عندما تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للترهيب والتشهير

د. محمد عبدالله
muhammedbabiker@aol.co.uk

في أقل من عقدين، انتقل العالم الافتراضي من إتاحة رسائل قصيرة متبادلة بين الأصدقاء إلى فضاء مفتوح تبث فيه الحياة اليومية على مدار الساعة. منصات التواصل الاجتماعي، التي وُلدت بوصفها أدوات للتقارب وتبادل الأفكار، تحولت تدريجياً إلى ساحات مكشوفة؛ فيها من الضوء بقدر ما فيها من العتمة. فبقدر ما أتاحت هذه المنصات فرصاً غير مسبوقة للتعبير والإبداع، فتحت أيضاً الباب واسعاً أمام أنماط جديدة من التشهير والترهيب وانتهاك الخصوصية.

لم تعد الخصوصية مسألة شخصية يمكن التحكم فيها بسهولة. صورة عابرة، تعليق غاضب، مقطع مجتزأ من سياقه — قد يكون كافياً لإطلاق موجة لا يمكن السيطرة عليها. وفي زمن السرعة الرقمية، لا ينتظر الناس التحقق؛ يكفي أن يضغط أحدهم زر “إعادة النشر” حتى تبدأ السمعة في التآكل.

السمعة الرقمية اليوم ليست انعكاساً افتراضياً للحياة الواقعية، بل امتداد مباشر لها. ما يُكتب أو يُنشر في الفضاء الإلكتروني يمكن أن يؤثر في فرص العمل، والعلاقات الاجتماعية، بل وحتى في الصحة النفسية. كم من شخص وجد نفسه في موضع مساءلة مهنية بسبب محتوى قديم أعيد تداوله؟ وكم من أسرة اضطربت حياتها بسبب شائعة انتشرت في مجموعات مغلقة قبل أن تجد طريقها إلى العلن؟

في الآونة الأخيرة، شغلت الرأي العام في أوساط السودانيين في الخارج قضية شاب استُدعي للتحقيق وأوقف في إحدى الدول العربية، بعد اتهامه بنشر محتوى مسيء استهدف نساء سودانيات عبر منصة “تيك توك”. ما بدأ بوصفه حساباً يسعى إلى جذب المتابعين تحول إلى منصة للتشهير والسخرية والترويع. ومع اتساع دائرة المشاهدة، تصاعدت المخاوف داخل الجاليات، خصوصاً حين تجاوز الأمر حدود النقد أو السخرية إلى انتهاك الخصوصية والتلميح والتهديد. انتهت القصة بتدخل السلطات، لكنها تركت وراءها سؤالاً أكبر: كيف يمكن لمحتوى رقمي أن يزرع هذا القدر من الذعر في مجتمعات متباعدة جغرافياً لكنها متصلة إلكترونياً؟

المشكلة لا تكمن في حادثة بعينها، بل في نمط متكرر يتغذى على خوارزميات تفضّل الإثارة على الاتزان، وعلى جمهور ينجذب أحياناً إلى المحتوى الصادم أكثر من المحتوى الرصين. التحرش الرقمي بات ظاهرة عابرة للحدود، يستهدف أفراداً أو فئات كاملة بناءً على الهوية أو الجنس أو الخلفية الثقافية. وفي حالات كثيرة، تتحول المنصة إلى أداة لفرض وصاية اجتماعية مشوهة أو لتحقيق شهرة سريعة على حساب كرامة الآخرين.

المخاطر متعددة. التشهير الإلكتروني قد يدمر سمعة بُنيت عبر سنوات في دقائق. الابتزاز الرقمي يستغل هشاشة اللحظة الخاصة ليحولها إلى وسيلة ضغط. وخطاب الكراهية يغذي الانقسام داخل المجتمعات، فيقوض الثقة ويزرع الشكوك. أما الأثر النفسي على الضحايا فغالباً ما يكون الأعمق والأطول بقاءً: قلق مزمن، اكتئاب، انسحاب اجتماعي، وإحساس دائم بانكشاف لا ينتهي.

قانونياً، حاولت دول كثيرة مواكبة هذا التحول بإصدار تشريعات تجرّم التشهير الإلكتروني وانتهاك الخصوصية وخطاب الكراهية. غير أن الطبيعة العابرة للحدود للفضاء الرقمي تجعل من إنفاذ هذه القوانين تحدياً معقداً. فالحساب قد يُدار من دولة، والخادم في دولة أخرى، والضحايا في عدة بلدان. لذلك أصبح التعاون القضائي وتبادل المعلومات بين الدول ضرورة، لا ترفاً قانونياً.

لكن القوانين، مهما بلغت صرامتها، لا تستطيع وحدها ضبط فضاء يقوم أساساً على مشاركة المستخدمين. المنصات نفسها مطالبة بتطوير آليات أكثر فاعلية وسرعة في التعامل مع البلاغات، وبمراجعة سياساتها بما يوازن بين حرية التعبير وحماية الأفراد من الأذى. كما أن المسؤولية تقع أيضاً على المستخدم العادي: إعادة النشر ليست فعلاً محايداً، بل قد تكون مشاركة ضمنية في عملية تشهير.

يبقى السؤال الأعمق أخلاقياً قبل أن يكون قانونياً: أي نوع من المجتمعات نريد أن نبنيه في هذا الفضاء الجديد؟ إذا كانت الحرية الرقمية قيمة ينبغي الدفاع عنها، فإنها لا تنفصل عن المسؤولية. كرامة الإنسان ليست محتوى قابلاً للتداول، وليست مادة للسخرية العابرة.

قضية الشاب الذي أثار الذعر بين الجاليات السودانية قد تنتهي قانونياً، لكن دلالاتها أوسع من شخص واحد. إنها تذكير بأن الأدوات التي في أيدينا محايدة بطبيعتها؛ نحن من نحدد اتجاهها. وبين أن تكون منصات التواصل جسوراً للتلاقي أو منصات للتشهير، يقف وعي المجتمع، وتشريعات الدولة، ومسؤولية الفرد.

وفي عالم تتسارع فيه الكلمة أكثر من الفكرة، ربما يكون أبطأ ما نحتاجه هو لحظة تفكير قبل النشر. تلك اللحظة وحدها قد تكون الفاصل بين رأي مشروع وجرح لا يندمل.

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

جزيرة إبستين ومختبر جون كاليهون … حين تصبح الوفرة أخطر من الجوع

جزيرة إبستين ومختبرجون كاليهونحين تصبح الوفرةأخطر من الجوع دكتور محمد عبداللهmuhammedbabiker@aol.co.uk في صيف عام 1968، …