عرض كتاب: مقاربة إسلامية لتجارب الدنو من الموت! للكاتب حسين عبد الجليل

الدكتور الخضر هارون
maqamaat@hotmail.com
هذا كتاب فريد من نوعه يضيف به المؤلف للمكتبة العربية ضرباً جديدا من الكتابة لم تحفل به في بالغ علمي علي الأقل من قبل بينما حفلت واحتفت به الكتابات الأمريكية منذ سبعينيات القرن العشرين وهو سجل لتجارب أناس دنو من الموت ولم يموتوا بل غشيتهم من عوالمه طائفة من رؤي عارضة أسعدتهم لدرجة أنهم استعذبوها وتمنوا البقاء في أكنافها .وربما كان سبب إحجام الكتابات العربية الخوض في الموضوع صلته بالمعتقدات الإسلامية التي يتحاشى المؤمنون التطرق إليها لأنها أدخل لعالم التصوف الباطني وذاك عالم يقوم علي تجارب ذاتية يصعب البناء العام عليها كما أن ذاك محيط بلا سواحل وعميق الأغوار تصعب السباحة فيه دون سجالات وخصومات مثيرة للفتن.
نبدأ بالتعريف بالمؤلف الأستاذ حسين عبد الجليل وكان قد سبقنا بالوصول إلي الولايات المتحدة الأمريكية، شاب غض الإهاب اقتحم أسوارها العاليات طلبا للعلم وهو يصغرنا بأعوام. ألفيناه طالبا جادا في التحصيل حقق ما جاء يصبو إليه فقد تخرج في جامعة ميريلاند وهي جامعة مرموقة ببكالوريوس في علوم الكمبيوتر كما حصل علي درجة الماجستير في جامعة جورج ميسون وهي جامعة محترمة أيضا ويعمل اليوم مهندسا لقاعدة البيانات وهو كاتب راتب في صحيفة سودانايل الإلكترونية. باشمهندس الحسين ترعرع في ربوع حي السجانة بالخرطوم مثلنا ودرس في أولية المربي الكبير أستاذنا الجليل النور خضر النور رحمه الله رحمة واسعة, كشأننا أيضاً وهو بلديات أستاذ النور كذلك. جمعتنا ظروف عمل بالحسين وكان قارئا نهماً يجيد الحوارات الفكرية وينقب عن المعارف برأي أصيل مستقل في احترام ودماثة خلق.
هذا الحب للقراءة كان من ثمراته هذا الكتاب الذي يدلك علي تجربة جديدة ويبعث في نفسك شحنة من الحبور وبوارق من الأمل سواء راقت لك القصص بالتصديق أو لم ترق فهو كتاب لطيف سهل القراءة تنساب صفحاته في يسر وسلاسة. ولأنه رجل مؤمن فقد استلهم من قصصه مقاربات إسلامية.
الكتاب يقع في مقدمة وستة عشر فصلاً حوتها ١٩٤ صفحة سوي صفحات ثلاث للمراجع العديدة التي استند إليها وصفحة للفهرس.
وقد أحسن بالتعريف بالظاهرة موضوع الكتاب بقوله :
“من الظواهر الطبية الغربية التي حظيت في العالم الغربي بعدة دراسات منذ منتصف السبعينيات، ما اصطلح علي تسميته ب ( تجربة الدنو من الموت وبالانقليزية :Near Death Experience واختصارها NDE وتعريف الظاهرة باختصار هو أن بعض المرضي الذين تتوقف قلوبهم عن الخفقان لدقائق- في الغالب نتيجة لسكتة قلبية- عندما يعودون للوعي فإن بعضهم يحكي عن وقائع غريبة حصلت لهم في عالم غير عالمنا هذا، وذلك خلال الفترة التي سجلت فيها الأجهزة الطبية توقف قلوبهم وأدمغتهم عن الحياة. “
يقول المؤلف أنه قرأ عشرات الكتب والمجلات واستمع لمئات الفيديوهات باللغة الانقليزية تتحدث عن تجارب مسلمين ومسيحيين من كافة الطوائف المسيحية ويهود وهندوس وملاحدة فكانت إفاداتهم عن تلك التجربة متشابهة جداً كما روي الدكتور الأمريكي ريموند وهو طبيب حاصل علي درجة الدكتوراه في علم النفس كما أنه أول من كتب عن الظاهرة في عام 1975 حيث كتب كتابا بعنوان ” حياة بعد حياة ” حيث تميزت افاداتهم ب:
• أن أرواحهم تغادر أجسادهم وتحلق فو قها عند سقف الغرفة والواحد منهم يري ويسمع أحاديث الأطباء الملتفين حول جسده المسجى. وفي تلك اللحظة يظن أنه قد مات لكنه في ذات الوقت يندهش من شدة توقد ذهنه لدرجة تفوق ما كان عليه قبلا.
• مرورهم بعد ذلك بنفق نوراني ضيق كانوا يتحركون خلاله بسرعة هائلة. بعضهم كان وحيدا في تلك الرحلة وبعض في رفقة قريب له من الأموات وبعضهم في معية كائن ما، عرفوه جميعا بأنه كائن نوراني وقال بعضهم أنهم رأوا في نهاية ذلك النفق المظلم ضوءا. قليل من متعصبة الأديان وصفوا ذلك الكائن وفقا لمعتقداتهم الدينية إذ وصفه بعض المسيحيين بأنه السيد المسيح وبعض الشيعة ظنوا أنه الامام علي أو الحسن أو الحسين لكنهم لم يقولوا إن الكائن نفسه قد كشف عن هويته وتفوه بذلك.
-يقوم كائن نوراني بعرض كل أعمال هذا المتوفي مؤقتا عليه في شكل شريط سينمائي بانورامي – كل أعماله الدنيوية بتفاصيل شديدة الدقة. ويستدعي المؤلف هنا سورة الزلزلة : ” فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يري ومن يعمل مثقال ذرة شرا يري. ” يقول، يحس المتوفي ويري أثر عمله الذي شاهده وفي بعض الأحيان يصبح المقترب من الموت هو الشخص الآخر (المتلقي) الذي أساء إليه أو أحسن بشعور ذلك الشخص وتداعيات الفعل الصالح أو الطالح على المتلقي.
• يتم التأكيد والتشديد علي أهمية العمل الصالح وأن كل عمل يفعله المرء مهما كان تافهاً فإنه يسجل ويعرض عليه.
• يتم اخطار المريض بواسطة أحد أقربائه المتوفين أو بواسطة كائن نوراني بأن ساعة وفاته الحقيقية لم تحن بعد ولذا يتعين عليه العودة إلي جسده .ويذكر الكثيرون ممن خاضوا التجربة بأنهم كانوا يقاومون وبإصرار فكرة العودة إلي الحياة ويتوسلون للإبقاء عليهم في العالم البرزخي حيث كانوا يشعرون بسعادة لا توصف. ثم تعود الحياة للمريض ويعود الوعي حيث يجدون حاجزا يمنعهم من التوغل في ذلك العالم البرزخي الجميل ” ومن ورائهم برزخ إلي يوم يبعثون” المؤمنون الآية 100 ولو تجاوزه لماتوا بالفعل.
• ينتفي الخوف من الموت بعد تلك التجربة حيث يترسخ اليقين بأن الموت ليس هو الفناء وإنما بداية رحلة لمرحلة أخري من الوجود.
• تنعدم لدي معظمهم الرغبة في الجاه والثروة المادية بعد التجربة ويصبح همهم مساعدة الناس. وكثيرون من أولئك تغير تعاملهم مع الحياة والناس وباتوا يسعون في الخير فقط لدرجة أن بعضهم انفصلت عنهم زوجاتهم بسبب الأولويات التي اتخذوها لحيواتهم.
• يستدرك المؤلف بأن معظم ما قرأه عبارة عن حكايات مروية في حالات الدنو من الموت وقعت في أمريكا وقال إن هذا الحقل ملئ أيضاً بالدجالين والمهوسين الذين يروجون لقصص وحكايات لم تقع نصرة لمذاهبهم الدينية أو بغرض المال والشهرة وأشهرها قصة الطفل أليكس من مدينة راتشفليانو في ولاية أوهايو تلك القصة التي احتفت بها الكنائس الإنجليكانية وظل الكتاب الذي رواها يتصدر مبيعات الكتب لخمس سنوات لكن الطفل في العام ٢٠١٦ كذب أباه وقال إن القصة مختلقة ولم تقع أصلا مما أضطر دار النشر لسحب الكتاب من السوق.
• ويستدرك المؤلف علي هذا الاستدراك مشيرا إلي أن ذلك لا يعني أن كل الحكايات والأقاصيص كالواردة بأعلاه كانت ملفقة ومختلقة بل إن جلها قد وقع لمن عاشوها حيث تغيرت سلوكياتهم ونظراتهم للحياة والموت. يقول: (لقد اعتمدت كثيرا علي ما رواه من لهم حصيلة عالية من التعليم الأكاديمي العلمي، بعضهم كانوا من العلماء الأطباء، حملة دكتوراه وأساتذة جامعات. وسبب التركيز عليهم أنهم سيخسرون إذا تخرصوا مثل هذه القصص وبالفعل تعرض بعضهم لهجوم قاس من أقرانهم الماديين الذين وصفوهم بعدم الجدية العلمية والسبب الثاني هو أن معظمهم كانوا قبل تجربة الموت المؤقت في زمرة الماديين وبعضهم ملاحدة أو لا أدرية.
• وجد المؤلف أن كل المقتربين من الموت وبلا استثناء قد اتفقوا علي أهمية العمل الصالح وأهمية رد المظالم وأهمية معاملة الآخرين بالحسني. ويأتي بهذه المقاربة الإسلامية (وتلك لعمري هي مكارم الأخلاق التي بعث المصطفي عليه أفضل الصلاة والسلام لإكمالها حسب قوله في الحديث الشريف (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.) واورد آيات من القرآن تؤيد ذلك مثل سورة الماعون وآية (وأنفقوا مما رزقناكم )في سورة المنافقون.
• يقول أيضا أن أكثر من تسعين بالمائة منهم يعد أهم ما استخلصوه من تلك التجربة هو أهمية العمل الصالح ومراعاة حقوق الآخرين المادية والمعنوية وقالوا إن عرض أعمالهم عليهم في عالم البرزخ كان يأخذ طابع أن يتقمصوا مشاعر من ظلموهم في الدنيا. بعضهم قال إنهم عندما عرضت عليهم أعمالهم السيئة أحسوا بالخجل والعار الشديد وكان ذلك عذابا نفسيا لا يطاق لدرجة أنهم تمنوا لو كان العذاب حسيا. قال المؤلف إن ذكره ذلك بقول المولي تعالي ( ولو تري إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم…) السجدة ١٢.
• لقد رووا للدكتور أن اللغة تعجز عن وصف ما رأوه في البرزخ. قالت له سيدة أن اللغة التي أعرفها تعبر عن الأشياء ذات الثلاثة أبعاد: طول وعرض وارتفاع كما تعلمنا في دروس الهندسة في المدارس. علق الدكتور بأن من مروا بالتجربة يمنحون أجسادا روحانية فيكتشفون أن ذلك الجسد لا يستطيع القيام بما يقوم به الجسد الآدمي.
• وأورد كذلك قصة رواها شيخ إيراني لبرنامج تلفزيوني يعرض كل رمضان هناك بأنه كان يسئ معاملة زوجته وكان يري في ذلك الفعل أنه من مقتضيات الرجولة وكانت زوجته تقول له انها تشكوه الي الله فيقول لها ساخرا : من عاد من الموت ليخبرنا بما يجري هناك؟ و عرض عليه في حالة دنو من الموت ما كان من تلك الإساءة فأحس بما لا يطاق من الألم النفسي جراء اساءته لزوجته وبعد الاستجواب جئ له بكائن قبيح الخلقة أخافه أبلغ ما يبلغ الخوف من إنسان وكان يحلق فوق رأسه . قيل له ذلك العمل السئ الذي كان يفعله. قال إنه بعد أن عاد إلي الحياة ما زال يتحاشى النظر إلي السماء من هول ما رأي وغدا يلبس قبعة تحجب عنه الرؤية إلي أعلي .وكان البعض قد نصحه بألا يذكر ذلك لكنه أصر علي ذكره وأجهش بالبكاء الحار في تلك المقابلة التلفزيونية. وذكر آخر أنه أراق ماء لشجرة عطشي فرأي أثر ذلك من السعادة في البرزخ. وقالت طفلة في الثانية عشر مرت بهذه التجربة وودت ألا تعود من ذلك العالم وخشيت أن تجرح مشاعر والديها بالبوح بأنها ما كانت تود العودة إلي الدنيا ليس كراهة للعيش معهما كما قد يظنان خطأ ولكن لجمال الحال في البرزخ الذي وصفه المؤلف بأنه بمثابة صالة انتظار في مطار في ألمانيا أو أمريكا لقادم من بلد فقير سيعاد إليه إلا أنها صارحت والدها لاحقا وبعد تردد وحكت عن جمال ذلك العالم الروحاني وقالت لكن طفلا قابلها هناك وقال انه أخوها. بكي الوالد وقال(قبل ميلادك بأشهر كان لنا ولد لكنه مات وقررنا ألا نذكر ذلك لك.) وقالت عالمة الجيلوجيا الأمريكية نانسي رايس والطبيبة الايرانية المسلمة وأستاذة الجامعة ريحانة زيناوي يزيدي وشخص ثالث أنه قد تم إخطارهم بأن كان لهم وجود قبل نزولهم في الأرحام. ويسوق المؤلف هنا الآية القرآنية في سورة الأعراف ” وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم ألست بربكم قالوا بلي شهدنا “. كذلك أورد قصة الطيار العراقي فهد السعدون التي حكاها للتلفزيون العراقي والتي فحواها أنه سجن انفراديا عام 1965 وقاده اليأس لمحاولة انتحار إلا أنه أنقذ وفي لحظة دنو من الموت انفصلت روحه عن جسده ورآها تخترق الغيوم إلي السماء وهناك لقيه كائنان من خارج عالمنا يلبسان ثيابا بيضاء سألاه لم حاول الانتحار وهو يعلم أنه حرام. طمأناه بأن قد عفي عنه لأنه أحجم عن قصف قرية بطائرته الميج لمتمردين لما رأى من أطفال ونساء كانوا سيموتون. قالوا له أنت ثالث عراقيين سيأتون قريبا بعد يومين بعد الموت قال رأيت بينهم الرئيس عبد السلام عارف الذي مات بالفعل بعد يومين في تحطم طائرة. قال وكان عمري نحو ثلاثين عاماً. قال عرضا علي بدقة كل أعمالي فسألتهم عن حساب الزمن في عالمهم النوراني, قالا ال 30 عاما تساوي عُشرَ ثوان. وحدثاه عن حرب يونيو وأخبراه بأن العرب سينهزمون. كذلك أورد قصة الفلسطيني صائب عريقات.
• وقد مر طبيب المخ والأعصاب الأمريكي بن الكساندر بتجربة مماثلة قال انه في تلك الحالة كان يشعر بدعاء صديقه مايكل له أثناء مرضه في المستشفى في تلك الغيبوبة وأن ذلك الدعاء كان يمنحه طاقة ايجابية. كما أنه استنتج بأن المخ ليس بمصدر لوعي الإنسان بل هو كالمصفاة أو الفلتر الذي يسمح فقط بمرور القليل من الوعي وأن الوعي يأتي من خارج العالم المادي.
اعتراض الماديين علي الظاهرة:

جاء اعتراضهم بأن وصفوا حالات ما يراه من دنوا من الموت بأنها هلوسة نتيجة لنقص الأكسيجين أثناء السكتة الدماغية الجراحية وأن ذلك النقص يسبب هلوسات. وبعضهم يعزي ذلك لتأثير المخدر. لكن دراسة هولندية استغرقت ١٣ عاما تم إجراؤها في ٢٠ من مستشفيات هولندية ونشرت نتائج هذه الدراسة العلمية في واحدة من أشهر المجلات العلمية ( لانست) أثبتت أن نقص الأكسجين لا يفسر تلك الظاهرة لأن الدراسة اجريت علي ٣٤٤ توقفت قلوبهم وأدمغتهم عن العمل أفاد ١٨٪؜ منهم فقط بحدوث ظاهرة الدنو من الموت. ولو كان نقص الاكسيجين هو السبب لمرت غالبية المشاركين في الدراسة بظاهرة الدنو من الموت لا 18 في المائة فقط منهم.

وفي الختام جعل المؤلف ظاهرة الدنو من الموت جنداً من جنود الله الدالة علي الايمان مستشهدا بالآية (وما يعلم جنود ربك إلا هو). بمعني أن الرسالات قد ختمت برسالة محمد عليه الصلاة والسلام وتبقي مثل هذه الظواهر التي تعطي ملمحا من ملامح الغيب المعجز. وأشار إلي أقوال لابن عطاء الله السكندري والحلاج وعبد القادر الجيلاني في سياقات مماثلة. لخص ذلك الطبيب الأمريكي جورج ريتشي في كتابه “العودة من الغد “مخاطباً قراء الكتاب:
“أنا لا أطلب منك أن تؤمن بأي شيء ولكني ببساطة أحكي لك ما أؤمن به. ليس لدي فكرة عن كيف ستكون الحياة الآخرة فكل ما رأيت رأيته بقرب باب الدخول للعالم الآخر. ولكن ما رأيته كان كافيا لإقناعي اقناعاً تاماً بشيئين أولا : وعينا/ إدراكنا شعورنا بذاتنا لن يموت بموت ابداننا بل بالعكس فإن وعينا سيكون أشد صفاء وقوة وشحذا.”

عن الخضر هارون

الخضر هارون

شاهد أيضاً

ورحل بابكر ( الحاج) الجنيد!

abuasim.khidir@gmail.comالدكتور الخضر هارون قال ابو الطيب في رثاء أبي شجاع فاتك الأسدي:الحزن يقلق والتجمل يردعوالدمع …