habobsalah@gmail.com
د. صلاح أحمد الحبو
في عالمٍ يتسارع فيه التحول نحو اقتصاد المعرفة، لم تعد الثروة تُقاس بما تختزنه الأرض من موارد، بل بما تنتجه العقول من أفكار، وما تحققه تلك الأفكار من قيمة مضافة في السوق. في هذا السياق، يجيء كتاب “400 سؤال وجواب في الملكية الفكرية” للدكتور حسام أحمد حسين مكي بوصفه عملاً نوعياً يواكب هذا التحول، ويقدّم مدخلاً معرفياً رصيناً إلى أحد أكثر الحقول القانونية ارتباطاً بالتنمية والابتكار.
وقبل الولوج إلى متن الكتاب، لا بد من التوقف عند شخصية مؤلفه؛ فالدكتور حسام أحمد حسين مكي ليس مجرد باحث في القانون، بل هو من أصحاب المعارف المتنوعة الذين جمعوا بين التخصص الدقيق والرؤية الواسعة. فهو خبير في مجال الملكية الفكرية، وممارس قانوني يمتلك خبرة عملية، وأكاديمي سابق أسهم في بناء أجيال من الدارسين، فضلاً عن حضوره الملحوظ في نشر الوعي القانوني. وما يميز تجربته، إلى جانب هذا التراكم المعرفي، هو تواضعه العلمي، وحرصه على بسط المعرفة وإتاحتها، وإيمانه بأن القيمة الحقيقية للعلم لا تكتمل إلا حين تصل إلى الناس وتُسهم في تحسين واقعهم.
كما يُعدّ المؤلف من الرواد في التأليف والكتابة في مجال الملكية الفكرية في السودان، حيث صدر له عدد من المؤلفات المهمة التي أسهمت في ترسيخ هذا الحقل المعرفي. ومن أبرز هذه الأعمال كتابه: “الملكية الفكرية وفقاً لما عليه العمل في القانون السوداني”، الذي صدرت طبعته الأولى عام 2003، وتوالت طبعاته حتى بلغت الطبعة الخامسة في عام 2026، ليغدو مرجعاً أساسياً للطلاب والمهتمين والمحامين وأعضاء القضاء والمبدعين، وهو الكتاب الذي عرّف بالكاتب على نطاق أوسع. كما صدر له كتابه الثاني: “حق المؤلف والحقوق المجاورة – دراسة مقارنة” عام 2013، وهو من المؤلفات المهمة في هذا المجال، ويمثل في الأصل رسالة الدكتوراه الخاصة به، بما يحمله من عمق علمي ومنهجية بحثية رصينة.
يمثل هذا الكتاب أكثر من مجرد دليل مبسط، فهو أقرب إلى مشروع تثقيفي متكامل يسعى إلى إزالة الغموض الذي يحيط بالملكية الفكرية، وتقديمها بلغة واضحة ومباشرة دون تفريط في عمقها العلمي. ويبرز في هذا السياق اختيار المؤلف لصيغة السؤال والجواب، وهي صيغة تُحسن مخاطبة القارئ المعاصر، وتمنحه القدرة على الوصول إلى المعلومة بسرعة ودقة، كما تتيح له بناء فهم تراكمي يبدأ من الأساسيات ويتدرج نحو القضايا الأكثر تعقيداً.
ومن مدخل إتاحة المعرفة، وتنفيذاً لروح وتوجهات النفاذ المفتوح التي تدعو إليها المنظمة العالمية للملكية الفكرية، والتي ينتمي إلى فضائها المعرفي والمهني الدكتور حسام أحمد حسين مكي، يطلّ علينا المؤلف هذه المرة بمقاربة مختلفة؛ مقاربة تمزج بين الالتزام العلمي والبعد القيمي، وبين المعرفة القانونية والرسالة التنويرية. فلم يعد الكتاب مجرد تجميع علمي، بل أصبح أقرب إلى “مطالب عرفية” جديدة، تُعيد تعريف العلاقة بين المعرفة وحق الوصول إليها، وتؤسس لوعي قانوني منفتح يقوم على المشاركة لا الاحتكار، وعلى الإتاحة لا الإغلاق.
ويستند الكتاب في مادته العلمية إلى مصادر موثوقة، في مقدمتها منشورات المنظمة العالمية للملكية الفكرية، غير أن القيمة الحقيقية للعمل تتجلى في قدرة المؤلف على إعادة صياغة هذه المادة في قالب مبسط ومنهجي، يجعلها في متناول طيف واسع من القراء، من الطلاب إلى القانونيين إلى رواد الأعمال والمبدعين.
ولعل من أبرز ما يميز هذا الكتاب هو شموليته وتنوع موضوعاته، حيث لا يقتصر على التعريفات النظرية، بل يمتد ليشمل الجوانب الاقتصادية والتطبيقية للملكية الفكرية. ويمكن الاستدلال على هذا التنوع من خلال بعض الأسئلة التي يطرحها الكتاب ويجيب عنها بوضوح ودقة، مثل:
كيف تتحول الفكرة إلى أصل فكري قابل للاستثمار؟ وهو سؤال يعكس البعد الاقتصادي للملكية الفكرية، وينقلها من إطارها القانوني الضيق إلى فضاء القيمة والسوق.
وهل يمكن حماية الفكرة المجردة؟ وهو سؤال تأسيسي يضع القارئ أمام أحد أهم المبادئ التي يقوم عليها هذا النظام، ويزيل لبساً شائعاً لدى غير المتخصصين.
وما أثر البيئة الرقمية على حق المؤلف؟ وهو سؤال معاصر يلامس التحولات التكنولوجية المتسارعة، ويبرز التحديات الجديدة التي تواجه حماية الإبداع في العصر الرقمي.
هذه الأسئلة الثلاثة، على بساطتها، تكشف عن عمق الكتاب واتساع أفقه، إذ تجمع بين التأصيل النظري، والتطبيق العملي، واستشراف المستقبل، وهو ما يمنح العمل قيمة مضاعفة.
ولا يقف تميز هذا الإصدار عند حد المحتوى، بل يمتد إلى فلسفة نشره، حيث أتاحه المؤلف مجاناً بصيغة (PDF)، في خطوة تعكس إيماناً راسخاً بمبدأ إتاحة المعرفة، وتنسجم مع توجهات النفاذ المفتوح.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية إضافية بالنظر إلى توقيت صدور الكتاب، إذ يأتي هذا الإصدار متزامناً مع استعدادات المنظمة العالمية للملكية الفكرية وكافة المهتمين بالملكية الفكرية للاحتفاء بـ اليوم العالمي للملكية الفكرية، الذي يوافق السادس والعشرين من أبريل من كل عام. وفي هذا الإطار، عمد المركز السوداني لدراسات الملكية الفكرية والمؤلف إلى إصدار الكتاب في هذا التوقيت، تأكيداً على اهتمامهما بإشاعة ثقافة الملكية الفكرية، حيث تتجه أنظار واهتمامات المعنيين في هذه الأيام إلى كل ما من شأنه إتاحة المعرفة المرتبطة بهذا المجال، وتعزيز سبل النفاذ إليها، وجعلها متاحة وميسّرة لأوسع نطاق ممكن من القراء والمهتمين.
ويحمل هذا العمل أيضاً دلالة خاصة في السياق العربي والسوداني، حيث تبرز الحاجة إلى ترسيخ ثقافة تحترم حقوق المبدعين، وتدعم الصناعات الإبداعية، وتحد من ظواهر التقليد والقرصنة. ومن هنا، يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه أداة عملية في بناء هذا الوعي، وجسراً يربط بين القانون والتنمية.
ولا يمكن إغفال الدور البارز الذي يضطلع به الدكتور حسام أحمد حسين مكي في هذا المجال، إذ يواصل جهده العلمي والمهني في نشر ثقافة الملكية الفكرية، وتبسيط مفاهيمها، وربطها بقضايا الاقتصاد المعرفي. ويأتي هذا الكتاب ليجسد هذا الدور، ويعكس التزاماً حقيقياً بخدمة المعرفة وإتاحتها.
ورغم ما يتمتع به الكتاب من قوة ووضوح، فإن آفاق تطويره تظل مفتوحة، خاصة في ما يتعلق بتوسيع النقاش حول القضايا المستجدة مثل الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الأمثلة التطبيقية من الواقع العربي، وهي مجالات يمكن أن تضيف إلى العمل مزيداً من العمق والراهنية في طبعات قادمة.
في المحصلة، يقدم كتاب “400 سؤال وجواب في الملكية الفكرية” نموذجاً مميزاً للكتابة القانونية المعاصرة التي تجمع بين البساطة والعمق، وبين التأصيل والتطبيق، وبين المعرفة والنشر الحر. وهو بذلك لا يخدم القارئ فحسب، بل يسهم في بناء وعي مجتمعي جديد يدرك أن حماية الفكر ليست ترفاً قانونياً، بل ضرورة تنموية.
وفي ختام هذه القراءة، لا يسعنا إلا أن نثمن هذا الجهد العلمي الرصين الذي بذله المؤلف في إعداد هذا العمل القيم، وأن نحيي فيه هذا الالتزام النبيل بنشر المعرفة وإتاحتها للجميع، بما يعزز ثقافة الملكية الفكرية ويدعم مسيرة الابتكار في مجتمعاتنا. ولما كان هذا الكتاب يخاطب المهتمين بالملكية الفكرية والاقتصاد الإبداعي والمعرفي، فإن اكتمال صورته لا يقتصر على مضمونه العلمي فحسب، بل يمتد إلى هويته البصرية، حيث استعان المؤلف بالفنان والتشكيلي البارع محمد حسن هارون، الذي ابتدع تصميماً أضفى على الكتاب قيمة جمالية ومعرفية وفكرية وفنية عالية. ويُعرف عن هذا المبدع تفرده في مثل هذه الأعمال، واهتمامه العميق بثقافة الملكية الفكرية ومنتجاتها، مما جعل إسهامه جزءاً أصيلاً من نجاح هذا العمل وتميزه
habobsalah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم