(عنبر جودة) – جريمة لا تسقط بالتقادم من ذاكرة التاريخ !

عدنان زاهر

1

(عشرون دستة

عشرون دستة….لو أنهم

حزمة جرجير كي يباع لخدمة الإفرنج في المدينة الكبيرة

ما سلخت بشرتهم أشعة الظهيرة

وبان فيها الاصفرار و الذبول….)

مقطع من قصيدة صلاح أحمد إبراهيم – عنبر جودة

يصادف هذا الشهر مرور سبعين عاما على جريمة عنبر جودة أو كما يطلق عليها سياسيا حادث ” عنبر جودة “. و قد وقعت أحداثها في 23 فبراير 1956 أي بعد أقل من شهرين من الاستقلال الذى تم نيله في 1 يناير 1956 ، في زمن حكومة الديمقراطية الأولى بقيادة الرئيس إسماعيل الأزهري.

أكتب عن تلك الحادثة و أعيد ذكراها لعدة أسباب هي :

1- أن المأساة المفجعة وقعت بعد شهر من الاستقلال و تحت مظلة حكومة ديمقراطية.

2- افلات مرتكبي الجريمة من العقاب، و هم من أفراد الجهاز التنفيذي ( الشرطة ) يؤرخ لأول انتهاك للعدالة تحت ظل حكومة ديمقراطية و في بداية عهد الاستقلال.

3- لم يتم تعويض أسر المقتولين من قبل مالك المشروع أو الدولة الديمقراطية، و ذلك يعنى أن مزيد من الظلم وقع على عاتق أسر المقتولين.

4- لم يُحاسب و يُحاكم صاحب المشروع و لا حتى مدنيا، و كان ذلك أول مؤشر لبداية التعاون بين الرأسمالية الزراعية الناشئة و السلطة السياسية التي تعمل على حماية و رعاية مصالح الطرفين. و

5- تجاهلت وسائل الإعلام تناول الحديث عن تلك المجزرة الا بعض الأقلام القليلة، كما البعض خاض في تفاصيلها على سبيل المكايدة السياسية و ليست من وجهة نظر تهدف الى تحقيق العدل والإنصاف داخل المجتمع.، ذلك التناقض في التناول يؤكد ما ظل يردده الكثيرون عن ضرورة و أهمية إعادة كتابة تاريخ السودان. يقول الفيلسوف الإسباني الأمريكي جورج سانتايانا ( أولئك الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بتكراره ).

عنبر جودة و بداية الاحداث

يقع مشروع جودة جنوب كوستي و هو مشروع خاص في منطقة النيل الأبيض و كان يروى بالطلمبات. صاحب المشروع هو عبد الحافظ عبدالمنعم صاحب شركة عبدالمنعم و التي تمتلك رقعة مشروع جودة.

قام المزارعين بالمشروع بالتجمع و الاحتجاج السلمى بسبب ان إدارة المشروع لم تدفع لهم مستحقاتهم من عائدات محصول القطن لمدة ثلاث سنوات رغم العمل المضني و الجهد الذى بذل، ثم واصلوا مطالبهم بالإضراب و حجز محصول القطن الذى جُنى.

قامت إدارة المشروع بالاتصال بالشرطة، التي قامت بعد مجيئها بالصدام مع المزارعين مما نتج عنه موت عشرة أفراد من الجانبين. عززت الشرطة من أفردها بإحضار جنود أخرين من منطقة الجبلين ثم قامت باعتقال 500 الى 600 مزارع مع نسائهم و اجلسوا تحت الشمس المحرقة و لم يسمح للنساء بالمغادرة إلا عصرا.

تم نقلهم و حجزهم في مركز شرطة مدينة كوستي أو ( عنبر جودة ) كما يعرف في أوساط المزارعين. هذا العنبر كان معروشا بالزنك و تبلغ مساحته 120 متر بلا تهوية و بلا ماء، ادخل فيه 281 معتقلا في درجة حرارة تبلغ الأربعين فوق الصفر. ظلوا في ذلك الحجز لمدة يومين و هم يستغيثون طلبا للماء و الهواء و لا احد يستجيب لندائهم.

الحجز للمعتقلين المزارعين في تلك المساحة يعنى ان هؤلاء الأشخاص لا يستطيعون الجلوس أو الحركة. حرارة الجو مع الحرارة المنبعثة من الزنك حولت العنبر الى فرن آلي، مما أدى في ليلة واحدة الى وفاة 197 معتقلا بالحرارة و ضربة الشمس، العطش، الجفاف، نقص الاوكسجين و الموت اختناقا او بالأرجل و السحل عند السقوط أرضا ،اضافة الى الموت بالفشل الكلوي أو توقف عضلات القلب. تم دفنهم في مقبرة جماعية في انتهاك صريح لكل ما هو إنساني.

جدير بذكره هنا ، ان مشاريع النيل الأبيض رافق توزيعها كثير من الفساد من خلال ما توفر من معلومات. بالإضافة إلى أن هذا الفساد شمل الإدارة و التصرف في محصول القطن، التهرب من الضرائب، حلج القطن في المحالج الخاصة ثم الفساد في التسويق.

2

ماذا تم بعد وقوع المأساة ؟!

قالت الحكومة الوطنية بأنها قامت باعتقال عدد من ضباط الشرطة و الجنود المسئولين، ووجهت لهم تهمة التسبب في مقتل المعتقلين نتيجة الإهمال. التقارير و شهادة الناجين من المجزرة، تقول ان ما تم تجاه مرتكبي الجرم كانت اجراءات شكلية فقط ثم تم اطلاق سراحهم. المدهش في الأمر أن التقارير لم تحتوى على اسماء المتهمين ما عدا شخصين أو ثلاثة، بل كان يشار اليهم دائما بصفتهم الوظيفية، مثل قائد الشرطة المحلية في كوستي، ضباط الحرس المناوبين وقت الحادث أو السلطة الإدارية و الأمنية بالمديرية.

بعد ذلك كونت لجنة تحقيق لمنح تعويضات لأسر الضحايا لكنها لم تنجز شيئا و لم تعوض أسر الضحايا كما لم يُسال صاحب المشروع عبد الحافظ عبد المنعم لا جنائيا أو مدنيا، بل عين لاحقا محافظا لمشروع الجزيرة !!

3

في تقديري أن ما وقع في عنبر جودة واحداثه المحزنة لعبت دورا مهما في مسيرة التطور السياسي، الاقتصادي ، الاجتماعي و العدلي في السودان. يقول المترجم الضليع للوثائق التاريخية بدر الدين حامد الهاشمي في ترجمته لمقال س . ف .بيزويك عن حادثة جودة الذى نشر في الراكوبة، مستنكرا قولها ( ان رجال الشرطة الشايقية هم الذين قتلوا المعتقلين البقارة ) بالطبع أتفق معه أن قولها غير صحيح في محاولتها تحميل قبيلة بعينها مسئولية الخطأ. لكن في رأى لا يمكن استبعاد العامل العرقي، القبلي و الجهوى في ( احداث جودة )، لأن المجتمع السوداني كانت تسوده القبلية و العرقية التي ظلت مستبطنة على الدوام و حتى اليوم.

في تحليلي، ان الحادث المفجع صار بعد ذلك متكئا لكثير من الممارسات و السلوكيات السلبية اضافة الى الاستهانة بكثير من القيم. تمثل ذلك في المحسوبية ، المحاباة ، اهدار و العبث بالعدالة بل الاعتداء عليها و استغلالها لاحقا. اخفاء التاريخ وتزييفه مع التعدي حتى على الديمقراطية و خرقها وفقا للمصالح1 كما حدث سابقا و يحدث الآن في ظل نظام البرهان.

عنبر جودة كان إنذارا مبكرا لم يلتفت اليه أحد و تم تجاهله، و لكى لا تستمر تداعياته التي تراكمت خلال سبعين عاما يجب ان لا تغيب احداث تلك الايام من الذاكرة الجمعية. هكذا نستفيد من سردية التاريخ.

عدنان زاهر

18 نوفمبر 2026

مراجع

مقالات متنوعة حول الحادث من صحيفة الراكوبة

بدر الدين حامد الهاشمي حول عنبر جودة – ترجمة

شهادات الناجين من عنبر جودة و هم محمد سعد شيبون، آدم على النوفلي و محمد جديد التي نشرت في تحقيقات في وسائل التواصل الاجتماعي

1- حل الحزب الشيوعي عام 1965 كما تم رفض قرار المحكمة العليا الذى قضى بعدم شرعية قرار الحل!! ذكر السيد الصادق المهدى أن حكم المحكمة العليا ( هو تقريري ) !!!!

elsadati2008@gmail.com

عن عدنان زاهر

عدنان زاهر

شاهد أيضاً

الأستاذ عوض الكريم محمد الزبير (أبو دقن !)

عدنان زاهرelsadati2008@gmail.com 1 تأبطت و أنا أكتب عن صديق العمر الراحل عوض الزبير، المثل الروسي …