باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 6 نوفمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عمر الحويج
عمر الحويج عرض كل المقالات

عن الحرب أحكي لكم: قراءة نقدية للذكاء الاصطناعي لقصة “لم أعد حيًا

اخر تحديث: 6 نوفمبر, 2026 4:08 مساءً
شارك

عن الحرب أحكي لكم: قراءة نقدية للذكاء الاصطناعي لقصة “لم أعد حيًا .. ولكني أتنفس” يليها نشر النص القصصي
بقلم / عمر الحويج

حين يصبح التنفس دليلاً على الموت :
في قصة «لم أعد حيًا .. ولكني أتنفس»، لا يكتب عمر الحويج عن الحرب من موقع الراصد الذي يتابع مشاهد الدمار من بعيد، ولا من موقع الضحية التي تروي ما أصابها فحسب، وإنما يختار موقعًا سرديًا بالغ القسوة: إنسان مشلول، عاجز عن الحركة والكلام، لكنه يحتفظ بقدر من الوعي يجعله قادرًا على مشاهدة العالم وهو ينهار من حوله، ثم مشاهدة موته هو، دون أن يمتلك حتى حق الاعتراض عليه.
هنا تبدأ المفارقة المؤسسة للقصة: الجسد الذي لم يعد حيًا بالمعنى الإنساني الكامل، لا يزال يتنفس، بينما العالم المحيط به يفقد أسباب الحياة واحدًا بعد آخر.
أولاً: العنوان بوصفه مفتاحًا فلسفيًا
«لم أعد حياً .. ولكني أتنفس».
ليس العنوان مجرد تعبير عن حالة مرضية أو عجز جسدي، وإنما هو مفتاح دلالي يفتح أبواب القصة كلها. فالحياة هنا ليست نقيض الموت البيولوجي فحسب، بل هي القدرة على الحركة، والاختيار، والتواصل، والانتماء، والشعور بالأمان.
الشخصية الرئيسية كانت قد فقدت معظم هذه المعاني قبل أن تصل الحرب إلى قريتها. ثم جاءت الحرب لتسلبه ما تبقى من عالمه: أسرته، وأحفاده، وشجرته، وقريته، وحتى حقه في أن يموت موتة طبيعية، وأن يُوارى الثرى بكرامة.
والمفارقة أن التنفس، الذي يفترض أن يكون علامة الحياة، يتحول إلى علامة على استمرار العذاب.
إنها حياة معلقة بين وجود الجسد وغياب العالم.
ثانيًا: اختيار الراوي.. ذكاء سردي في بناء المفارقة
اختار الكاتب أن يروي الحكاية بضمير المتكلم، على لسان رجل مسن مشلول، محدود الحواس، لا يملك من أدوات الحركة سوى عينيه وسمعه وقلبه النابض.
هذا الاختيار ليس تفصيلاً تقنيًا عابرًا، بل هو أحد أهم عناصر البناء الفني.
فالراوي لا يرى المشهد كاملًا، ولا يعرف ما يجري حوله على وجه اليقين، وإنما يستنتج، ويتذكر، ويستعيد، ويقارن بين ما كان وما أصبح. ومن خلال هذا الوعي المحدود، تتشكل الصورة الكاملة للمأساة في ذهن القارئ.
وهنا تكمن المفارقة الفنية: الشخصية الأكثر عجزًا عن التدخل هي الأكثر قدرة على الشهادة.
إنه يرى ولا يستطيع إنقاذ أحد، ويسمع ولا يستطيع الاستغاثة، ويفهم ما يجري ولا يملك القدرة على تغييره.
وبذلك يتحول العجز الجسدي إلى أداة سردية تكشف عجز الإنسان أمام آلة الحرب، وتضع القارئ في مواجهة سؤال أخلاقي: ما قيمة الوعي حين يُحرم صاحبه من القدرة على الفعل؟
ثالثًا: الشجرة.. من ملاذ الحياة إلى شاهد الخراب
تتكرر عبارة «شجرتي الظليلة» في مواضع متعددة من القصة، ولا يأتي تكرارها اعتباطًا.
الشجرة ليست مجرد عنصر طبيعي في المكان، بل هي امتداد لحياة الراوي السابقة، وفضاؤه الخاص الذي يجد فيه السكينة، بعد أن فقد القدرة على الحركة.
إنها البيت البديل، والحضن الذي يحتضن عجزه، والذاكرة التي تربطه بقريته وأهله.
وعندما يعتقد الراوي أن شجرته هي التي أنقذته من الانفجار، تنشأ علاقة رمزية بين الطبيعة والحياة، في مقابل الدبابة والجرّافة بوصفهما أداتين لتدمير المكان والإنسان.
لكن المفارقة الأشد إيلامًا أن الشجرة تستطيع أن تحمي فردًا، ولا تستطيع أن تحمي عالمًا بأكمله.
لقد بقي الراوي تحت ظلالها، بينما اختفى العالم الذي كان يمنح تلك الظلال معناها.
رابعًا: الذاكرة العسكرية.. حين يعود الماضي ليحاكم الحاضر
من أكثر المقاطع عمقًا في القصة ذلك الذي يستعيد فيه الراوي ماضيه جنديًا، بعد أن يتعرف إلى أصوات الآليات العسكرية.
لقد كان يومًا جزءًا من المؤسسة التي تدفع بالجنود إلى اقتحام القرى والمدن، ثم أصبح هو نفسه ضحية لآلة الحرب التي عرف أدواتها جيدًا.
هذا الاستدعاء يمنح النص بعدًا يتجاوز المأساة الفردية.
فالراوي لا يقف خارج تاريخ العنف، بل يحمل في ذاكرته نصيبًا من ذلك التاريخ. لقد عرف كيف تُستخدم الآليات في اقتحام القرى، وعرف كيف يُدفع الجنود إلى القتل والحرق، قبل أن يصبح هو وأهله وناسه أهدافًا للآلة ذاتها.
وهنا يضع الكاتب القارئ أمام دائرة عنف تتكرر فيها الأدوار، دون أن تتغير النتيجة الإنسانية.
إن انتقال الراوي من موقع الجندي إلى موقع الضحية لا يقدم اعترافًا سياسيًا مباشرًا بقدر ما يقدم مفارقة إنسانية: من شارك يومًا في آلة الحرب، يجد نفسه عاجزًا عن حماية بيته منها.
خامسًا: اللسان الذي يقتل صاحبه
تبلغ القصة إحدى ذراها الدرامية في استعادة حادثة الابن الأصغر، الذي أوقفه مسلحون في الطريق العام، وسألوه عن اسمه، ثم قتلوه بعد أن سمعوا إجابته.
يختصر الراوي الحادثة في عبارة شديدة الكثافة:
«إبني قتله لسانه.. ولم يقتله سلاحه».
هذه العبارة من أكثر عبارات القصة إيلامًا ودلالة.
فاللسان، الذي يفترض أن يكون وسيلة للتعريف بالنفس والتواصل مع الآخرين، يتحول إلى قرينة إدانة، والاسم الذي يفترض أن يمنح الإنسان هويته يصبح سببًا في قتله.
وهنا تنتقل القصة من مأساة الحرب العامة إلى مأساة الفرز على أساس الهوية والانتماء.
لا يحتاج القاتل إلى معرفة الضحية، ولا إلى معرفة تاريخه أو سلوكه أو موقفه؛ يكفي أن يسمع اسمًا أو يتعرف إلى لسان حتى يصدر حكم الموت.
والأكثر قسوة أن الراوي يربط هذه التجربة بمصير أحفاده، الذين يخشى أن يصبح لسانهم بدوره سببًا في هلاكهم.
إنها ليست جريمة قتل فرد فحسب، بل جريمة ضد حق الإنسان في أن يكون نفسه، وأن يحمل اسمه ولسانه وانتماءه دون خوف.
سادسًا: الأسرة المنقسمة.. الحرب حين تدخل البيت
لا يكتفي النص بتصوير الحرب وهي تقتحم القرية من الخارج، بل يكشف كيف تتسلل إلى داخل الأسرة نفسها.
ابنان من أبناء الراوي يلتحقان بطرفين متحاربين، ثم يتعارك حفيدان دفاعًا عن والديهما.
هنا تبلغ الحرب مستوى آخر من التدمير؛ فهي لا تكتفي بقتل الأجساد، وإنما تمزق الروابط التي تجعل من الأسرة وحدة إنسانية.
وتكمن مأساة الراوي في أنه لا يستطيع حتى أن يتدخل لفض النزاع بين حفيديه.
إنه يشاهد انقسام أبنائه وأحفاده، ويشهد انقسام وطنه مصغرًا داخل بيته، دون أن يملك سوى الدموع.
ولعل هذه الصورة من أكثر صور القصة قدرة على التعبير عن الحرب الأهلية: حين يصبح الاختلاف بين أفراد الأسرة امتدادًا للاختلاف بين البنادق، وحين تنتقل خطوط المواجهة من ميادين القتال إلى أحضان العائلة.
سابعًا: الجريمة ضد المرأة.. من الإيحاء إلى الصدمة
مشهد زوجة الحفيد من أكثر مشاهد القصة قسوة، وربما أكثرها إثارة لاضطراب القارئ.
يجدها الراوي بين الجثث، وقد ارتدت زينتها، لكنه يلاحظ الدماء على ساقيها وفخذيها، فيستنتج أنها تعرضت للاغتصاب، ثم يظل عاجزًا عن معرفة ما إذا كانت الجريمة قد وقعت قبل موتها أم بعده.
وهنا لا يقدم الكاتب الجريمة باعتبارها تفصيلاً إضافيًا في سجل الفظائع، بل يجعلها اختبارًا أخلاقيًا لقدرة الإنسان على استيعاب ما يمكن أن تبلغه الوحشية.
وتتضاعف المأساة حين يستحضر الراوي زواج الحفيد قبل عام، والفرح الذي عم القرية، والرقص والغناء والموروثات التي جمعت أهل قبيلتين متجاورتين.
إنه يضع صورة الفرح القديم في مواجهة صورة الجسد المنتهك، وكأنما يريد أن يقول إن الحرب لا تقتل الإنسان فقط، بل تدمر أيضًا الذاكرة التي كانت تمنحه معنى الفرح والحب والانتماء.
واللافت أن الراوي لا يستطيع حتى أن يجزم بتوقيت الجريمة، وهو تفصيل سردي يحافظ على حدود معرفته، ويجعل العجز عن اليقين جزءًا من فداحة المشهد.
ثامنًا: الحفيدة الجائعة.. الجريمة التي تختصرها الطفولة
إذا كانت مشاهد الموت السابقة قد دفعت القصة إلى حافة المأساة، فإن أنين الطفلة الجائعة ينقلها إلى مستوى أكثر إيلامًا.
يتذكر الراوي حفيدته وهي تأتي إليه تحت الشجرة، وتجلس على الأرض، ثم تناديه:
«جدي.. جدي.. أنا جعانة».
إنها جملة طفولية بسيطة، لكنها تكتسب داخل السياق دلالة تتجاوز الجوع نفسه.
فالطفلة لا تطلب شيئًا مستحيلًا؛ إنها تطلب الطعام، أبسط حقوق الحياة. لكن الحرب تجعل هذا الطلب البسيط مستحيلًا، وتحول الجوع إلى أنين تحت الأنقاض والجثث.
وعندما يسمع الراوي صوت الجرّافة، ويدرك أنها تملأ الحفرة بالرمل والحصى والتراب، يصرخ من داخله:
«يا هؤلاء: هل جئتم تسكتون جوع حفيدتي، أم جئتم تسكتون أنينها؟»
هنا تتجاوز الجرّافة وظيفتها المادية بوصفها آلة للحفر والردم، لتصبح رمزًا لسلطة تمحو آثار الضحايا، وتطمر حتى أصواتهم.
والأكثر قسوة أن الطفلة لا تموت أمام القارئ في مشهد مباشر، وإنما ينقطع أنينها مع انهمار التراب.
إن الصمت هنا أبلغ من وصف الموت.
تاسعًا: التناص الديني.. حين تتحول العبارة إلى أداة إقصاء
في المقطع الذي يسبق آخر دفعة من التراب، يطلب الراوي أن يُمهل حتى يتشهد، لكن سائق الجرّافة يردد عبارة:
«… وقتلاهم في النار».
هذا الموضع شديد الحساسية في البناء الدلالي للقصة.
فالعبارة التي يستدعيها النص من خطاب ديني يُستخدم في سياق التكفير والإقصاء، تأتي في لحظة يُحرم فيها إنسان من حقه في الكلام والاستغاثة، بل حتى من حقه في التشهد قبل الموت.
ولا تتوقف المفارقة عند حدود التوظيف الديني، وإنما تكشف كيف يمكن أن يتحول الخطاب الذي يفترض أن يدعو إلى الرحمة إلى غطاء لتبرير العنف، حين يُنتزع من سياقه الأخلاقي والإنساني.
والكاتب لا يحتاج إلى تعليق مباشر؛ فالمشهد وحده يضع العبارة في مواجهة الجريمة، ويترك للقارئ أن يرى التناقض بين ادعاء امتلاك الحقيقة الدينية وممارسة القتل والدفن.
عاشرًا: التكرار.. إيقاع الموت الذي لا ينتهي
تقوم القصة على لازمة سردية تتكرر بصيغ متقاربة:
«وجدتني لا زلت حياً.. أتنفس».
في البداية تبدو العبارة تأكيدًا على النجاة من الانفجار، ثم تتحول إلى مفارقة بعد اكتشاف الجثث، ثم إلى صرخة مكتومة تحت التراب.
ومع كل عودة للعبارة، تتناقص الحواس: لا يعود الراوي يرى، ثم لا يعود يسمع، وأخيرًا لا يعود حيًا.
لكن التنفس يستمر.
وهنا يحقق التكرار وظيفته الفنية الأساسية؛ فهو لا يعيد المعنى نفسه، وإنما يراكم طبقات جديدة من الرعب.
إنه إيقاع تنازلي للحياة، يبدأ بالوعي، ثم يفقد البصر، ثم السمع، ثم ينتهي إلى الموت الذي لا يكتمل.
والنهاية، بهذا المعنى، ليست مجرد مفارقة لفظية، بل هي اكتمال للدائرة التي رسمها العنوان.
لقد مات الراوي، لكنه لا يزال يتنفس، وكأن الكاتب يريد أن يترك القارئ مع سؤال لا يجد إجابة سهلة: هل يمكن أن يستمر الإنسان في الحياة بعد أن يُسلب كل ما يجعل الحياة ممكنة؟
حادي عشر: ملاحظات على البناء واللغة
من الناحية الفنية، تعتمد القصة على التراكم المشهدي، وتداخل الذاكرة بالحاضر، وتوظيف الحواس المحدودة في بناء عالم واسع من الدمار.
وقد نجح الكاتب في جعل محدودية الرؤية والسمع جزءًا من بنية السرد، لا مجرد وصف لحالة الراوي الصحية.
كما أن الانتقال من القرية إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى الابن، ومن الابن إلى الحفيدة، ثم إلى الحفرة والجرّافة، يمنح النص اتساعًا تدريجيًا في دائرة المأساة.
ومع ذلك، يمكن تسجيل بعض الملاحظات النقدية:
الإطالة في بعض المواضع: ثمة جمل تتكرر فيها الأوصاف والتفاصيل بما يتجاوز أحيانًا حاجتها الدرامية. وكان من الممكن تكثيف بعضها، خصوصًا في وصف الآليات العسكرية والنقالة الخشبية، دون الإخلال بالمناخ العام.
التكرار الوصفي: تكرار عبارة «المتآكلة بفعل الزمن وثقل الجسد» مع ذكر النقالة يرسخ صورة العجز، لكنه يفقد بعض أثره حين يتكرر بالصيغة نفسها. ويمكن الاحتفاظ بالتكرار في المواضع ذات الوظيفة الدرامية الواضحة.
الانتقال بين الأزمنة: استدعاء الماضي العسكري وحادثة الابن وزواج الحفيد جاء متوافقًا مع تداعي الذاكرة لدى الراوي، لكنه يحتاج في بعض المواضع إلى ضبط إيقاع الانتقال حتى لا تتزاحم الحكايات الفرعية على حساب المشهد المركزي.
مشهد الاغتصاب: قوته نابعة من الإيحاء ومن عجز الراوي عن معرفة ما حدث على وجه اليقين. ولذلك فإن الحفاظ على هذه المسافة بين ما يراه وما يستنتجه أكثر فاعلية من التوسع في الوصف.
هذه ملاحظات تتعلق بالتكثيف وضبط الإيقاع، لا بضرورة تغيير الرؤية السردية أو تخفيف قسوة المشهد؛ فالقسوة هنا جزء من موضوع القصة ومن طبيعة العالم الذي تصوره.
أخيرًا: هل مات الراوي أم مات العالم من حوله؟
تبلغ القصة ذروتها في نهايتها، حين يفقد الراوي بصره، ثم سمعه، ثم يعلن موته، قبل أن يعود إلى العبارة التي ظلت تلاحقه:
«ولكني.. وجدتني، ما زلت.. أتنفس».
إنها نهاية لا تغلق الحكاية بقدر ما تفتحها على معنى أوسع.
فالراوي لم يعد حيًا، ليس لأنه فقد القدرة على التنفس، وإنما لأنه فقد العالم الذي كان يتنفس من أجله.
لقد ماتت القرية، ومات الأهل، ومات الأحفاد، وماتت الطفولة تحت التراب، وماتت الذاكرة الجماعية التي كانت تحفظ للناس أسماءهم وأغانيهم وأفراحهم.
وبقي التنفس وحده، شاهدًا على جريمة لم يعد صاحبها قادرًا حتى على روايتها.
إن عمر الحويج في هذه القصة لا يكتب عن موت إنسان في الحرب، بل عن موت الحياة في الإنسان، وعن بقاء الجسد شاهدًا أخيرًا على عالم جرى اغتياله.
ولعل أكثر ما يوجع في النص أن الراوي لم يطلب النجاة لنفسه، ولم يطلب أن تعود إليه حركته، بل ظل ينتظر أهله وأحفاده، حتى وجدهم جميعًا تحت التراب.
إنها قصة عن الحرب، نعم، لكنها في جوهرها قصة عن الإنسان حين يُحرم من أبسط حقوقه: أن يعيش، وأن يحب، وأن يجوع دون أن يموت جوعًا، وأن يحمل اسمه ولسانه دون أن يُقتل بهما، وأن يموت حين يأتي أجله، لا حين تقرر آلة الحرب أن تطمره.
«لم أعد حياً .. ولكني أتنفس» ليست حكاية ناجٍ من الموت، بل حكاية إنسان لم تسمح له الحرب حتى بأن يموت.
وهنا تكمن قسوة العنوان، وبلاغة النهاية، والوجع الإنساني الذي تتركه القصة في ذاكرة قارئها.

عن الحرب أحكي لكم :
قصة قصيرة :
“لم أعد حيًا .. ولكني أتنفس”

باغتنا الإنفجار ، جاءنا.. مدوياً ، من فوقنا . جاءنا .. عابراً سماءنا ، تلك التي ظلت .. تظلل صفاءنا ، جاءنا مخترقاً جبالنا ، تلك التي أبداً ، كانت .. أماننا و حِمانا.
حينها .. تحولت قريتنا ، الوادعة ، إلي كتل من اللهب ، والنيران ، والدخان .. تلتها ، لا بل رافقتها ، زخات من المطر الرصاص ، المنهمر علينا ، من كل أنواع الأسلحة ، الخفيف منها ، و الثقيل .. أحاطنا من جميع أركاننا ، من أمامنا ، من خلفنا .. من يميننا ، من يسارنا ، أما من تحتنا ، فقد اهتزت ، بنا الأرض ومادت ، وكأنها زلزلت زلزالا ، رجّتها أصوات الدبابات وحركتها الضاجة ، حين أخذت ، تخبط خبط عشواء ، في أرضنا.. في مساكننا.. في البشر والناس .. و حتى قطعاننا وطيرنا وأنعامنا .

إلا ، أنا .. وجدتني ، مازلت حياً .. أتنفس .. !!

بدأت أتحسس ما حولي ، ببصري .. لا أري ، غير الدخان ، وألسنة النيران واللهب ، كما لا أسمع ، غير ضجيج الدبابات وهديرها ، وهي تجوب المكان هنا وهناك .. مسرعة .

لا أدري ، ما هو فاصل الزمن ، بين بداية الانفجار الأول .. وما تلاه . ولكني وجدت نفسي ، في الحالة الأخيرة ، التي كنت عليها ، حين حملني ، أحفادي الأربعة ، على ظهر ، نقّالتي الخشبية . المتآكلة بفعل الزمن ، وثِقل الجسد ، والتي صنعوها، خصيصاً لحركتي اليومية ، خاصة من قُطّيتي .. سكني إلي حيث شجرتي الظليلة ، و التي تحتويني ، تحت ظلالها ، طيلة نهاري ، وبعض ليلي .
وحتماً .. أن شجرتي الظليلة ، هي التي حمتني .. أو ربما هي بالتأكيد التي أبقتني حياً ، بعد كل ما حدث .. وما يزال . وأنا الحي كميت منذ زمان مضى .. بعيد ، حين أصابني ذلك البلاء ، الذي شل كامل جسدي ، عن الحركة ، وترك لي فقط ، بعض من حواسي : عيناي .. اللتان ظلتا ، تخترقان بعض الضوء .. إلا قليلاً. وسمعي .. دون لساني .. وقلبي الذي يخفق .

وهكذا ، أنا .. وجدتني .. ما زلت حياً .. أتنفس ..!!

إلا أن شجرتي الظليلة ، والتي حمتني .. أو ربما هي بالتأكيد التي أبقتني حياً . لم تستطع أن تحمي الآخرين . فها أنذا ، قد طال انتظاري ، ولم يأتيني أحد ، من أهلي ، حتى الآن ، ليتفقدني .. كما عودوني.

وأنا .. لا زلت ، لا أرى أمامي ، سوى الدخان .. والفضاء ، حالك السواد ، بعيني الغائمتين . فقط يخترق أذني ، ذلك الهدير الآتي ، من هياج الدبابات وما يلحق بها ، من الآليات العسكرية ، التي أعرفها جيداً ، وأكاد أحدد ، أنواعها .. فقط ، من صوت ، تحرك عجلاتها . ففي زمان مضى .. بعيد ، عملت جندياً ، بعد تجوالي ، في العديد من المهن ، السفلى منها والأسفل.. !!. أذكر في ذلك العهد .. البعيد ، كانوا أيضاً يدفعون بنا دفعاً ، لاقتحام القرى والمدن . لنقتل ونحرق ، في تلك الأنحاء البعيدة .. كبعدنا الآن ، عن هؤلاء الذين جاءوا ، لحرقنا وقتلنا .. لماذا ؟؟ ، لست أدري . ما أدريه الآن فقط ، أن كل ما حولي ، أضحى هامداً خامداً .. ومتلاشياً . أين يا ترى ، إختفى نبض قريتي ، الذي كان يحتويني ، رغم عجزي وقلة حيلتي ، بدفئه وحنيته وحنينه ، أين أهلي؟.. أين ناسي؟ أين حتى ، قطعاننا وطيورنا وأنعامنا ؟. فانا لا أسمع لها : خواراً أو صهيلاً ، نهيقاً أو نقيقاً . ولكني الآن أسمع : قد أتتني ، أصوات أقدام ، تتقدم نحوي ، بخطوات منتظمة، وأخرى مهرولة .. بل بدأت ، أسمع أصوات أصحابها ، يتصايحون .. يتجادلون .. يأمر بعضهم ، ويأتمر البعض الآخر .. عرفتهم ، من أصواتهم .. عرفتهم ، من لسانهم .. الذي به ينطقون ، نعم عرفتهم . لقد عذبني ، هذا اللسان كثيراً : أبني الصغير ، أصغر أبنائي .. في ذلك الزمن .. البعيد . يوم عمّت الفوضى ، تلك المدينة الكبيرة .. وحين استعادوها “من المتمردين” يقولون . أخذوا .. يبحثون ، يفتشون ، ينقبون : في الشوارع ، في البيوت ، في الدّواخل وفي النفوس ، في سحنات الناس ، وفي ألوانهم . وفي الطريق العام ، كان إبني يسير .. حين أوقفوه ، عن اسمه .. سألوه . حين سمعوه أخذوه .. ثم قتلوه . في ذات الطريق العام .. قتلوه . أنا عرفت.. فيما بعد .. أنا عرفت . إبني قتله لسانه.. ولم يقتله سلاحه . والآن .. لا أنا ، ولا أهلي وناسي ، نملك سلاحنا ، وإن كنا نملك لساننا ، وهذا ربما مورد هلاكنا ، وكذلك أحفادي . ولكن أين هم الآن . لماذا لم يأتوا ، ليتفقدوني كعادتهم .. أثار تعجبي منهم . وأندهاشي . أنهم في الأيام الأخيرة ، وبغير عادتهم وجدتهم ، يتحلَّقون حولي ، تحت ظل ، شجرتي الظليلة . أسعدوني بوجودهم قربي ، ولكنهم أحزنوني بحواراتهم ، فعن طريقهم ، عرفت الحرب ، التي تدور حولنا ، عرفت بعنفها .. أغلقت مدارسهم “وعرفت حينها سبب تحلقهم حولي” عرفت منهم ، أن الناس هناك ، يهربون من قراهم ، إلى الكهوف ، في جبالهم.

ما أدمى قلبى ، أن إثنان من أكبر أبنائي ، قد التحقا بها “تلك الحرب اللعينة” ما أدمى قلبى أكثر ، أن أحدهم ، يحارب في جانب ، والآخر في الجانب المقابل . وما أدمى قلبى ، أكثر وأكثر ، أن اثنان من أحفادي ، تعاركا أمامي ، كُل منهم .. دفاعاً عن والده . وأنا العاجز أصلاً ، وجدتني عاجزٌ عن الفهم ، وعاجزٌ أكثر ، عن وقف عِراكهما أمامي ، فقط .. ما قدرني عجزي عليه ، أن دمعت عيناي ، كما الآن .. فقد دمعت عيناي ، لهذا الذي مر بخاطري ، حتى غامتا ، ولم تريا ، أصحاب تلك الأقدام ، التي أخذت تحوم حولي ، بل تتقدم نحوي ، أراهم الآن .. ينحني أربعة منهم ، تقبض أياديهم على أركان ، نقالتي الخشبية .. المتآكلة بفعل الزمن ، وثِقل الجسد ، أحسست بعدها ، بارتفاعي المفاجئ عن الأرض ، بعنف لم أعهده في أحفادي ، حين يحملونني برفق ، ليتحركوا بي ، من موقع لآخر . وبعنف أقوى .. مشوا بي ، إلي أين؟.. لست أدري ، فقط مشوا بي ، ثم مشوا . ثم فجأة توقفوا ، ودون انتظار ، دون إنذار ، أطلق أربَعتَّهم ، سراح أيديهم ، من أركان ، نقّالتي الخشبية .. المتآكلة بفعل الزمن ، وثِقَّل الجسد ، وبعنفٍ .. تركوني إرتطم بالأرض ، وقبل أن أفيق قليلاً ، انحنى اثنان منهم ، ومن جانب واحد ، من نقّالتي الخشبية ، دفعا بي إلى أسفل .. ولكن دون نقالتي الخشبية !! . ووجدتني داخل حفرة ، وإن لم تكن عميقة ، لسرعة وصولي .. قاعها ، وحين أفقت .

وجدتني ، لا زلت حياً .. أتنفس..!!

وبدأت أتبين ما حولي . أجساد محترقة ، إنهم أهلي .. ناسي . هؤلاء الأربعة .. إنهم أحفادي ، عرفتهم .. بإحساسي عرفتهم ببصيرتي . إثنان منهما ، متلاصقان .. متماسكان ، يحضنان بعضهما ، هل يا ترى كانا يتصافحان ، أم كانا يواصلان عِراكهما .. لست أدري !! . ما أدريه فقط الآن ، أن نظري المتلاشي قد وقع ، على جسد آخر . إنها زوجة حفيدي : صغير السن هو .. صغيرة السن هي ، والآن بكامل زينتها . تزوجها حفيدي ، قبل عام مضى ، أقام لهما والده حفل زواج ، ظل حديث قريتنا زماناً طويلاً ، رقص فيه الشباب .. فتياناً وفتيات ، كما لم يرقصوا من قبل ، إستدعوا فيه ، كل موروثاتهم القديمة والمتنوعة .. رقصاً وغناءً . فقد كانت زوجته من قبيلة مجاورة ، وليسوا من قبيلتنا .. !! .
ولكن .. ما أرى؟؟ .. إنها دماء ، دماء على ساقيها ، دماء على فخذيها .. يا الهي .. لقد أتوها ، حتماً أتوها ،ثم اغتصبوها .. ولكني لا أدري .. إن كان أتوها .. ثم اغتصبوها ، قبل موتها .. أم بعد موتها أتوها .. ثم اغتصبوها . ظللت طيلة سنوات عجزي ، بالنية داخلي .. أصلّي . الآن .. على ضياع صباها أصلّي . وأنا أصلّي .. أتاني من خلفي أنين ، إنه أنين طفلة ، تيقنت منه ، إنه منبعث ، من إبنة حفيدتي .. آخر عهدي بها ، ذاك النهار ، جاءتني .. وتحت ظل شجرتي الظليلة ، علي الأرض ، جلست تحفر ، بأظافرها الرقيقة .. اذكرها ، حين التفتت نحوي ، نادتني : جدي.. جدي.. ” أنا جعانة “.. أخذني منها ، صوت آخر ، إنه هدير جرّافة ، أعرفها هذه الجرّافة ، عملت عليها أيام الجندية ، دائماً جاهزة ، هذه الجرّافة.. للحفر والردم .
مالهم هؤلاء الناس !!.. هل سيدفنوننا ، بهكذا عجلة أحياء .. !! .

تذكرت أجدادي .. في ذلك الزمن البعيد ، يحكون لنا .. أن مواراة الميت الثرى عندهم ، تستغرق أياماً بلياليها ، يعدون حفرة الدفن ، بمرقدها .. يتوسدها الميت ، يحيطونه ببعض ، مقتنياته الثمينة . أما هؤلاء .. فما اعجلهم !! .
أسمعها .. الجرّافة ، تتحرك .. تملأ جوفها ، بالرمل والحصى والتراب .. تتقدم نحونا ،
ولا يزال أنين حفيدتي يأتيني من خلفي ، والجرّافة تُفرِغ ما بجوفها ، في حفرتنا .. فيسكت الأنين . أصرخ أنا من داخلي.. يا هؤلاء : هل جئتم تسكتون جوع حفيدتي ، أم جئتم تسكتون أنينها ..؟؟
وعادت الجرّافة مرة اخرى ، بعد أن ملأت جوفها .. بالرمل والحصى والتراب .. وأفرغت حمولتها في حفرتنا ، وبعدها .. لم أعد أرى !!.

ولكني .. وجدتني ، لا زلت حياً.. أتنفس ..!!

وعادت الجرّافة ، وملأت جوفها .. بالرمل والحصى والتراب .. وقبل أن تُفرِغ حمولتها ، صحت بكل قوتي ، ومن داخلي مرة اخرى .. أمهلني يا هذا حتى .. أتشهد !!. ولكنه .. لن يسمعني .. ولا يريد أن يسمعني . بل سمعته أنا .. يردد : ” … وقتلاهم في النار ” .
ثم أفرغ حمولته ، في حفرتنا .
وبعدها .. لم أعد أسمع !!.

ولكني .. وجدتني ، لا زلت حياً .. أتنفس ..!!

وعادت الجرّافة ، وملأت جوفها .. بالرمل والحصى والتراب .. وأفرغت ما في جوفها ، في حفرتنا .

وبعدها.. لم أعد حياً !! .
ولكني .. وجدتني ، ما زلت .. أتنفس !! .

omeralhiwaig441@gmail.com

Author
عمر الحويج

عمر الحويج

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الأخبار
الحكومة السودانية تجيز فتوى وتوصيات بشأن القروض الربوية
الأخبار
شبكة الصحفيين تنفذ إضرابا عن العمل وتقول: سنكمل المشوار ونتجاوز الصعاب
الرياضة
الهلال يسقط في فخ التعادل أمام رايون
منبر الرأي
علي المهدي والتاريخ الشفاهي للمهدية: بقلم: فيرقس نيكول: ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
الأخبار
صحيفة (وول استريت جورنال): السودان قُطر يستحق ان يشطب اسمه من قائمة الارهاب

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الوظيفة مصدر للثراء!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى

طارق الجزولي
منبر الرأي

متي تتحرر النخب السودانية من سطوة الطائفية؟ .. بقلم: سمير محمد علي حمد

طارق الجزولي
منبر الرأي

نَقص الطُغَاةُ عدداً… فمن التالي؟! .. بقلم: فتحي الضَّـو

فتحي الضو
منبر الرأي

هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss