من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
عندما التقى الاقتصاد بالتقنية
كيف صنعت المعرفة نهضة العالم الأول ولماذا تعثّر العالم الثالث
منبر بنيان
مقالات من بطون كتب ونبض الميدان
المقدمة
هذا المقال ليس مقالة عابرة، بل افتتاح لمسار فكري طويل في منبر بنيان، مسار يتناول العلاقة العميقة بين الاقتصاد، التعليم، والتقنية، لا بوصفها شعارات حداثة، بل باعتبارها مفاتيح حقيقية للنهضة أو أدوات مؤكدة للتعثر.
سنبدأ من بطون كتابين غيّرا فهم العالم للتنمية، كتابان يتكاملان لا يتكرران
، أحدهما يشرح كيف بنت الدول المتقدمة اقتصاد المعرفة،
والآخر يفسّر لماذا فشل نقل التقنية في دول العالم الثالث رغم وفرة الخطط والنوايا.
هذا المقال هو الجزء الأول من سلسلة ستتبع، نُمهّد لها منذ الآن، حتى يدخل القارئ معنا هذا المسار وهو يعلم أننا لا نقدّم خلاصة سريعة، بل نعيد تركيب الفكرة من جذورها.
جسم المقال
في النصف الثاني من القرن العشرين، أدركت دول العالم الأول أن الاقتصاد لم يعد يُبنى بالموارد الطبيعية وحدها، ولا بالعمالة الرخيصة،
بل بالمعرفة المنظمة،
والمهارة القابلة للتطبيق،
والتقنية المرتبطة مباشرة بالإنتاج.
من هنا ظهر مفهوم اقتصاد المعرفة، كما تناوله كتاب The Knowledge-Based Economy، الذي لم يتعامل مع التعليم كقطاع خدمي،
بل كاستثمار طويل الأجل،
ومع التقنية لا كأداة رفاه، بل كوسيلة لرفع الإنتاجية،
وخفض التكاليف
، وخلق قيمة مضافة حقيقية.
في هذا النموذج، لم تعد الجامعة جزيرة معزولة، ولا المعهد التقني محطة مؤقتة،
بل أصبحا جزءًا من منظومة اقتصادية متكاملة.
البحث العلمي مرتبط بالصناعة، والمعاهد التقنية مرتبطة بالمصانع، والسياسات التعليمية تُصاغ على ضوء احتياجات سوق العمل لا رغبات النخب.
بهذا الفهم، نجحت ألمانيا في بناء عمودها الفقري الصناعي عبر التعليم التقني المزدوج،
ونجحت كوريا الجنوبية في تحويل المعاهد التقنية إلى مصانع عقول تطبيقية
، ونجحت الصين في ربط التقنية بالإنتاج المحلي قبل تصديرها للعالم.
لكن في الجهة الأخرى من العالم، كانت القصة مختلفة.
كتاب Education, Technology and Development يضع إصبعه على الجرح.
المشكلة في دول العالم الثالث لم تكن غياب التقنية،
بل طريقة استيرادها. نُقلت الآلات ولم تُنقل الثقافة المؤسسية،
استوردنا المناهج ولم نربطها بالإنتاج،
توسّعنا في التعليم النظري
وتركنا التقانة التطبيقية يتيمة بلا سند.
تحوّل التعليم في كثير من دول الجنوب إلى مسار اجتماعي للوجاهة لا أداة اقتصادية للتنمية.
خرجت الجامعات آلاف الخريجين بلا مهارات قابلة للتوظيف،
وارتفعت البطالة بين المتعلمين،
وتوسّعت الفجوة بين المعرفة النظرية والواقع الإنتاجي.
التقنية، التي كان يفترض أن تكون جسرًا للتنمية،
تحولت إلى عبء مالي، تُشترى وتُهمل،
أو تُستخدم دون صيانة أو تدريب،
لأن البيئة المؤسسية لم تكن مهيأة لاستيعابها.
وهنا تتجلّى الفكرة المركزية المشتركة بين الكتابين:
التقنية لا تعمل في فراغ، والتعليم لا ينتج تنمية إن لم يُربط بالاقتصاد، والاقتصاد لا ينهض إن لم يُحكم بإطار مؤسسي واضح.
إسقاط على واقع العالم الثالث والسودان
في السودان، كما في كثير من دول العالم الثالث، لا تكمن الأزمة في نقص الموارد ولا في غياب العقول،
بل في اختلال العلاقة بين التعليم والتقنية والاقتصاد.
نملك شبابًا،
ونملك حاجة ماسة للكوادر الفنية
، ونملك قطاعات حيوية كالتعدين والزراعة والصناعة،
لكننا لم نبنِ الجسر المؤسسي الذي يربط هذه العناصر.
التعليم التقني ظل هامشيًا، والتقنية استُخدمت بلا استراتيجية،
والاقتصاد أُدار بمنطق قصير الأجل.
فكانت النتيجة اقتصادًا هشًا،
وتعليمًا منفصلًا عن الواقع
، وتقنية بلا أثر تنموي حقيقي.
ا التعليم التقني،يقول في في صمت لمتخذي القرار
اربطوه بالإنتاج،
وفّروا البيئة المؤسسية،
ثم تكون الثمار ستعمل التقنية تلقائيًا لصالح التنمية المستدامة.
الخاتمة
النهضة ليست في استيراد الأجهزة
، ولا في كثرة الجامعات، ولا في كثافة الخطط الورقية.
النهضة تبدأ حين نفهم أن التعليم اقتصاد مؤجل،
وأن التقنية أخلاق استخدام قبل أن تكون آلة،
وأن التنمية لا تُستورد بل تُبنى.
هذا المقال هو بداية طريق سنسير فيه عبر كتب غيّرت العالم،
تخاطب الواقع لا الأوهام.
وكماذ اوضحنا في المقدمة فان
رؤية المقال القادم
سننتقل خطوة أعمق، ونسأل:
هل التقنية تُنتج العدالة
أم تعمّق الفجوة؟
وسنقرأ من بطون كتابين داعمين لهذا المسار:
The Second Machine Age
و
The Future of Work
لنناقش أثر التقنية
على سوق العمل، والبطالة،
والتعليم
، وكيف يمكن لدول العالم الثالث أن تدخل العصر الرقمي
دون أن تدفع ثمنه الاجتماعي كاملًا.
هكذا بإذن الله نمضي
كتابًا بعد كتاب،
وفكرة بعد فكرة،
حتى لا تبقى المعرفة حبيسة الرفوف،
بل تصبح نبضًا في الميدان. في منابر الفكر
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم