رشا عوض
ازاء كل حرب لدي حزن عميق ومرارة واسف، فانا اكره الحروب في كل مكان ، واعتقد ان الكراهية الحميدة الوحيدة في الدنيا هي كراهية الحرب.
كل الحروب التي عاصرتها في حياتي داخل وطني وخارجه لم اجد نفسي متماهية مع احد اطرافها ، بمعنى لم اعتقد انها حروب بين خير وشر او حق وباطل.
ربما عند وقوع الواقعة اتمنى انتصار طرف وهزيمة الاخر بحسابات النتائج الواقعية لانتصار هذا وهزيمة ذاك بمعايير قيمية واخلاقية، لا بمعاير مطلقة ترى في طرف ما مبعوث العناية الالهية الطاهر والمبرأ او رسول الانسانية المخلص!
ليس لدي ما يكفي من البراءة او السذاجة لاعتقاد ان من يقفون وراء طاحونة الموت والدمار الدائرة بلا توقف في هذا العالم هم قديسون او رسل انسانية!
الحرب من شرور الانسان الغليظة، فهي اسوأ منتج للغرائز البشرية!
لا توجد حرب مقدسة او وجودية ، بل هناك غباء او عمى بصيرة او انحطاط وطمع انساني يجعل الحرب ضرورية فيتم تغليفها بقدسية دينية او معنى نبيل او وهم كبير !
لن يكتمل السمو الاخلاقي للبشرية الا اذا طوت صفحة الحرب كما طوت صفحة الرق!
لا ارى مستفيدا من الحروب سوى تجار السلاح !
التكنولوجيا المتقدمة جدا حد الابهار في حروب اليوم تثير سؤالا مهما هل هناك قوة اخلاقية موازية لقوة العلم والتكنولوجيا وقادرة بالفعل على كبح الامكانات التدميرية وترويض اطماع الاقوياء ؟
هل يشهد العالم عهدا تكون السلطة الاخلاقية فيه هي السلطة العليا والمهيمنة ؟
ربما ولو بعد حين !!
والى ذلك الحين ماذا يفعل الضعفاء الذين يرون انفسهم ضحايا نظام دولي غير عادل ؟
المطلوب منهم اولا الحرص على ” التفوق الاخلاقي للضحية” بمعنى ان الدولة التي ترفض منطق الهيمنة الامريكية والازرائيلية المستعلية بالقوة على القانون والشرعية الدولية يجب ان تكون هي مثال للالتزام بالقانون، اولا تجاه شعبها فلا تقمعه بقوة السلاح وتصادر حريته السياسية ، وثانيا باتجاه محيطها الاقليمي ، فإذا كانت ايران مدفوعة باوهام الدولة الاقليمية العظمى تدوس على مبادئ القانون والشرعية الدولية وتنشيء لنفسها اذرعا مليشياوية في لبنان واليمن وفلسطين ، وتساند نظاما عسكريا باطشا بشعبه ومدمرا لبلده كالنظام الاسلاموي في السودان ، وتقول في خطابها الرسمي وعلى لسان اكبر رأس قيادي فيها انها سوف تمحو ازرائيل من الوجود ، وتهتف الموت لامريكا وتصفها بالشيطان الاكبر ، فان خطورة هذه العنتريات لا تقتصر على عدم مراعاة ميزان القوى الواقعي والذي يقول ان ايران بكل المقاييس غير مؤهلة لخوض مواجهة بهذا الحجم، بل الخطورة الاكبر هي ان ايران بهذا المسلك تعلن انها ومن حيث المبدأ لا ترفض منطق ” إزالة دولة من الوجود” وتنشئ قوات عسكرية لهذا الهدف وتسعى لامتلاك قنبلة نووية! وهنا تفقد ايران ” التفوق الاخلاقي للضحية” وتفتح الباب بيديها وهي الطرف الأضعف ” لمباراة الإزالة من الوجود” مع دول – وللمفارقة- هي من تملك التفوق العسكري الحاسم!!
وبعد ان اندلعت الحرب ارسلت ايران وابل صواريخها على دول الخليج العربي الامر الذي سيضاعف عزلتها الاقليمية، فكيف تحلم ايران بانتصار عسكري وهي تجبر كل جوارها الاقليمي على الاصطفاف ضدها دفاعا عن النفس!
بما ان النظام العالمي محكوم الى حد كبير بمنطق القوة ، فإن الدول الضعيفة او المستضعفة والى حين اشعار اخر يجب ان تدير شؤونها وعلاقاتها الدولية بما يناسب وزنها الواقعي في معادلة توازن القوى، مع سعيها المستمر لتحسين شروط وجودها وفاعليتها في هذا العالم عبر التقدم العلمي والاقتصادي والنضج السياسي، لا عبر العنتريات الجوفاء والاوهام الايدولوجية والمكابرات الرعناء.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم