عفو لا يملكه عن جرم لا يسقط .. تفكيك مغالطات خطاب البرهان بولاية الجزيرة!

bresh2@msn.com
عبدالغني بريش فيوف
في غمرة الدخان المتصاعد من ركام الفاشر ومدن السودان الأخرى، وبينما لا تزال دماء الأبرياء رطبة لم تجف على الطرقات، يخرج علينا رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بتصريحات تبدو في ظاهرها دعوة للسلام، وفي باطنها تكريس لثقافة الإفلات من العقاب التي نخرت عظم الدولة السودانية لعقود.
إن الترحيب بأي شخص يلقي السلاح دون تفصيل، ودون اشتراطات العدالة، يمثل قفزة في الظلام، ومحاولة بائسة لإعادة تدوير الأزمات بدلا من حلها.
إن العفو في الجرائم الكبرى التي تمس أمن الدولة، وحق الحياة، وكرامة الإنسان، ليس مكرمة يمنحها حاكم، ولا شيكا على بياض يصرفه القائد العسكري لمن يشاء ومتى يشاء، إنما العفو في الحق العام، وتحديدا في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، هو اعتداء صارخ على حق المجتمع، وخيانة لدماء الضحايا، وتأسيس لمرحلة قادمة من الفوضى، لأن من أمن العقاب، ليس فقط أساء الأدب، بل عاد للقتل بأبشع مما كان.
وهم العفو ومأزق السيادة المنقوصة…
إن الإشكالية الجوهرية في خطاب البرهان تكمن في الخلط المتعمد بين التسوية السياسية والعدالة الجنائية.
السياسة قد تقبل التفاوض، وقد تقبل تقاسم السلطة على مضض لدرء مفسدة أكبر، لكن العدالة لا تقبل التجزئة ولا تقبل التفاوض، وعندما يقول البرهان: نرحب بأي شخص يضع السلاح، فإنه يوجه رسالة ضمنية مفادها أن الجريمة وسيلة فعالة للتفاوض، وأن القتل والسلب والاغتصاب يمكن أن تُمحى بجرة قلم أو بقرار عفو رئاسي تحت ذريعة المصلحة العليا.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة، هو، من فوض البرهان للتنازل عن حق الشعب السوداني؟
البرهان، بحكم منصبه كقائد للجيش ورئيس لمجلس السيادة بحكم الأمر الواقع، هو موظف عام، يفترض أن يؤتمن على حماية الدستور والقانون، وليس مالكا للبلاد ولا وصيا على حقوق الضحايا.
الحق العام في جرائم مثل تدمير البنية التحتية، واحتلال منازل المواطنين، والتطهير العرقي، هو حق أصيل للمجتمع السوداني بأسره، ولا يملك أي فرد، مهما علا شأنه، سلطة التنازل عنه، وإن مفهوم السيادة لا يعني سلطة الحاكم المطلقة، بل يعني سيادة القانون فوق الجميع، بما في ذلك الحاكم نفسه.
تاريخ من الإفلات من العقاب وإعادة إنتاج الكارثة…
لم يأتِ هذا النمط من التفكير من فراغ، بل هو نتاج تراكمي لتاريخ طويل من التسويات الهشة في السودان، لطالما انتهت الصراعات في بلادنا باتفاقيات سلام تُكافئ المجرمين والقتلة بمناصب ووظائف دستورية، وتمنحهم حصانات تحميهم من المساءلة.
انظروا إلى اتفاقيات السلام السابقة، هل حوكم أحد على جرائم دارفور؟
هل حوكم أحد على جرائم جنوب السودان وجبال النوبة والنيل الأزرق؟
هل حوكم قتلة المتظاهرين في فض الاعتصام؟
الجواب هو لا وألف لا، وبسبب هذه “اللاءات”، تجرأ المجرمون أكثر، وتحولت الميليشيات إلى جيوش موازية، وأصبح حمل السلاح هو الطريق الأقصر للثراء والسلطة.
تصريح البرهان الأخير، يعيد إنتاج نفس العقلية، وهي، قاتِل، دَمِّر، احرق، ثم القِ السلاح وسنرحب بك، وهذه المعادلة، هي التي صنعت قوات الدعم السريع في المقام الأول، وهي التي مكنتها، وهي التي سمحت لها بالتغول حتى كادت تبتلع الدولة بأكملها.
إن إعادة تدوير المجرمين ودمجهم في المجتمع أو المؤسسات دون عقاب أو محاسبة هو بمثابة زراعة ألغام في طريق المستقبل، ستنفجر حتما في وجه الأجيال القادمة.
التمييز بين المغرر بهم وقادة الإجرام…
قد يجادل البعض بأن العفو ضروري لتشجيع الجنود الصغار على الانشقاق وحقن الدماء، وهذا الطرح يحمل وجاهة نظرية، لكنه يتطلب دقة شديدة في التطبيق، إذ يجب التمييز بوضوح، وبنص قانوني صارم، بين:
1/ المغرر بهم وصغار الجنود، الذين لم تتلطخ أيديهم بجرائم مباشرة ضد المدنيين، ولم يشاركوا في القتل المنهجي أو الاغتصاب، هؤلاء يمكن التعامل معهم عبر برامج العدالة الانتقالية وإعادة الدمج.
2/ قادة الميليشيات والمخططين والمنفذين للجرائم الكبرى: هؤلاء لا يجوز في حقهم العفو أبداً، وأي عفو عنهم هو مشاركة في الجريمة.
تصريح البرهان جاء مطلقاً، حيث قال، نرحب بأي شخص، وهذا الإطلاق خطير للغاية، لأنه يفتح الباب لعودة القتلة وسفاحي المدن إلى حضن الدولة، بل وربما مكافأتهم.
إن الدولة التي تحترم نفسها لا ترحب بالمغتصبين ولا تفتح ذراعيها لمن أحرقوا القرى وهجروا الآلاف، بل الدولة الحقيقية تفتح لهم أبواب السجون والمحاكم، لا أبواب القصور والمفاوضات.
العدالة شرط مسبق لبناء الدولة…
لا يمكن بناء وطن على أنقاض العدالة، ذلك إن فكرة تجاوز الماضي دون معالجته هي وهم كبير، فالجروح التي لا تُنظف تتعفن، والجرائم التي لا يُحاسب مرتكبوها تتكرر.
إن استعصاء الحلول على أبسط المشكلات في السودان، وتفشي الفساد الإداري والمالي، وانهيار الخدمة المدنية، كلها نتائج طبيعية لسيادة منطق القوة على منطق القانون.
عندما يرى الموظف العام أن سارق المليارات يفلت من العقاب، سيسرق الملاليم، وعندما يرى الضابط أن قاتل الآلاف يصبح جنرالاً، سيتساهل في حماية المواطنين.
إن منظومة القيم الأخلاقية والقانونية في السودان قد تهشمت، والسبب الرئيسي هو هذا الكرم الحاتمي في توزيع صكوك العفو والغفران على من أجرموا في حق الوطن.
إن العفو عن الجرائم الكبرى ليس مجرد خطأ سياسي، بل هو تدمير ممنهج لمفهوم الدولة الحديثة.
الحق الخاص والحق العام: خطوط حمراء…
يجب أن نعي أن الجرائم التي ارتُكبت في هذه الحرب لها شقان: شق خاص، يتعلق بحقوق الأفراد الذين قُتل ذووهم، أو نُهبت أموالهم، أو انتُهكت أعراضهم، وهؤلاء وحدهم من يملكون حق العفو في الشق الشخصي، ولا يملك البرهان ولا غيره أن يعفو نيابة عنهم.
شق عام: يتعلق بحق المجتمع والدولة في القصاص لردع المجرمين وحفظ النظام، وهذا الحق لا يجوز لأحد التنازل عنه، لأنه ملك للأمة جمعاء، وللأجيال القادمة التي من حقها أن تعيش في مجتمع آمن يسوده القانون.
إن أي محاولة للالتفاف على هذه الحقوق، سواء عبر تسويات سياسية مشبوهة أو مراسيم عفو رئاسية، ستواجه برفض شعبي واسع، وستؤسس لدورة عنف جديدة قد تكون أشد ضراوة، إذ ان الشعب السوداني الذي ذاق ويلات الحرب والنزوح، لن يقبل بأن يرى جلاديه يكرمون أو يُعاد تأهيلهم دون حساب.
عزيزي القارئ…
في المحصلة النهائية، لا يمكن قراءة خطاب العفو الذي يلوّح به الفريق عبد الفتاح البرهان بمعزل عن السياق التاريخي والسياسي والأخلاقي الذي أنتج المأساة السودانية الراهنة، فالقضية هنا لا تتعلق بعبارة عابرة أو تكتيك ظرفي في إدارة حرب، بل تتصل بجوهر فكرة الدولة نفسها، وهي، هل نحن بصدد دولة قانون ومواطنة، أم كيان هش تحكمه موازين القوة ويُدار بمنطق الغنيمة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كان السودان سيتجه نحو السلام الحقيقي أو نحو إعادة تدوير الكارثة بأشكال أكثر دموية وتعقيدا.
إن العفو غير المشروط عن الجرائم الكبرى لا يصنع سلاما، بل يزرع بذور حرب مؤجلة، قد يتوقف إطلاق النار مؤقتا، وقد تنخفض حدة المواجهات، لكن جوهر العنف يظل قائما ما دامت العدالة غائبة، فالسلام الذي يقوم على تجاهل حقوق الضحايا، أو القفز فوق آلامهم، هو سلام زائف، سرعان ما ينهار عند أول اختبار، لأن المجتمعات لا تنسى دماءها، ولا تشفى جراحها بقرارات فوقية أو خطابات إنشائية.
لقد أثبتت التجربة السودانية، بما لا يدع مجالًا للشك، أن سياسة الإفلات من العقاب، هي الوقود الأساسي لاستمرار العنف.
كل مرة مُنح فيها المجرمون فرصة للعودة إلى المشهد دون محاسبة، كانت النتيجة مزيدا من الجرائم، ومزيدا من الميليشيات، ومزيدا من الاستهانة بحياة المدنيين، ولذلك فإن تكرار نفس الوصفة، تحت مسميات جديدة وشعارات براقة، لا يمكن أن يقود إلا إلى نفس النهايات الكارثية.
إن الدولة التي تسعى إلى استعادة هيبتها لا تبدأ بالعفو، بل تبدأ بتطبيق القانون، لا تبدأ بمغازلة السلاح، بل بتجريده من شرعيته، ولا تبدأ بمساومة القتلة، بل بطمأنة الضحايا بأن دماءهم ليست رخيصة، وأن العدالة، مهما تأخرت، لن تسقط بالتقادم ولا بالخطاب السياسي، فسيادة القانون ليست عبئا على الدولة في أوقات الأزمات، بل هي طوق نجاتها الوحيد.
وليس المقصود هنا الدعوة إلى الانتقام أو تغذية روح الثأر، بل التأكيد على أن العدالة هي الشرط الأخلاقي والسياسي لأي مصالحة حقيقية، فالتمييز بين المغرر بهم وقادة الإجرام، وبين من انخرطوا قسرا ومن خططوا ونفذوا وأمروا، هو المدخل العقلاني الوحيد لحقن الدماء دون التفريط في الحق العام، أما إطلاق العفو على عواهنه، فهو ليس شجاعة سياسية، بل هروب من مواجهة الحقيقة.
إن على قيادة الجيش، وعلى رأسها الفريق البرهان، أن تعي أن السلطة التي لا تُضبط بالقانون تتحول سريعًا إلى عبء على الوطن، وأن الشرعية التي لا تحتمي بالعدالة تتآكل مهما طال أمدها، فالتاريخ لا يرحم، والشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى، ولا تغفر لمن تواطأ على حقوقها أو استهان بآلامها.
ختاما.. إن السودان اليوم يقف عند مفترق طرق حاسم، إما طريق الدولة، حيث لا أحد فوق القانون، وحيث يُحاسَب المجرم مهما كان موقعه، وحيث يكون السلام ثمرة للعدالة لا بديلا عنها، وإما طريق الفوضى المقنّعة، حيث تُقدَّم التنازلات باسم الواقعية، وتُدفن الجرائم باسم المصلحة، ويُعاد إنتاج العنف باسم السلام، والاختيار بين هذين الطريقين لن تحدده الخطب ولا البيانات، بل ستحدده الإرادة الصادقة في الانحياز للمواطن، ولحقه في الحياة والكرامة والعدالة، فالأوطان لا تُبنى بالعفو عن الجرائم، بل تُبنى بمنع تكرارها، ولا مستقبل للسودان إلا بدولة تحاسب، لا دولة تعفو عمّن لا يملِك أحد حق العفو عنه.

عن عبدالغني بريش فيوف

شاهد أيضاً

فلسفة التوحش .. حين يشرعن الوليد مادبو جرائم ذوي القربى باسم الهامش!!

عبدالغني بريش فيوفbresh2@msn.com ليس كل من نطق بمفردات التهميش مهمشا أو صار نصيرا للهامش، ولا …