممرات المائية: قناة السويس، مضيق باب المندب، ومضيق جبل طارق (أهم الممرات العالمية).
- الموارد: تمتلك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز والفوسفات والذهب واليورانيوم والأراضي الزراعية.
- الموقع الجغرافي: هي الواجهة الجنوبية للبحر المتوسط والشمالية للقارة الإفريقية.
هذه الأرقام تجعل من هذه الدول قوة طبيعية، لكنها تظل على الورق فقط. فالتجارة البينية بينها لا تتجاوز بضعة في المئة من تجارتها الخارجية، وأسواقها غير متصلة، وحدودها مغلقة أو متنازع عليها، وأنظمتها السياسية تعيش حالة من التوتر الدائم.
لماذا لا يجرؤ أحد على تمكينها؟
هنا تبدأ المفارقة الكبرى. فكرة “تمكين” هذه الدول من أن تكون كياناً متماسكاً تثير قلقاً كبيراً لدى العديد من الأطراف:
أولاً: العالم العربي (الآسيوي): دول الخليج ومحور المشرق العربي يفضلون بقاء الدول العربية الإفريقية في حالة ضعف نسبي أو ارتباط وثيق بمصالحهم.. لهذا، نجد أن الجامعة العربية تفضل الحديث عن “التضامن العربي” الفضفاض، لا عن “التكامل الإقليمي للعرب الأفارقة”.
ثانياً: الاتحاد الإفريقي: القارة السمراء تعاني من عقدة تاريخية تجاه الوجود العربي فيها. كثير من الدول الإفريقية جنوب الصحراء تنظر إلى الدول العربية الإفريقية بعين الريبة، وتتهمها بأنها “مستعمرة قديمة” أو “طليعة للهيمنة العربية”. لذلك، أي مشروع لتجميع هذه الدول سيُقرأ في أديس أبابا على أنه “انفصال عرقي” أو “تكتل داخل التكتل”.
ثالثاً: القوى الكبرى (أميركا، الصين، روسيا، أوروبا): هذه القوى تراهن على الدول العربية الإفريقية بشكل منفرد، لأن تجمعها سيخلق قوة تفاوضية هائلة. فمن مصلحة الصين التعامل مع 10 دول ضعيفة بشكل فردي، لا مع كيان واحد يستطيع أن يفرض شروطه على استخراج المعادن أو عبور الممرات المائية.
رابعاً – والأخطر: حكومات هذه الدول نفسها: كثير من الأنظمة الحاكمة في هذه الدول تخشى على بقائها إذا ما تم إنشاء تجمع قوي. فالدكتاتوريات الهشة تفضل البقاء في عزلة إقليمية، لأن الانفتاح والتكامل يعنيان فقدان السيطرة على الحدود والمعلومات والمواطنين.
مكمن الخطر: المتنافسون الإقليميون داخل العشرة
لكن العدو الحقيقي لهذا المشروع لا يقع خارج حدود هذه الدول، بل داخلها. فهناك تنافسات وخلافات تاريخية تجعل فكرة التجمع مستحيلة حالياً:
- الصراع المغربي – الجزائري حول الصحراء الغربية، الذي أدى إلى إغلاق الحدود البرية بين أكبر دولتين عربيتين في إفريقيا منذ 1994.
- الخلاف المصري – السوداني حول منطقة حلايب وشلاتين، وتصاعد التوتر حول سد النهضة الذي وضع السودان في موقف متأرجح بين مصر وإثيوبيا.
- عدم الاستقرار في ليبيا والسودان والصومال الذي يحول هذه الدول من شركاء محتملين إلى أعباء أمنية.
- التنافس على القيادة بين مصر (الثقل التاريخي والديموغرافي)، والجزائر (الثقل الطاقي والجيش القوي)، والمغرب (الثقل الاقتصادي والدبلوماسي).
هل من مخرج؟ خطوات عملية لا شعارات
رغم كل هذه العقبات، فإن استمرار الوضع الحالي كارثة. الحل ليس في إنشاء منظمة جديدة ضخمة، بل في إعادة توزيع الأدوار عبر نموذج هجين:
أولاً: “منتدى القاهرة الدائم” للتشاور الأمني
بداية متواضعة، لكنها ضرورية: مجلس أمن يضم وزراء داخلية وخارجية الدول العشر، يعقد كل 3 أشهر في القاهرة (أو بالتناوب)، لمناقشة خطر الإرهاب والهجرة غير الشرعية والجريمة العابرة للحدود. لا يحتاج هذا المنتدى إلى موافقة الجامعة العربية أو الاتحاد الإفريقي، بل إلى مذكرة تفاهم بسيطة.
ثانياً: فك الاشتباك الاقتصادي عبر “منطقة أغادير 2.0”
بدلاً من الحديث عن سوق مشتركة شاملة، يمكن البدء بمشاريع اقتصادية صغيرة لكنها مؤثرة: إنشاء خط ملاحة بحري يربط موانئ الدار البيضاء، نواكشوط، داكار (السنيغال)، حتى يصل إلى جيبوتي. وإنشاء شبكة للدفع بالعملات المحلية (بديل عن الدولار) لتسهيل التجارة البينية.
ثالثاً: توظيف “صراع القوى الكبرى” لصالح التجمع
يمكن لهذه الدول أن تستثمر في رهان الصين وروسيا والغرب عليها، بأن تتفق على بيع مواردها وتسهيل مرور سفنها بشكل جماعي، وليس بشكل فردي. فكرة “مجلس تنسيق الموارد الطبيعية” يمكن أن ترفع عائدات النفط والغاز واليورانيوم بنسبة 30% بمجرد توحيد المفاوضات.
الخلاصة: المغامرة التي لا خيار فيها
“القوة التي يراهن عليها الجميع ولا يجرؤ أحد على تمكينها” – هذا هو وصف دقيق لمصير الدول العربية الإفريقية اليوم. لقد تعبنا من الشعارات الفضفاضة عن “الوحدة العربية” و”إفريقيا الناهضة”. حان الوقت لشيء عملي، ولو كان صغيراً وبطيئاً.
ربما لا تستطيع هذه الدول العشر أن تصبح اتحداً أوروبياً بين ليلة وضحاها. لكنها تستطيع أن تبدأ بخطوة واحدة: أن تعترف بأن مصيرها المشترك أقوى من خلافاتها الثنائية. وأن تفهم أن بقاءها مبعثرة ومتناحرة هو بالضبط ما يريده أعداؤها وأصدقاؤها على حد سواء.
السؤال ليس “هل نستطيع؟” السؤال هو “كم سنة أخرى سنضيعها ونحن ننتظر من ينقذنا؟”
د.عوض النقر بابكر محمد- السعودية- الرياض-966537626864
awadelnager@gmail.com
