عقيدة ترامب والإمبريالية الماغاوية الجديدة (1-3)

عرض وتلخيص عثمان محمد حمدان
) يستند العرض على توضيحات وإفادات الكاتب في لقائه مع برنامج ديموقراسي ناو(
في مقال نشر حديثا (1 يونيو 2025) في مجلة “مانثلي ريفيو” بالعنوان أعلاه، يقدم جون بيلامي فوستر، أستاذ علم الاجتماع في جامعة أوريغون والمحرر بالمجلة، تحليلاً طبقيا لما يسميه “الإمبريالية الماغاوية” )من لفظة “ماغا MAGA” المُكوَّنة من الأحرف الأولى في شعار ترامب الانتخابي “اجعل أمريكا عظيمة مجددًا”(. على العكس من التحليلات التي تجادل بأن القاعدة الأساسية لحركة ماغا الفاشية تتكون من الطبقة العاملة البيضاء، يرى فوستر أن هذه الحركة تستند أساسا إلى الطبقة الوسطى الدنيا )البرجوازية الصغيرة(. يحدد الكاتب طبيعة التكوين والتصنيف الاجتماعي والثقافي والسياسي لهذه الفئة بأنهم “أصحاب الممتلكات الصغيرة من ملاك الأراضي الصغار، والمدراء من المستوى الأدنى في الشركات، والسكان الريفيين. ثقافيا، ترتبط هذه الطبقة بالحركة الإنجيلية، وتميل إلى احتقار النساء، وتغالي في توجهاتها الأبوية. أثنيا، تتكون في الغالب من الامريكان البيض. مقارنة بالطبقة العاملة التي تشكل 60% من السكان، تعتبر هذه الطبقة في وضع أفضل بكثير من حيث الدخل وحجم الممتلكات، ولا تشكل مناهضة للرأسمالية. سياسيا، تعتبر الطبقة الوسطى الدنيا شديدة القومية، وتقوم بتوظيف العنصرية الشديدة ومعاداة المهاجرين في الكسب السياسي. لديها نزوع إلى القومية الانتقامية )عقيدة سياسية تهدف إلى الانتقام أو عكس الخسائر المتكبدة في الهزائم السياسية أو العسكرية السابقة، أي تدعو إلى العودة إلى عصرٍ سابقٍ مزدهر وزاهٍ، يعبر عنه شعار “اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”(. تتركز أعداد كبيرة من الطبقة الوسطى الدنيا في الضواحي البعيدة، وتشارك في التصويت بكثافة أكبر بكثير من الطبقة العاملة.”
يوضح فوستر أن “عقيدة ترامب تعارض الإمبراطوريات متعددة الأعراق والأمم متعددة الأعراق”، وتعمل وفق “تعريف عرقي للسياسة الخارجية، يقوم على فكرة أن الولايات المتحدة دولة بيضاء لا مكان فيها للأعراق الأخرى.” تتبلور سياستها الخارجية في شكلٍ “قومي متطرف” من الشعبوية يرفض التزامها بقيم وسياسات النظام الليبرالي الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وتسعى للهيمنة على الدول الأخرى عبر القوة العسكرية بدلاً من العولمة الاقتصادية. يتجلى هذا التغير المفاجئ في السياسة الخارجية الأمريكية في التخلي عن النظام الدولي الليبرالي الذي بُني تحت الهيمنة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك عن استراتيجية توسيع حلف الناتو والحرب بالوكالة مع روسيا في أوكرانيا. فرض الرسوم الجمركية المرتفعة وتغيير الأولويات العسكرية وضعتا الولايات المتحدة في صراع حتى مع حلفائها التقليديين، بينما تتسارع الحرب الباردة الجديدة على الصين والجنوب العالمي.”
يشير المقال إلى التطابق بين هذه الفئة والقاعدة الاجتماعية لجميع الحركات الفاشية في التاريخ. يقول الكاتب في لقائه مع برنامج ديموقراسي ناو “إذا عدت إلى ثلاثينيات القرن الماضي، إلى إيطاليا وألمانيا، ستجد نفس القاعدة الاجتماعية التي قادت الحركة الفاشية في تحالف مع رأس المال الكبير، للمليارديرات، ورأس المال المالي الاحتكاري، في قمة المجتمع. … إنهم يعارضون أساساً ما يرونه في أيديولوجية ماغا على أنه الطبقة الحاكمة، وهي الطبقة الإدارية المهنية، التي يُنظر إليها على أنها تتحكم في الحكومة. وهم أيضاً يعارضون الطبقة العاملة، التي يرونها متعددة الأعراق ومتنوعة ومعدمة، وهي فئة لا يريدون أن ينحدروا إليها. لذا فإن الطبقة الوسطى الدنيا تشكل نوعا من الحرس الخلفي للنظام، حيث قام المليارديرات بتعبئتهم بشكلٍ أساسي، بدءاً من حزب الشاي ثم ظاهرة ترامب، لتحويل النظام السياسي بأكمله إلى اليمين المتشدد، ولتطوير حركة فاشية جديدة من هذا النوع، والتي بالطبع تحتوي على جميع أنواع التناقضات.”
يلاحظ الكاتب أن التحول بالغ التطرف في فرض القوة الأمريكية، وما ترتب عليه من ارتباك عميق، جعل بعض الشخصيات التي ارتبط اسمها طويلًا باليسار “تقع في فخ اعتبار ترامب انعزاليًا ومناهضًا للتسلح وللإمبريالية. وهكذا، زعم كريستيان بارينتي اليساري الساخط أن ترامب “ليس مناهضًا للإمبريالية بالمفهوم اليساري، بل هو انعزالي غريزي يضع أمريكا أولًا”، وهدفه – “أكثر من أي رئيس امريكي معاصر” – هو “تفكيك الإمبراطورية العالمية غير الرسمية لأمريكا”، وتعزيز سياسة خارجية “مناهضة للتسلح” “تتصدى للإمبراطورية”! على العكس من هذا التحليل المتهافت يرى فوستر أن “التحول العالمي في العلاقات الخارجية للولايات المتحدة تحت حكم ترامب، بعيدًا عن كونه مناهضًا للإمبريالية، ناجم عن نهج فوق قومي للقوة العالمية، يستند إلى فئات رئيسية في الطبقة الحاكمة، خصوصًا الاحتكاريين في قطاع التقنية المتقدمة، بالإضافة إلى أتباع ترامب المنتمين في غالبيتهم للطبقة الوسطى الدنيا. وفقًا لهذه الرؤية النيو-فاشية والانتقامية، فإن الولايات المتحدة في تراجع كقوة مهيمنة ومهددة من أعداء أقوياء: الماركسية الثقافية و”الغزاة” المهاجرين من الداخل، والصين والجنوب العالمي من الخارج، بينما يكبلها حلفاء ضعفاء تابعون.”
يعدد الكاتب الشواهد الدولية والمحلية على الانعطاف الحاد نحو اليمين منذ تولي ترامب الرئاسة عام 2016″عالميًا، تُوجَّه جميع الموارد المتاحة لزيادة القوة الأمريكية بمنطق الربح والخسارة الصفري، وهزيمة الصين بوصفها المنافس الصاعد الجديد. وهكذا، أُطلقت الحرب الباردة الجديدة على الصين بجدية في إدارة ترامب الأولى، مصحوبة بالتحول نحو الانفراج مع روسيا. ورغم أن إدارة جو بايدن مضت قدمًا في حرب واشنطن بالوكالة المخطط لها مسبقًا ضد روسيا (التي بدأت بالانقلاب اليميني المدعوم أمريكيا في أوكرانيا عام 2014)، إلا أنها سارت على خطى جمهوريي ترامب في مواصلة الحرب الباردة الجديدة على الصين، مواجهةً بذلك القوتين الأوراسيتين العظميين في آن واحد. وبعد عودته للسلطة، سعى ترامب لإنهاء حرب الناتو بالوكالة في أوكرانيا، بينما اتجه بقوة أكبر نحو الصراع في آسيا. حتى في الشرق الأوسط، حيث يدعم نظام ترامب حاليا إبادة صريحة – أو الإزالة الكاملة للفلسطينيين في غزة باسم “السلام” – مع قصف اليمن وزيادة الضغوط على إيران )كُتب المقال قبل القصف الأمريكي للمنشآت النووية الإيرانية(، يُعتبر ثانويًا أمام الحرب الباردة الجديدة على الصين.”
الطارئ المستحدث في الاستراتيجية الإمبريالية الجذرية التي تمثلها إدارة ترامب، خاصة في ولايته الثانية، استنادها إلى مفهوم “أمريكا أولًا”. يشكل هذا الأمر “رفضًا للدور الأمريكي التقليدي كقوة عالمية مهيمنة، لصالح إمبريالية فوق قومية تضع أمريكا أولًا hypernationalist America First imperium. يتجلى ذلك في هجوم الولايات المتحدة على المنظمات الدولية التي لا تهيمن عليها كليًا أو التي تتحمل فيها أعباء غير متناسبة، مثل الأمم المتحدة أو حتى حلف الناتو. علاوة على ذلك، تُعامل العلاقات التجارية ليس كعمليات تبادل متبادلة المنفعة (والتي تستفيد منها في الواقع الدول الأكثر ثراءً أساسًا)، بل كعلاقات معاملاتيةrelations transactionalتُحدد فقط على أساس القوة الوطنية.” في هذا السياق، يرى الكاتب أن “فرض ترامب رسومًا جمركية على جميع الدول الأخرى، بما فيها رسوم مرتفعة على نحو ستين دولة، ليس مسألة بسيطة للسعي وراء مكاسب اقتصادية، بل يجب اعتبارها لعبة قوة تُؤَمِّن من خلالها الهيمنة الجيواقتصادية والجيوسياسية. تحت استراتيجية “أمريكا أولًا”، تسعى واشنطن للحصول على جزية من حلفائها، الذين سيحتاجون من الآن فصاعدًا إلى الدفع بطريقة أو بأخرى مقابل الدعم العسكري الأمريكي، مما ينتج عنه أشكال جديدة من الصراع ما بين الإمبريالي interimperialist (أو داخل الإمبريالي(intraimperialist “
يوضح المقال الكيفية والوتيرة التي تُفاقم بها استراتيجية ترامب الإمبريالية الانفاق العسكري وسباق التسلح استهدافًا للصين، إذ تسجل ميزانية الإنفاق العسكري الرسمية للسنة المالية القادمة زيادة بنحو 12% لتصل إلى تريليون دولار (عادةً ما يصل الإنفاق العسكري الفعلي إلى ضعف المستوى الرسمي). يختتم الكاتب هذا الجزء من المقال برسم صورة قاتمة ومتوقعة لمستقبل أمريكا “النتيجة الأرجح لمثل هذه التطورات – إن لم تُوقَف – هي عصر جديد من الكوارث، على نطاق لا يختلف عن ثلاثينيات القرن العشرين، يتميز بتدمير اقتصادي وبيئي ناجم عن الحرب. هذا لن يؤدي إلى تعزيز الهيمنة الأمريكية، بل إلى تسارع تراجعها، حيث ستتعرض هيمنة الدولار والمؤسسات الدولية التي ارتكزت عليها القوة الأمريكية تاريخيًا لمزيد من التقويض. داخل نظام ترامب نفسه، ستُفاقم محاولات واشنطن لفرض قوتها عالميًا الصراعات الداخلية بين رأس المال المالي الاحتكاري بمصالحه الاقتصادية العالمية، وحركة ترامب الشعبوية القومية الضيقة. جميع محاولات الحفاظ على تماسك نظام رجعي كهذا ستتطلب قمعًا متزايدًا، بينما سيعتمد المستقبل على حجم التمرد الذي يُولِّده هذا القمع، محليا وعالميا.”

osmanhamdan72@gmail.com

عن عثمان محمد حمدان

شاهد أيضاً

اِنْهض فِي غضب وَأمَل .. بقلم: عثمان محمد حمدان

osmanhamdan72@gmail.com اِنْهض فِي غضب وَأمَل: كَيْف يُمْكِن لِلاحْتجاجات البركانية أن تَدفَع بالقضايَا اَلملِحة إِلى مَركَز …