الجريدة هذا الصباح..
بسيطرتها على مدينة قيسان، ماذا تريد قوات الدعم السريع أن تكتب في هذا التوقيت على دفتر الحوار الوطني الذي دعا له البرهان؟
و«تأسيس» كقوى مستبعدة، غائبة عن الحوار بقولهم، أم حاضرة في الميدان بفعلها؟!
أطياف
صباح محمد الحسن
على الأرض
طيف أول:
إلى الأرصفة التي مازالت تؤرق الشوارع،
ما كانت مساحات الذاكرة والخُطى إلا مزيج حكايا وبعض ألحان لم تختتم.
وبالأمس تجددت المعارك العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، وقالت قوات تحالف «تأسيس» في بيان رسمي إنها أحكمت السيطرة التامة على مدينة قيسان بإقليم النيل الأزرق، وإنها استولت على جميع المواقع العسكرية داخل المدينة.
والسيطرة على مدينة قرب الحدود الإثيوبية تتجاوز التمدد الطبيعي للدعم السريع، وتعد مؤشر لخطوة تحمل رسائل عسكرية وسياسية عميقة، خصوصاً في ظل توتر العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا.
وتعني أن الدعم السريع يريد تأمين خطوط إمداد بديلة بعيداً عن الضغط في دارفور، ما يعني توسيع نطاق الحرب. ومع ذلك وجود الدعم السريع في قيسان قد لا يكون مهدداً لإثيوبيا، عكس أي دولة يقلقها هذا التمدد
وهذا بلا شك يؤكد للمراقب أن الحرب لم تعد محصورة في دارفور وكردفان ، بل يمكن أن تمتد إلى الشرق والحدود.
والسيطرة على منطقة بعيدة جغرافياً عن ميدان الحرب تكشف أن الدعم السريع مازال قادراً على التحرك في مساحات واسعة ٫ فهذا النوع من التحركات، والذي تكون نتائجه سيطرة كاملة، لا يُقرأ فقط كتقدم ميداني، بل كرسائل استراتيجية للجيش.
فبهذا الدعم السريع يقول إنه مازال قادراً على الزحف حتى في مناطق يعتبرها الجيش آمنة، وللمجتمع الدولي يبرهن أنه مازال بقوته مما يعطيه قدرة على التأثير على الأمن الحدودي، ويجعل إثيوبيا في حالة مراقبة دقيقة، ومع ذلك قد تعتبره ورقة مشتركة.
وهذا التطور يربك الجيش، لأن الشرق كان يمثل له منطقة ارتكاز، وظل حريصاً على تأمين الطريق الرابط بين الكرمك والدمازين، وهو طريق استراتيجي.
فسيطرة الدعم السريع على قيسان تعني أن هذا الطريق أصبح مهدداً، وأن هذه القوات باتت أقرب من مناطق حساسة في الشرق. فالسيطرة عليها تمنح الدعم السريع وتحالف «تأسيس» عمقاً جغرافياً جديداً في الشرق، وهذا يغيّر شكل الحرب في الإقليم.
لكن بعقارب الساعة والتوقيت السياسي، ماذا قصدت «تأسيس» أن تقول بسيطرة الدعم السريع على قيسان؟
لطالما أنها أول المعارك بعد دعوة البرهان للحوار الوطني وتهيئة المناخ السياسي، فتأسيس قد ترى أن خطوات الجنرال هي محاولة سياسية للهروب من ضغط الحرب، فأرادت أن تقول بتوقيعها العسكري: بينما تدعون للحوار، قواتنا تتقدم، وأن الحرب لم تنتهِ، وقواتنا الآن ليست في وضع دفاعي، ووضعكم لا يسمح بقيادة حوار أو فرض شروط، وأن الحوار الذي استُثنينا منه سياسياً نوقّع على دفتر الغياب فيه بحضورنا عسكرياً.
فالسيطرة على مدينة جديدة تعني أن الدعم السريع يريد نفي رواية الجيش بأنه «يستعيد زمام المبادرة».
وهذه رسالة مباشرة لإحراج البرهان أمام المجتمع الدولي وتضعف موقفه؛ فعندما يدعو لحوار وطني بينما يخسر مناطق جديدة، فهذا سيُقرأ بعيون دولية أن البرهان لا يملك السيطرة الميدانية، وأن دعوته للحوار ليست من موقع قوة كما يدّعي، وتبدو فقط محاولة للهروب من ضغط الحرب وليس لإنهائها. وهذه القراءة ستضعف مصداقية الدعوة وتجعلها تبدو غير واقعية، ففي ظل استمرار الحرب، القوة على الأرض هي التي تحدد وزن الأطراف، لا المصالحات السياسية الزائفة لذلك كنا ولازلنا نقول يجب أن يكون السلام أولاً.
طيف أخير:
لا_للحرب
قال د. بكري الجاك، الناطق الرسمي لصمود، في حديثه للشرق:
«ليس في نيتنا الحوار مع المؤتمر الوطني حول أي قضية، والحزب لفظه الشعب السوداني بثورة شعبية، ولا ندعو لمصادرة حق السودانيين، وأعضاؤه لهم الحق في المشاركة في صناعة الدستور كمواطنين، لكن لا سبيل لإعادة إنتاج تجربة الإنقاذ مرة أخرى عبر بوابة الحرب».
الوعي السياسي لكشف خيوط لعبة الحوار السوداني.
