مختار العوض موسى
واهمٌ من يظن أن نادي التاكا الرياضي بمدينة اللعوتة الحجاج مجرد ساحة لممارسة كرة القدم أو ملتقى عابر للأصدقاء وتبادل الأحاديث اليومية؛ فالنادي تجاوز منذ وقت مبكر حدود النشاط الرياضي التقليدي، وأصبح واحدًا من أهم الحواضن الاجتماعية والثقافية والشبابية في المنطقة، ومنبرًا نابضًا بالحياة والعمل المجتمعي والروح الوطنية.
فعلى الرغم من عمره القصير نسبيًا، استطاع النادي أن يرسّخ حضوره في وجدان أهالي اللعوتة الحجاج، عبر احتضان المواهب الرياضية، وتعزيز روح التنافس الشريف، وغرس قيم الإنسانية والتعاون والانتماء والعمل الجماعي بين الشباب. ولم يكن دوره مقتصرًا على تنظيم المنافسات الرياضية، بل تحوّل إلى مساحة للتلاقي الثقافي والفكري والاجتماعي، تُطرح فيها المبادرات المجتمعية، وتُناقش عبرها قضايا الناس وهمومهم، ليصبح النادي بحق جزءًا أصيلًا من الذاكرة الاجتماعية والرياضية لأبناء المنطقة.
ويمثل النادي نموذجًا مشرفًا للأندية الشعبية التي تسهم في بناء الإنسان، وصناعة الوعي، واكتشاف الطاقات الرياضية الكامنة في الريف السوداني؛ تلك المواهب التي يمكن أن تمثل السودان مستقبلًا في المحافل الرياضية العربية والإقليمية والدولية.
وما دفعني لكتابة هذه الكلمات ليس فقط الدور الرياضي والاجتماعي للنادي، وإنما مواقفه الإنسانية والوطنية النبيلة، وآخرها احتضانه لـ«دورة شهداء اللعوتة الحجاج» تخليدًا لذكرى الشهداء الأبرار، ووفاءً لأرواحهم الطاهرة التي ارتقت دفاعًا عن الأرض والعِرض والكرامة.
لقد تصدى أولئك الشهداء بكل شجاعة وبسالة لمليشيا آل دقلو حين اقتحمت اللعوتة الحجاج وعاثت فيها فسادًا وترويعًا، فوقف أبناء المنطقة في وجه الغزاة المدججين بالسلاح، مستبسلين في الدفاع عن مدينتهم وأهلهم، مقدمين أرواحهم رخيصة فداءً للوطن. فسُطرت بدمائهم الطاهرة صفحات من البطولة والفداء ستظل خالدة في ذاكرة الأجيال.
ولم تكن هذه المبادرة هي الأولى من نوعها؛ فقد درج النادي على ترسيخ ثقافة الوفاء والتكافل الاجتماعي، حيث سبق أن نظم في السادس من مارس 2026 إفطارًا جماعيًا جمع أبناء المنطقة في مشهد جسّد قيم المحبة والتراحم والتكاتف الاجتماعي، مؤكدًا أن الأندية الشعبية يمكن أن تؤدي أدوارًا تتجاوز الرياضة إلى بناء المجتمع وترميم جراحاته وتعزيز وحدته.
ومن خلال منصة “ضيف جديد” للنادي في الفيس بوك يحرص على توثيق تاريخ اللعوتة الحجاج حيث يستضيف عدد من الوجهاء لتسليط الضوء على قصص نجاحات الأهالي وما حققوه من إنجازات للإنطلاق منها لتحقيق المزيد من أجل رفعة اللعوتة الحجاج.
إن نادي التاكا الرياضي اليوم لا يمثل مجرد فريق لكرة القدم، بل يمثل حالة مجتمعية متكاملة، ورسالة إنسانية ووطنية تؤكد أن الرياضة يمكن أن تكون أداة لبناء الإنسان، وحفظ الذاكرة، ومداواة الجراح، وإحياء قيم الوفاء والانتماء في زمن تتكاثر فيه التحديات والانقسامات.
mokhtaralawad@gmail.com
