بقلم د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
المملكة المتحدة
Ali Ibrahim “Ali Farka” Touré (31 October 1939 –7th March 2006
عندما يكون الفنان أيقونة زمانه ورمزاً مخلداً في وطنه وذاكرة معجبيه لا يرتقي لتلك الدرجة من الشهرة والتقدير بعدد الأغنيات التي قدمها بل الأهم بما ساهم به طوعاً ورغبة من أعمال الخير التي جعل من كل ما يقتنيه من مال يصب في قنوات المشاريع الخيرية التي تفيد الوطن والمواطنين خاصة الفقراء والمحتاجين المتعففين في دنياهم التي يسودها فقر مدقع وتهميش من قبل أنظم فاسدة. في المثل يقولون ” صاحب المال جبان” ، وهذه حقيقة وليست سراً ونحن نشاهد الأغنياء ليس من بين الفنانين فقط بل حدث ولا حرج من أصحاب الثراء الذي لا حدود له وبرغم ذلك لا ترقّ قلوبهم فتدعم شعوباً أخرى تعاني من فقر مدقع. شاهدت من قبل فيلما توثيقيا عن الفنان والموسيقار المالي بل العالمي وملك العزف على الجيتار “علي فاركا”. كان يتحدث باللغة الفرنسية حديثا شيقا “ترجمة إنجليزية ” عن حياته منذ طفولته وحتى عندما كبر واشتهر فنانا مميزا ورقماً عالميا ذاعت شهرته في الولايات المتحدة الأمريكية وكل أوروبا في عزفه المميز لموسيقى البلوز وهكذا كان ذلك توثيقاً بأن أصل منبع موسيقى البلوز هو أفريقيا. ولد الفنان المالي المشهور علي فاركا في أكتوبر 1939 وتوفي فى السابع من مارس عام 2006 ( عليه رحمة الله) في إحدى قرى مالي إسمها نيافونكا Niafunke. يقول ولدت بعد موت كل إخواني التسعة الذين سبقوني وحسب الخوف من أن أموت مثلهم حسب المفهوم الشعبي السائد اطلقوا عليَّ اهلي إسم فاركا (تعني الحمار) تيمنا بقوة الحمار وتحمله الصعاب. يقول ولدت فى بيت متأصلة فيه ممارسة العلاج الشعبي خاصة علاج المس والسحر وقال جدته تمارسه وكذلك والده كان شيخا يمارس هذا النشاط من العلاج. لذلك قال علي فاركا إن نشأته كانت متأثرة بوجود هذه الأرواح فى محيطه و أعماقة لدرجة أنه عولج من المس لسنوات بلغت جملتها ثمانية من عمره وهو في سن الحادية عشر ظل فيها مكبلا بالجنازير محبوسا لدى المتخصصين فى هذا المجال. يقول بعد موت والده وهو في عامه الثاني كانت طفولته جدا صعبة مع عمه الذي كان قاسياً و مثقلاً عليه رغم صغره بالعمل الشاق فى الفلاحة وصيد السمك من نهر النيجر طيلة يومه وهو في سن السابعة . لذلك أصيب بمرض نفسي جعله مضطرباً وعنيفاً فكان مصيره الخضوع للعلاج من مرض المس الشيطاني حسب الطرق التقليدية من دينية وموروثات اجتماعية من فنون التعامل مع الجن . تأثر فى تلك الفترة بوجود الحكائين الذين يرفهون على الاخرين بالأغاني أو الإنشاد الديني أو العزف على الآلات الموسيقية الشعبية. تعلم من الذي كان يقوم بعلاجه وغيره من الشيوخ العزف على آله شعبيه جدا صعبة لأنها ذات وتر واحد يسمونها “كونكورد” تعلمها أثناء سنين العلاج في هومبوري (Hombori) ، يقول صوت نغمتها الحاد يسمع عبر مسافة تبلغ الثلاثة كيلومترات. بعد شفائه من المس الشيطاني حصل على أول آلة جيتار فتعلم العزف وأجاد وبدأ يغني لأول مرة العام 1950. قال كان لابد لي أن أدرس و أعلم نفسي تاريخ وعادات وثقافات المجتمعات والإثنيات المختلفة، وفلسفته فى مفهوم رسالة الغناء كانت أن يحقق السلام ولا يكون سبباً فى إشعال الحروب ، لذلك قال كل أعمالي الفنية ما هي إلا عبارة عن رسائل تدور حول محاور حياتية مختلفة أهمها التشجيع للعمل والإهتمام بتوفير المياه الصحية وتطوير الزراعة والثروة السمكية والحيوانه وعموم التنمية الإقتصادية لأنها حق قومي واجب به يتحقق مجتمع الرفاهية والعدالة. لذلك قال لا أخشى أن انتقد في هذا المضمار حتى الحكومة نفسها . يقول لا فائدة للموسيقي وحدها مع روعتها إن لم تكن مصحوبة بكلام بفيد و يخدم قضية ، رسالة منظومة يستمع لها الناس ويفهمونها. ويضيف إن الموسيقى تزرع فى النفوس الأمل ومن مهامها تصحيح الأمور الخاطئة وإيجاد السلام والمحبة وترسيخ عزة الإنسان. لذلك لا غرابة أن يتم لاحقا تعينه رسميا من قبل الحكومة واليا وفرح الناس بذلك لأنه خير من يحل مشاكلهم
من الذين أخذوا بيده وشجعوه ليواصل مشواره مع تعلم الموسيقي في الطريق للإحتراف رجل مسن معالج إسمه سوكو . يقول علي فاركا لا أنسى فضله وسأظل اتذكره وأشكره ما حييت إلى أن ألقاه بعد الموت. يضيف أنا أغني كذلك بذكر أمجاد الراحلين لأن في ذلك عرفان وإحياء لذكراهم ليكونون أمثلة تتبع لأن قدراتهم وأمجادهم وانجازاتهم قد لا تتكرر فى عالم اليوم. يقول معاناتي كانت جداً صعبة ولا اصدق عندما أقارن حالي أيام تلك المعاناة وما آلت إليه الأمور بعدها من الرخاء.
هكذا سرعان ما لمع نجم علي فاركا وانفتحت عليه الدنيا بالشهرة فصار الرائد الأول وملك الجيتار للصحراء الأفريقية ويغني فى أوروبا وأميريكا فحصل فى الترتيب العالمي الخامس والسبعين المنشور على قائمة الرولستونز . كتب عنه المختصون في علم الموسيقى والمحترفين من الدول الأروبية وحزنوا على وفاته بسبب سرطان البروستاتا وقال عنه أحدهم ” على فاركا ما هو إلا كتاب اغلق ببلوغه الصفحة الأخيرة ولن يتكرر مثله. صار دافعا للشباب الصحراوي ليلجوا عالم البلوز واشتهر بفضله من بعده شباب من طوارق مالي والجزائر والصحراء المغربية وسرعان ما بلغوا العالمية منهم علي قمة القائمة إبنه و تناروين، و بومبينو، وامدو مختار و إمار هان. يقول لو كنت فقط أريد الإكتفاء بالثراء والمتعة الشخصية لكنت بقيت عمري كله في أميركا واروبا حيث معجبي فنه كثر لكن حبه للوطن وروح الإنتماء والرغبة الأكيدة في عمل الخير ومساعدة الآخرين والقرب من دور العبادة هي المعايير التي جعلته يفضل البقاء في وطنه. قال عدت وعملت فلاحاً ونجحت بفضل الله. ففلح الأرض وأنشأ كذلك بساتين الفواكه والخضراوات ووفر مشاريع المياه العذبة وكانت مزرعته مفخرة وكان يزور المسجد القريب لصلاة الفجر، يتعبد ويقرأ القرآن.
قصة الفنان المالي علي فاركا توريه تُعد نموذجاً مُلهماً للفنانين في كل العالم، وخصوصاً في السودان الذي يتمتع بتراث فني غني وعدد كبير من الفنانين المخضرمين والشباب الذين حققوا نجاحاً محلياً وعالمياً.
كأكاديمي أحاول قدر الإمكان الاستفادة من تجارب الآخرين (مكتوبة أو في شكل محاضرة ) والخروج منها بدروس أو إستنتاجات أستفيد منها أو أفيد بها الغير دون أن اعتبرها قصصاً عابرة تردد للذكرى أو غيرها من مواضيع تعاد لتمضية الوقت . فيما يلي تحليل لتجربة الفنان الموسيقار المالي الجنسية العالمي فاركا ومقترحات عملية يمكن للفنانين السودانيين الاستفادة منها:
دروس مستفادة من تجربة علي فاركا:
- الوعي بالجذور والمسؤولية الاجتماعية: فاركا لم ينفصل عن معاناته الأولى ورأى أن نجاحه جزء من حل مشاكل مجتمعه.
- التخطيط الواضح: لم تكن مساهماته عشوائية، بل كانت ضمن رؤية وهدف واضح: “خدمة قريتي ووطني”.
- التنوع في المشاريع: لم يقتصر على مجال واحد (كالتبرع)، بل شملت مساهماته الزراعة (الأمن الغذائي)، البنية التحتية، وحتى السياسة ليكون صانع قرار.
- العودة والمشاركة المباشرة: بقي فعلياً على أرض الواقع، ولم يكتفِ بإرسال الأموال من بعيد.
مقترحات عملية للفنانين السودانيين لتحويل ثرواتهم إلى “نعمة وطنية” وصدقة جارية :
- على مستوى الفرد (الفنان/الفنانة):
· تأسيس مؤسسة أو صندوق تنموي خاص: بدلاً من التبرعات العابرة، إنشاء كيان مؤسسي يحمل اسم الفنان ويسير على رؤية واضحة. مثال: “مؤسسة عبد الكريم الكابلي للتراث والموسيقى”.
· تبني قرى أو مناطق محددة: كما فعل “علي فاركا”مع قريته. يمكن للفنان اختيار مسقط رأسه أو منطقة تعاني من التهميش و يتبنى مشاريع تنموية شاملة فيها (مياه، صحة، تعليم).
· الإستثمار في مشاريع ذات عائد إجتماعي إقتصادي: مثل:
· زراعي: إنشاء مزارع جماعية تعمل بتقنيات حديثة لتحسين الدخل وتوفير الغذاء.
· ثقافي: إنشاء مراكز فنون متعددة (مسرح، موسيقى، رسم) في الأحياء الشعبية لاكتشاف المواهب وصون التراث.
· صحي: المساهمة في تجهيز مراكز صحية أو شراء معدات طبية متطورة لمستشفيات عامة.
· تعليمي: تبني منح دراسية للطلاب المتفوقين من أبناء الطبقات الفقيرة في مجالات الفنون والعلوم.
· توظيف الفن نفسه لخدمة القضايا: إنتاج أعمال فنية (أغاني، مسرحيات، أفلام) تسلط الضوء على قضايا تنموية معينة وتوعي الجمهور وتحشد الدعم لها.
- على مستوى الجماعة (التكتل والتشبيك):
· تشكيل “اتحاد أو رابطة للفنانين السودانيين المستثمرين اجتماعياً”: تهدف لتوحيد الجهود، وتبادل الخبرات، وتجنب التكرار. يمكن لهذه الرابطة:
· إطلاق حملات وطنية كبرى (مثل: “مشروع كل فنان سوداني يزرع شجرة” أو “حملة محو الأمية بريشة الفنان”).
· التفاوض مع الحكومة والجهات المانحة للحصول على تسهيلات أو دعم للمشاريع المشتركة.
· إنشاء صندوق تمويل جماعي تديره لجنة من الفنانين المحترمين لتمويل أفكار تنموية.
· شراكات بين الفنانين الكبار والصاعدين: لخلق نموذج للتوارث في المسؤولية الاجتماعية.
- على مستوى المجال (مجالات استثمار مبتكرة):
· الاستثمار في البنية التحتية للترفيه والرياضة: بناء ملاعب شعبية، حدائق عامة، مسارح مفتوحة. وهذا يحسن جودة الحياة ويقلل من جنوح الشباب.
· دعم الصناعات الثقافية الإبداعية: تمويل مشاريع صغيرة لفنانين حرفيين، مصممين، وموسيقيين شباب لخلق فرص عمل وإحياء الحرف التراثية.
· الريادة في مجال الطاقة النظيفة: يمكن لمجموعة من الفنانين الاستثمار في مشروع لتزويد قرية أو مركز صحي بالطاقة الشمسية.
· إنشاء “بيوت الفن والإبداع” في الولايات: تكون بمثابة مراكز مجتمعية متعددة الخدمات (تعليم، تدريب، عروض، دعم نفسي) خاصة في المناطق النائية.
- نموذج مقترح للتنفيذ (يمكن تسميته “نموذج القرية المنتجة”):
- يختار فنان أو مجموعة فنانين قرية معينة.
- يتم إنشاء مشروع متكامل فيها يشمل:
· بئر أو محطة تنقية مياه.
· عيادة طبية صغيرة.
· روضة أطفال ومكتبة صغيرة.
· ورشة حرفية لتعليم النساء مهارات إنتاجية.
· مسرح صغير مكشوف للنشاطات الثقافية. - يشرف على المشروع مجلس إدارة من أهالي القرية والفنانين، لضمان الاستدامة والمحاسبة.
التحديات المتوقعة وطرق التغلب عليها:
· إفتقاد الخبرة الإدارية: الحل يكون بإستعانة مستشارين تنمويين محترفين وإشراك الشباب المتخصص.
· الروتين الحكومي والفساد: الحل بالعمل عبر منظمات المجتمع المدني الموثوقة، والمطالبة بالشفافية الكاملة.
· الإيمان بأن المشاريع هي “هبة” وليست “استثماراً مجتمعياً”: الحل بالمشاركة المجتمعية في التخطيط والتنفيذ منذ البداية.
الفنانون السودانيون الذين يحققون ثروة هم “سفراء ثروة وطنية”. تجربة علي فاركا تثبت أن الفن الحقيقي لا ينتهي عند خشبة المسرح أو شاشة التلفاز، بل يمتد ليكون وسيلة للتحرر والتنمية. تحويل الثروة إلى مشاريع تنموية ليس عملاً خيرياً فقط، بل هو استثمار في استقرار الوطن وازدهاره، وبالتالي في مستقبل الفن نفسه. يمكن لهذه الجهود أن تُحدث نقلة نوعية حقيقية، وتخلق إرثاً للفنان أعظم من أي جائزة أو أغنية، وهو إرث الإعمار والتغيير.
ختاماً
كتبت هذا المقال بمناسبة رحيل الفنان القامة الأستاذ عبدالقادر سالم ، رحمة الله عليه. كنت كلما أشاهده يغني يذكرني بالمرحوم علي فاركا. كان في الخارج سفير السودان الفني للغناء السوداني الجامع وخصوصا الغناء الكردفاني المميز النغمة و التعدد، الذي يعتبر صانعاً للوجدان السوداني. و هنا أهدي قصة الفنان الموسيقار علي فاركا لكل فناني السودان ، و ليت الكثير منهم في وطننا السودان ، وأعتقد جلهم من الأثرياء، يحذون حذوه ويجعلون من فيض ثرواتهم ما يكفي حاجتهم وحاجة الفقراء خاصة في يومنا هذا بتبني دور رعاية المسنين و مراكز الإيواء والعلاج، عملاً يدخرون به حسنات تنتظرهم في الآخرة فهي خير زاد يرتجي ورحلة الحياة جداً لقصيرة يا أولي الألباب . كما أرجو أن لا تموت شمعات كل الفانيين الوطنيين الأفاضل برحيلهم. أرجو من إتحاد الفنانين السودانيين وكل من لديه إيمان بحب الوطن أو الشعور بالانتماء إعتبار ما جاء في هذا المقال مع شكري وتقديري .للأسف الحرب القائمة عممت حاجة الجميع بل الوطن كله للعون الإنساني
عبدالمنعم
المصدر “ما تعدد من متعة أغاني وسيرة علي إبراهيم فاركا على اليوتيوب” :
https://youtu.be/c1bNX6dgTs0?si=LI_ApzzOyo8O6YzG
https://youtu.be/0KWOEexo2xk
https://youtu.be/jTewWddvwuU?si=ItmPIWi2JPa7i7D6
https://youtu.be/_AoTA9B3Jww?si=0sK-Y-9ek1btr2uk
https://youtu.be/hzbb4boFe-I?si=evxNDBOBDTawBWpt
https://en.m.wikipedia.org/wiki/Ali_Farka_Tour%C3%A9
Alarabi AA 26/12/2025
aa76@me.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم