يحتفل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعيد ميلاده الثمانين هذا الشهر، لكن الاحتفال لا يخلو من إشكاليات عميقة تتجاوز التهاني البروتوكولية إلى أسئلة جوهرية حول العلاقة بين عمر القائد ونضجه الفكري، وبين ما يُفترض أن يكون عليه رئيس أكبر دولة في العالم وما يبدو عليه فعلياً.
ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون الثمانون عاماً من العمر قد منحته سعة رؤية نابعة من التجربة الطويلة، يبدو ترامب وكأنه يعيش في حلقة مفرغة من التصريحات المتضاربة والادعاءات المضللة التي تتناقض فيما بينها، بل وتتناقض أحياناً مع تصريحاته هو نفسه في توقيتات قريبة.
بين الحرب والسلم.. تناقض لا ينتهي
في خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه في فبراير الماضي، كان ترامب يتباهى بأنه “صانع سلام” أنهى ثماني حروب، ثم تحول في الجملة التالية ليهدد بضربات عسكرية ضخمة ضد إيران، مبنياً حججه على ادعاءات لم تُصمد أمام الفحص. فقد زعم أن إيران “قريباً” ستملك صواريخ بعيدة المدى تصل إلى الولايات المتحدة، في حين أن تقييم وكالة الاستخبارات الدفاعية لعام 2025 يشير إلى أن إيران بعيدة عن تحقيق هذه القدرات لسنوات، وربما حتى عام 2035.
ثم جاءت المفارقة الأعمق: في 28 فبراير أعلن ترامب الحرب على إيران، ثم أعلن بعدها بأسابيع أن “الحرب انتهت تماماً”، وفي مايو الماضي قال لشبكة فوكس نيوز إن “البحرية الإيرانية ذهبت تماماً بنسبة 100%، وسلاحها الجوي ذهب تماماً بنسبة 100%”، ليضيف في الجملة نفسها: “لقد تركنا جيشهم وشأنه في الواقع… لأننا نعتقد أن جيشهم معتدل إلى حد ما”.
فكيف يُدمّر جيشاً بنسبة 100% ثم يُترك وشأنه لأنه “معتدل”؟ هذا التناقض ليس مجرد زلة لسان، بل هو نمط متكرر يُثير تساؤلات حول ما إذا كان الرئيس يميز بين الادعاء والواقع، أو بين ما يقوله في لحظة غضب وما يقوله في لحظة هدوء.
“جرينلاند” أم “آيسلندا”؟ حين يختلط الجغرافيا بالتاريخ
في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في يناير الماضي، ألقى ترامب خطاباً استمر أكثر من ساعة، حشده بالادعاءات التي تهاوت أمام التحقق. فقد زعم أن الولايات المتحدة “أعادت جرينلاند إلى الدنمارك” بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ادعاء تاريخي زائف. ثم كرر خطأً لافتاً حين أشار إلى جرينلاند باسم “آيسلندا” أكثر من مرة.
كما ادعى أن الولايات المتحدة كانت تدفع “ما يقرب من 100% من تكاليف حلف الناتو”، وهو ما تكذبه الأرقام الرسمية، وأن الصين لا تمتلك أي مزارع رياح رغم أنها أكبر منتج للطاقة الرياحية في العالم.
هذه ليست أخطاءً في التفاصيل الصغيرة، بل هي أخطاء في الحقائق الجوهرية التي يُفترض أن يُحيط بها رئيس يتخذ قرارات تؤثر على مصير الملايين.
الذاكرة والزمن.. حين يتوقف التاريخ عند “الآن”
في مايو الماضي، نشر ترامب على منصة “تروث سوشيال” تعليقاً يوصي فيه بأن “لجنة الطاقة الذرية أو ما يعادلها” تشهد على تدمير إيران لمخزونها من اليورانيوم المخصب. المشكلة أن هذه اللجنة تم حلها عام 1975، أي قبل أكثر من نصف قرن.
وفي مارس، ادعى ترامب أنه تحدث مع رئيس سابق أقر له بأنه يتمنى لو قصف إيران خلال فترة رئاسته، لكن ممثلي جميع الرؤساء السابقين الأحياء نفوا جملة وتفصيلاً إجراء أي مكالمة من هذا النوع مع ترامب.
العمر كرقم.. والنضج كسؤال
يحتفل ترامب بعيد ميلاده الثمانين، لكن السؤال الذي يطرح نفسه ليس عن عدد السنوات التي عاشها، بل عن مدى قدرته على تمييز الواقع عن الخيال، والحقيقة عن الادعاء، والحاضر عن الماضي.
ففي الوقت الذي يُفترض أن يكون فيه الثمانون عاماً قد منحته حكمة التريث وعمق التفكير، يبدو ترامب وكأنه يعيش في لحظة متواصلة من التصريحات المندفعة التي لا تتحمل مراجعة دقيقة، بل ولا تتحمل مراجعة بسيطة للوقائع المتاحة للجميع.
إن المفارقة ليست في أن يبلغ رئيس الثمانين من عمره، فالتاريخ شهد قادة خاضوا معارك فكرية وسياسية عميقة في هذا العمر وما بعده. المفارقة الحقيقية تكمن في أن يُكمل الرئيس ثمانين عاماً دون أن تمنحه هذه السنوات ما يُفترض أن تمنحه من نضج في التعامل مع الحقائق، أو حتى من قدرة على تذكر أن لجنة “الطاقة الذرية” التي يطالب بعودتها قد وُلدت وعاشت وماتت قبل أن يتولى هو الرئاسة للمرة الأولى.
في النهاية، عيد الميلاد الثمانين ليس مجرد مناسبة شخصية، بل هو مرآة تعكس سؤالاً وجودياً: هل العمر مجرد رقم، أم أنه يفترض أن يكون رصيداً من الحكمة التي لا يمكن اختزالها في تغريدة أو خطاب متلفز؟
د. عوض النقر بابكر محمد- السعودية-الرياض 966537626864
awadelnager@gmail.com
