على أعتاب الدولة المدنية (2 ـ 4)
*الديمقراطية تحتاج أحزاباً حيّة
نزار عثمان السمندل
لحظات التحول الكبرى في تاريخ الدول تفرض على القوى السياسية امتحاناً مزدوجاً: امتحان القدرة على إدارة المرحلة، وامتحان القدرة على تجديد نفسها. والسودان يقف اليوم أمام لحظة كهذه.
تضييق الخناق على الحركة الإسلامية السودانية، محلياً ودولياً، يفتح المجال أمام القوى المدنية لتقدم مشروعها الوطني، لكن هذا المشروع يحتاج قبل كل شيء إلى أحزاب سياسية حيّة؛ قوية وقادرة على العمل العام.
الحياة الحزبية في السودان عاشت عقوداً طويلة من الاضطراب. الانقلابات العسكرية المتكررة، والصراعات الأيديولوجية الحادة، والانشقاقات التي طاولت عددا من الأجسام، وسياسات التضييق التي مورست خلال سنوات الحكم السابق، تركت الأحزاب في حالة من الوهن التنظيمي والانقسام الداخلي. كثير من هذه الأحزاب احتفظ بتاريخ طويل في الوجدان الوطني، لكنها فقدت تدريجياً قدرتها على مخاطبة الأجيال الجديدة أو تقديم برامج سياسية واقعية.
المرحلة التي تفتح الآن أمام السودان تحتاج إلى أحزاب حديثة التنظيم والرؤية. الحزب السياسي في الديمقراطيات المستقرة يشكل مدرسة للعمل العام؛ فضاءً يتعلم فيه الأفراد ممارسة السياسة، وصياغة البرامج، وإدارة الاختلاف. السودان الذي يسعى إلى بناء دولة مدنية مستقرة يحتاج إلى مؤسسات حزبية قادرة على أداء هذا الدور.
ترتيب البيت الداخلي للأحزاب يبدأ بإعادة بناء الهياكل التنظيمية على أسس شفافة وديمقراطية. المؤتمرات الحزبية المنتظمة، تداول القيادة، وإشراك الشباب والنساء في مواقع القرار تمثل خطوات ضرورية لإعادة الحيوية إلى العمل السياسي. الأحزاب التي تظل أسيرة القيادات التقليدية أو الخلافات القديمة تجد نفسها معزولة عن المجتمع الذي يتغير بسرعة.
المسألة الأخرى تتعلق بتجديد البرامج السياسية. السودان يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة، من إعادة بناء الاقتصاد إلى معالجة آثار الحرب وترميم مؤسسات الدولة. المجتمع ينتظر من القوى السياسية أن تقدم حلولاً عملية لهذه القضايا، لا مجرد شعارات عامة. البرامج الحزبية الواضحة تمنح الناخبين القدرة على الاختيار الواعي، وتمنح الديمقراطية مضمونها الحقيقي.
كما أن تجاوز الانقسامات التاريخية داخل الأحزاب يمثل خطوة أساسية في هذه المرحلة. الانشقاقات المتكررة أضعفت الحياة السياسية وأفقدت كثيراً من القوى الحزبية تأثيرها الشعبي. روح جديدة من الحوار الداخلي والمراجعة الفكرية تستطيع أن تعيد توحيد الطاقات السياسية حول أهداف وطنية مشتركة.
وجود قوى سياسية منظمة وقادرة على العمل المشترك يمنح المبادرات المدنية الأوسع سنداً اجتماعياً وسياسياً ضرورياً. التحالفات المدنية تحتاج إلى أحزاب قوية تسندها في المجتمع وتمنحها الاستمرارية المؤسسية.
السودان الذي خرج شعبه إلى الشوارع مطالباً بالحرية والسلام والعدالة ينتظر اليوم من نخبه السياسية أن ترتقي إلى مستوى اللحظة. الديمقراطية لا تقوم فقط على إسقاط الأنظمة القديمة، بل على بناء مؤسسات سياسية قادرة على تمثيل المجتمع وإدارة اختلافاته.
إصلاح الأحزاب السياسية يمثل خطوة أولى في هذا الطريق. فحين تستعيد هذه الأحزاب حيويتها التنظيمية وبرامجها الوطنية، تصبح قادرة على أداء الدور الذي تحتاجه أي ديمقراطية حقيقية: تحويل طاقة المجتمع إلى عمل سياسي منظم، وفتح الطريق أمام وطن يستعيد توازنه ويبدأ أخيراً رحلة الاستقرار والتقدم.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم