عندما تُضبط الحرب… من يملك قرار النار في السودان؟

محمد هاشم محمد الحسن

الرواية التي نشرها دارفور 24 عن تفاهمات بعدم استهداف مطاري الخرطوم ونيالا لا تبدو، في معناها السياسي العميق، مجرد خبر عن ترتيبات ميدانية محدودة، بل تكاد تكون اعترافاً متأخراً بطبيعة هذه الحرب نفسها.

فالسودانيون الذين قيل لهم طوال الوقت إن المعركة بلا هوادة، وإنها معركة وجود لا تعرف المساومات، يكتشفون مرة بعد مرة أن طرفي القتال يعرفان جيداً متى يتوقفان، وأين يتوقفان، ولماذا يتوقفان. وحين يتعلق الأمر بما يهمهما، أو بما يهم الخارج، يصبح التفاهم ممكناً، بل سريعاً، بل ومنضبطاً أيضاً. هذا هو لب المسألة، وليس مجرد قصة مطارين.

في المستوى الأقرب من هذا المشهد، لا تبدو الحرب في السودان انفلاتاً كاملاً كما يُروَّج، بل عنفاً انتقائياً تحكمه مصالح دقيقة. لو كان الطرفان عاجزين تماماً عن السيطرة على نيران المعركة لما ظهرت تفاهمات من هذا النوع أصلاً.

مجرد تداول خبر كهذا يعني أن خطوط الاتصال موجودة، وأن الإرادة على التقييد موجودة، وأن السلاح ليس منفلتاً إلى الدرجة التي يريد كل طرف أن يقنع بها الناس. وهنا لا تعود القضية من يقاتل من، بل من يملك قرار التهدئة حين تصبح التهدئة نافعة له.

ثم تنكشف طبقة أعمق وأكثر إيلاماً. في الأيام الأولى للحرب، لم تنجح النداءات الإنسانية في فرض الصمت، ولم تنجح صور القتلى ولا نداءات السكان المحاصرين في انتزاع توقف حقيقي، لكن عندما جاء ملف إجلاء الدبلوماسيين ورعايا السفارات، ظهرت الهدنة وظهر الانضباط وظهرت القدرة على تنفيذ التفاهم.

وثقت رويترز في تلك الأيام توقفاً فعلياً للقتال لإجلاء الأجانب، تبعه اتفاق بين الطرفين على هدنة قصيرة تزامنت مع تسارع عمليات الإجلاء. هذه لحظة لا ينبغي المرور عليها بخفة، لأنها أثبتت منذ البداية أن السقف ليس عسكرياً فقط، بل سياسياً أيضاً، وأن البنادق تستطيع أن تصمت عندما يطرق الخارج الباب بالجدية الكافية.

ومن هنا لا يعود السؤال هو لماذا فشلت الهُدَن الإنسانية، بل لماذا نجحت الهُدَن التي خدمت الأجانب وفشلت الهُدَن التي كان يفترض أن تخدم السودانيين. الفارق هنا ليس في القدرة بل في قيمة الجهة المستفيدة من الهُدنة.

هذا هو القاع الأخلاقي للحرب. المدني السوداني لا ينتزع صمت المدافع، أما الدبلوماسي الأجنبي فيستطيع. الممر الآمن يصبح ممكناً حين يتعلق الأمر بإخراج السفراء، ويصبح مستحيلاً حين يتعلق الأمر بإخراج الأسر من تحت القصف. المسألة ليست عجزاً فنياً، وإنما ترتيب بارد للأولويات.

ثم ينكشف مستوى آخر أشد قسوة، حيث لا يترك ملف البترول مجالاً كبيراً للإنكار. فقد وثقت Reuters تعطل خط الأنابيب الذي ينقل نفط جنوب السودان عبر السودان، ثم عودته لاحقاً ضمن ترتيبات أمنية، بما في ذلك تأمين مناطق إنتاجه الحيوية عبر تفاهمات شاركت فيها أطراف الصراع. حين يصل الأمر إلى النفط، يصبح التفاهم ممكناً حتى بين ألد الأعداء، ويصبح المستحيل قابلاً للتنفيذ في ساعات قليلة.

هذه ليست تفصيلة اقتصادية، بل مفتاح سياسي بالغ الخطورة. لأن النفط هنا لم يكن مجرد مورد يتجنب الطرفان تدميره، بل كان مساحة تفاهم كامنة داخل قلب الحرب.

المعنى الأوضح أن ما لا يمس مصالح الطرفين يمكن أن يحترق، أما ما يضرب العصب المالي أو التوازنات الحساسة فيُعاد حوله إنتاج العقل، ويجلس المتحاربان فجأة على طاولة غير مرئية. بهذا المعنى، لا تعود الحرب بين خصمين مطلقين، بل بين شريكين في إدارة الخراب، يختلفان على السلطة ويتفقان على ما يمنع انهيار شروط اللعبة نفسها.

وعند هذه النقطة تتضح الصورة كاملة. السودان لا يعيش فقط حرباً بين جيش ودعم سريع، بل يعيش شكلاً من أشكال الحكم غير المعلن الذي يتولد من التفاهمات الجزئية. من يقرر أن هذا المطار يُترك، وهذا الطريق يُفتح، وهذا الحقل يُحمى، وهذه الهدنة تُمنح للأجانب ولا تُمنح للمدنيين، لا يتصرف كطرف فقد السيطرة، بل كطرف يعيد رسم حدود السيطرة بطريقة مختلفة.

هذه ليست لا دولة بالمعنى الفوضوي الساذج، بل دولة مشوهة تحت التشكيل، دولة تتوزع وظائفها بين خصمين يحمل كل منهما البندقية في وجه الآخر، لكنه لا يمانع التفاهم معه حين تمس المسألة شروط البقاء، أو المال، أو الرضا الدولي، أو إدارة الصورة.

لهذا يصبح رفض منابر السلام أمراً مفهوماً من داخل منطق الحرب نفسها. التفاوض الذي يخفف معاناة السودانيين ويقود إلى وقف طويل لإطلاق النار يهدد المعادلة التي يستفيد منها الطرفان. السلام الحقيقي لا يوقف الدم فقط، بل يعطل اقتصاد الحرب، ويعيد سؤال الشرعية، ويفتح الباب للمحاسبة، ويجبر كل طرف على تقديم إجابات سياسية لا عسكرية.

أما التفاهمات الموضعية فهي مريحة، لأنها تحفظ المصالح من دون أن تُنهي الحرب. تعطي الخارج ما يحتاجه أحياناً، وتعطي الطرفين ما يريدانه غالباً، وتترك الشعب معلقاً بين وعد الخلاص واستمرار النزيف.

ومن هنا يصبح سؤال المجتمع الدولي سؤالاً محرجاً إلى أقصى حد. إذا كانت هناك قدرة على انتزاع تفاهم بعدم استهداف مطارات لإدخال المساعدات، وإذا كانت هناك قدرة من قبل على فرض هدنة لإجلاء الأجانب، فلماذا لا تُستخدم هذه القدرة نفسها لفرض هدنة إنسانية طويلة تفضي إلى إنهاء الحرب.

الإجابة التي تفرض نفسها ليست مريحة. المجتمع الدولي ليس عاجزاً كما يبدو في بياناته، بل يتدخل بقدر ما تمليه أولوياته، ويتراجع حين يصبح المطلوب أكبر من مجرد إدارة الأزمة إلى حلها. وهذا بالضبط ما يجعل السوداني يشعر أن العالم لا يبحث عن نهاية الحرب بقدر ما يبحث عن مستوى مقبول منها.

النتيجة القاسية أن السودانيين لم يُسحقوا فقط بين نارين، بل سُحقوا أيضاً بين تفاهمين، تفاهم داخلي يشتغل حين تتقاطع مصالح المتحاربين، وتفاهم خارجي يتدخل حين تقتضي الحاجة حماية الأجانب أو مسارات الإمداد، ثم يتراجع حين يتعلق الأمر بحق الناس في حياة عادية.

هذه هي الحقيقة التي تجعل الخبر عن المطارات أخطر من عنوانه. لأنه لا يقول فقط إن هناك تفاهمات. هو يقول شيئاً أشد فداحة، يقول إن إنهاء بعض أوجه الحرب ممكن، لكن إنهاء الحرب نفسها ليس أولوية عند من يملكون مفاتيحها.

لهذا فإن القضية ليست مطاري الخرطوم ونيالا وحدهما. القضية أن هذا البلد صار يُدار من داخل الحرب لا من خارجها، وأن المتحاربين اللذين يرفضان منابر السلام الواسع لا يرفضان التفاهم عندما يتعلق الأمر بما يضمن استمرار نفوذهما أو استمرار مكاسبهما أو استمرار اعتراف الخارج بهما كطرفين لا غنى عن المرور عبرهما.

وعند هذه النقطة يتضح ما ظل مستتراً طوال الوقت. ليست المأساة أن طرفي الصراع لا يستطيعان الاتفاق، بل أن اتفاقهما يظهر فقط حين لا يكون السوداني هو المستفيد الأول.

herin20232023@gmail.com

عن محمد هاشم محمد الحسن

محمد هاشم محمد الحسن

شاهد أيضاً

اغتيال لاريجاني _ هل هو اختراق عسكري أم مغامرة استراتيجية؟

محمد هاشم محمد الحسن يمثل المشهد الإيراني الراهن في أعقاب الأنباء المتواترة حول اغتيال علي …