عندما يشتط الجهل والغباء، فقط لله نفر ولا نملك سوى الدعاء بقلم د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

بسم الله الرحمن الرحيم

تحدث كثيرا ً وكتب الكتاب والناشطون من سياسيين وأصحاب فكر وتنظير وكتب ذو الخبرة فى الشؤون الإدارية العامة ولم يقصروا ، كما انتفضت أنظمة أخرى وحكومات دول ديمقراطية عالمية وأممية تستنكر بشدة ما يجري حالياً فى السودان من تشويش خطير ( ربما يحيق بالديمقراطية والتوجه للحكم المدني) من قبل رهط جاهل بل ساقط الفكر والتنظير من بعض الذين يفتخرون بلبس الكاكي وهم فى الواقع العدو الأول والحقيقي لهذا الوطن الحبيب وفى الواقع هم وصمة عار على هذا الكاكي نفسه الذي يتفاخرون بحمل شماعته وينسون أنه إن لُبِس فيعني التوقيع بأحرف من نور “طاعة وصدقاً” على التضحية بالغالي والنفيس ” الروح والدم” من أجل حفظ الوطن الذي من أجله ترخص الحياة كلها والدنيا بما فيها فداءاً لحريته وحرية مواطنيه وحرية حدوده وتحرير أراضيه المغتصبة حتى من أقرب الأقربين ” بعض الجيران المُرْد” الذين يتصنعون فى ظاهرهم العطف ولكن سكاكينهم تنخر من الخلف على ظهر وطن يبغونه منكوباً طيلة الأزمان ، يريدونه وكراً للفتن والشقاء والتخلف، يبغون احتلاله ” الحديقة الخلفية” وجيوشهم دخلت كصديقة لكنها فى الواقع لها أجندة أخرى واستراتيجية بعيدة المدى ففاتت اللعبة على عقل ” السوداني الطيب الكريم عشاء الضيفان”.

ومن المهازل كيف بالله يعقل أن ينادي اليوم على الهواء أحد الجهلاء ويسمع العالم كله وبما يملك من تفكير مغلق أنه يريد أن يرجع السودان من الوقوف على صف انتظار حضارة القرن الحادي والعشرين إلى الوراء بالإحياء من القبور سياسة ونظام العشائر والنظارات البدائية الذي سنه المستعمر أوائل القرن الماضي “لمصلحته” أيام مستوى فهم المواطن السوداني العاصمي كان فى حدود البداوة المجردة “دونكي مي رايد يو ، خارتوم بالاس بياستر تو” ؟ ونحن فى زمن فيه العالم الحر المتحضر يفكر اليوم في كيفية وطريقة السفر والهجرة للعيش على سطح القمر؟ وليس ركوباً على مثل جمل حبيبنا وقريبنا إبراهيم ود الفراش رحمة الله عليه.

للأسف لقد نزل اليوم السودان سلعة رخيصة فى بورصة الدول العالمية بأيدي ابنائه وأفعالهم أولا لأنهم شروا أنفسهم بثمن بخس وأوقعوه لقمة سائغة ( لثلاثة عقود متتالية) فى حلاقيم الآخرين من تماسيح السياسة القذرة دروبها وحكامها الذين لا تتأفف جيوبهم ولا سلوكياتهم من العيب ولا ترعوي من دفع ثمن نيران الشقاق وتقسيم أوطان كانت آمنة بأهلها ومكتفية بما عندها وكان مواطنوها هم فى الواقع أهل الفضل على أولئك الذين فى الواقع أساؤا اليوم لنعم الله عليهم فصارت ثروتهم بالعكس وبالاً على بلاد المسلمين الفقيرة رغم انها آمنة وراضية بحالها، من ضمنها السودان. واليوم لا نعي الدرس بل نسير على نفس خطوات ومنهج السابقين الذين فرطوا فى حق الوطن وممتلكاته.
لماذا يكره الكثيرون فى العالم جورج بوش وتوني بلير ؟ لأنهما كذبا على العالم كله، فدمروا بما تملكه بلادهم “نفسها وليس العراق ” من أسلحة مدمرة وقوة الجبروت الاستعماري الاستبدادي الظالم كل حضارة العراق وبنيتها التحتية، قتلوا علماءها وشردوا السكان أصحاب الكفاءات بل استفادت بلادهما وأقطار عالمية اخرى منهم.
مقارنة ببوش وبلير، لماذا يحب السويديون رئيسهم السابق أولوف بالما؟. لأنه كان رجلاً هيناً ليناً كعامة البشر يخرج بدون حراسة إلى الأسواق وإلى مكان عمله اليومي راجلاً أو راكباً الدراجة الهوائية . قتله واحد معتوه وهو يخرج بصحبة زوجته وبدون حراسة من إحدي دور سينما ستكهولم . حكم بالعدل وترك إرثاً مفخرة وأنموذجاً لمجتمع الرفاهية والمساواة والرخاء ليحتذي فى كل الدول الاسكندنافية بل صار أنموذجاً استفادت منه كثير من دول اوروبا وأميريكا نفسها. نبغي للسودان حاكماً هكذا متجرداً للعمل لا للثراء، يكون صادقاً مع نفسه ومع ربه ومع شعبه ومع شعوب العالم واضحاً وضوح الشمس لا يجامل بثروات ومواطني بلده.
بالطبع لا جدال ولا إنكار لمكانة أو ضرورة وجود الشرطة والجيش وجهاز الأمن القومى فى نفوس المواطنين كمؤسسات أساسية، لكن المشكلة فى أسباب الكراهية والشقاق هى فى تدخل الجيش فى السياسة وبدلاً من حماية الحدود وتحرير الأرض المغتصبة ( من ضمنها حلايب) وتأمين حقوق الوطن والمواطن مكن نفسه و صار حزباً سياسيا وحاكماً شموليا ومؤسسة ربحية وبالقوة تعود لها المنفعة الكبري لها وحدها وَيَا وطن عليك السلام . فالحكم الرشيد لا يكون بفرض قوة السلاح على مواطنين مدنيين عزل، ولا بالخطب الرنانة ورفع اليد والإصبع فى وجوه المواطن المسكين ضعيف الحال عند كل كلمة جارحة تخرج من غير تابلت “رمز التهديد بالقوة”. عند الدول المتحضرة فى أروبا يعتبر رفع الإصبع أو اليد أثناء الحديث أو الخطاب إستفزازاً لا يقبل لكرامة الإنسان وعدم إحترام له. وعندنا( مثلاً) فى ممارسة الطب أن الجراح الناجح هو الذي يهب من نومه وعشه الهاديء بعد منتصف الليل، رغم المطر أو البرد والصقيع، ليلبي نداء أطبائه الصغار مبتسماً يجيهم مسرعا لإنجاز جراحة مستعجلة وقد تستغرق أحيانا الساعات الطوال، يؤديها بنشاط ، لا يشتكي ولا يتذمر ولا يتفاخر ولا ينتظر جزاءاً أو شكراً من أحد. لقد عشت هذه التجربة المضنية مشاركة مع جنود مجهولين داخل وخارج السودان ( هم الأطباء، المنسيون بل المغضوب عليهم من قبل العسكر، مجرد حسادة ). رحمة الله على أستاذنا ( أبو الجراحة السودانية ) البروفسور أحمد عبدالعزيز وأقرانه الأساتذة وكل الشرفاء من الرعيل الأول الذين كانوا هكذا وعلمونا الإنضباط وحب العمل واتقانه واحترام المواطن وحب الوطن. ويبقى والحق يقال من جنود الوطن الحقيقيين فقط النفر الصادق من الشرطة والجيش والأطباء والمهندسين والمعلمين والعمال والتجار والزراع وسائقي المركبات وصيادي السمك ، وفوق كل هؤلاء الحاكم العاقل القدوة الحكيم الذي لا ينفعل ويتهور لأبسط استفزاز فينقلب إلى ثور هائج فى مستودع خزف كان آمناً هو من تراث وتاريخ وطن متوارث من الأجداد، فيدمر كل شيءٍ ( واحد ما هماه لا الوطن ولا المواطن ولا السمعة عالميًا فقال تليفزيونياً على الهواء “الرهيفة تنقد”). للأسف الشديد قد يهون كل الوطن وبما فيه من خيرات عند البعض مثل ما هان فى العهد البائد عند معتوه نفسياً مريضاً لا أخلاق ولا ضمير له فقتل شجرة صندل زكية كانت تعتبر تحفة وتراث وتاريخ فى مأمن وطني ( المفروض يكون مؤمناً) لتعيش لتاريخ مستقبل زاهر يأتي. السودان عندي يمثل شجرة صندل زكية شامخة جميلة ونادرة تتوسط القارة الإفريقية بأجملها ، فحافظوا عليها من القطع والضياع يا شباب. بالصراحة ودون مجاملة فلكل من أصحاب شراكة الحكم (عسكر ومدنيين) هفواتهم وكبواتهم وما عليهم إلا التعقل والتروي والإعتراف بما تلازم من أخطاء ( فكل ابن أنثي خطاء) تجاه ما حصل من صواب وانجاز كما يجب أن يفهموا أن السودان ليس ملكاً لهم فقط يسرحون كما يريدون ، بل هو ملك أجيال حاضرة وأجيال لم تولد بعد كما أنه قطر للعالم فيه مصالح “خاصة” وعلينا كمواطنين عقلاء أن ننتبه لتستثمرها مع العالم حولنا بالطريقة الصحيحة وليس بالسبهللية والتفضل ” بالإستعمار” هدية لكل من هب ودب. علي الشركاء التصالح والتسامح مع بعضهما والعزم على العبور بسلامة نحو الشط الآخر فالعمر مع سيطرة سلاح الكوفيد على العالم وغيره من ما خفي عن العين لقصير ورحلة الحياة كلها جداً لقصيرة. العبرة بالإنجاز وليس بالشقاق والسباب وإبراز العضلات محدودة القدرة “عند أهل العلم”.
ونحن الضعفاء لا سلاح لنا نملكه” يا وطننا الحبيب ويا محمد أحمد الغلبان” سوى أن نفر الي الله بالدعاء الصادق، والله يعلم.
اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ويارب تخرج الوطن من هذه الورطة وأن تول من يصلح الحال وأن ترشد المسؤولين إلى التوبة والطريق الحقيقي للاعتذار وكل ما فيه مصلحة كل المواطنين والوطن. ( لو كنت رئيساً للمجلس السيادي لقدمت استقالتي ومن هم معي، والأسباب كثيرة وتستدعي، لكن باين أن فراق الكرسي والسطوة حار). اللهم اغننا جميعا والوطن بحلالك عن حرامك واغننا بفضلك عن من سواك مهما كان جاهه او سطوته فأنت مالك الملك يا عظيم العظماء فاكرمنا وأسعدنا بما عندنا والسودان كله أجعله وطناً أمناً متماسكاً ومطمئناً. آمين يا رب والمجد للشهداء من غير تمييز والعزاء والصبر لأسرهم المكلومة

drabdelmoneim@yahoo.com
//////////////////////

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

هروب بلا وداع – سردية النزوح من حرب نشبت بلا قضية

بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي هذا العنوان، مع الاعتذار و”الإجلال”، هو “استيحاء “من عنوان …

اترك تعليقاً