القاهرة – “القدس العربي”: مع ارتفاع معدل عودة السودانيين من مصر، بالتزامن مع عيد الأضحى، شهد معبر أرقين على الحدود المصرية أزمة كبيرة مع غياب الحافلات التي تنقل العائدين إلى مدنهم، في ظل حديث عن وفيات شهدتها أروقة المعبر نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وغياب الخدمات.
ويتهم عدد من السودانيين، شركات النقل بأنها تسببت في المشكلة، فبعد أن حجزوا ودفعوا تكلفة السفر من القاهرة إلى المدن السودانية، إلا أنهم بعد وصولهم للمعبر لم يجدوا الحافلات التي تقلهم إلى مدنهم في الولايات المختلفة.
ونشر نشطاء فيديوهات تظهر تكدس المئات من العائدين وهم يفترشون ساحة المعبر، في وقت شهدت الأيام الماضية ارتفاعاً في درجات الحرارة تجاوز 45 درجة مئوية.
وكان مدير معبر أرقين، مبارك داود، أرجع أسباب الأزمة إلى عزوف أصحاب الحافلات عن العمل في خط أرقين، نتيجة تفاوت أسعار التذاكر بين الخطوط عقب الزيادة التي أقرتها غرفة النقل بمناسبة عيد الأضحى، ما دفع السائقين إلى تفضيل الخطوط الأعلى سعرًا.
نشر نشطاء فيديوهات تظهر تكدس المئات من العائدين وهم يفترشون ساحة المعبر، في وقت شهدت الأيام الماضية ارتفاعاً في درجات الحرارة تجاوز 45 درجة مئوية
وبيّن في تصريحات إعلامية أن سعر تذكرة خط أرقين بلغ نحو 196 ألف جنيه (نحو 78 دولاراً)، مقابل 260 ألف جنيه (نحو 104 دولارات) لخط وادي حلفا – الخرطوم، و240 ألف جنيه (نحو 96 دولارًا) لخط دلقو – الخرطوم، وهو ما ساهم في تفاقم حالة التكدس داخل المعبر.
لكن أحد أصحاب الشركات العاملة في نقل السودانيين من مصر، قال في فيديو نشره على “فيسبوك” إن الأزمة تعود إلى خروج نشطاء يطالبون العائدين بحجز تذاكر فقط حتى معبر أرقين.
وقال إن الشركات تلتزم فقط بتوفير حافلات لمن حجزوا معها إلى الولايات داخل السودان.
وكان نشطاء نصحوا العائدين بعدم الحجز مع الشركات؛ بسبب ساعات الانتظار الطويلة في المعبر، وأكدوا أن أفضل طريقة للسفر عبر القطار من القاهرة إلى أسوان، ومنها يستقل العائد حافلة إلى المعبر، ومن المعبر يستقل حافلة إلى مدينته، وشددوا على أن هذه الطريقة توفر نحو نصف تكاليف السفر عبر الشركات.
في أعقاب ذلك، أصدرت إحدى شركات النقل بيانًا توضيحيًا في شأن التأخير الذي واجه رحلات العودة الطوعية للسودانيين القادمين من مصر، مؤكدة أن الأزمة تعود إلى ضعف التنسيق، وعدم الالتزام بالبرامج التشغيلية المتفق عليها مسبقاً وليس بسبب تقصير من الشركات الناقلة.
وقالت إن “الرحلات يجري تنظيمها بالتنسيق مع لجنة الأمل للعودة الطوعية وفق جداول محددة تضم عددًا من الباصات والركاب، لكنها فوجئت خلال الأفواج الأخيرة بوصول أعداد كبيرة من العائدين غير المدرجين في الكشوفات المسبقة، مما دفع اللجنة إلى تسيير رحلات إضافية بصورة عاجلة”.
وأضافت أن “الرحلات الإضافية لم يتم التنسيق لها داخل المعبر بالشكل المطلوب، مما أدى إلى تأخير حركة الحافلات واضطرار العائدين إلى الانتظار حتى وصول المركبات من مدن سودانية”.
وأكدت أن مسؤولية الأزمة تعود إلى عدم التنظيم والالتزام بخطط التشغيل المتفق عليها، مشيرة إلى وجود نحو 13 حافلة تقل عائدين عبر البواخر إلى وادي حلفا، إلا أن تعثر الترتيبات أسهم في تحويلهم إلى منطقة أرقين، سائلة عما إذا كانت الشركة الناقلة تتحمل مسؤولية هذا الإخفاق الإداري والتنظيمي.
إلى ذلك، قالت “منصة اللاجئين في مصر” إنها تابعت التطورات الإنسانية المتفاقمة في الجانب السوداني من معبر أرقين، حيث تحولت معاناة العائدين السودانيين من مصر إلى أزمة إنسانية حادة تمس الحقوق الأساسية المكفولة لكل إنسان، وفي مقدمتها الحق في الكرامة الإنسانية، والتنقل الآمن، والحصول على الحماية والخدمات الأساسية في أثناء السفر والعودة.
شركة نقل أكدت أن الأزمة تعود إلى ضعف التنسيق، وعدم الالتزام بالبرامج التشغيلية المتفق عليها مسبقاً وليس بسبب تقصير الشركات
وقالت إنها رصدت حالات تكدس حاد أفضت إلى وفاة ثلاثة أشخاص على الأقل، فضلًا عن حالات إغماء وإجهاد حراري متعددة في صفوف العالقين جراء التعرض المطوّل لحرارة شديدة في ظل شح المياه وغياب الرعاية الصحية، ما تكشف عن قصور جسيم في التدابير المتخذة لضمان سلامة العائدين وصون كرامتهم.
وفق ما وثَّقته المنصة، يتكدس أكثر من خمسة آلاف شخص من العائدين من مصر في محيط معبر أرقين، غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن، في ظروف إنسانية بالغة القسوة. ويقضي العالقون في الجانب السوداني من المعبر أيامًا متواصلة في العراء دون أماكن إيواء أو مظلات تحميهم من أشعة الشمس، في وقت تتجاوز فيه درجات الحرارة 45 درجة مئوية.
كما وثقت نقصًا حادًّا في الخدمات الأساسية في الجانب السوداني من المعبر، بما في ذلك مياه الشرب الآمنة، والرعاية الصحية العاجلة، ودورات المياه الملائمة، الأمر الذي يزيد من مخاطر الإصابة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس والجفاف، ويشكل تهديدًا مباشرًا لحياة وصحة الفئات الأكثر هشاشة، ولا سيما الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة.
وأكدت أن هذه الأوضاع بيّنت الحاجةَ المُلِحَّة إلى تدخل إنساني عاجل يضمن الحد الأدنى من مقومات الحماية والكرامة الإنسانية للعالقين.
نقص حاد في الخدمات الأساسية في الجانب السوداني من المعبر، بما في ذلك مياه الشرب الآمنة، والرعاية الصحية العاجلة
وتشير المعلومات الميدانية التي وثقتها المنصة إلى أن الأزمة لم تعد مجرد اختناق لوجستي أو تأخير في حركة العبور، بل أصبحت مرتبطة بممارسات استغلالية وانتهاكات خطيرة ألقت بأعباء إضافية على العائدين، الذين اضطر كثير منهم إلى اتخاذ قرار العودة إلى السودان نتيجة تدهور أوضاعهم المعيشية وتراجع فرص الحماية والاستقرار في بلد اللجوء.
كما رصدت المنصة ضعفًا واضحًا في الرقابة والتنظيم على حركة النقل البري بين مصر والسودان، في ظل نشاط عدد من شركات ومكاتب النقل التي تعمل في القاهرة دون أطر تنظيمية واضحة أو تعريفة معلنة ومعتمدة من الجهات المختصة.
وتستغل بعض هذه الجهات حاجة العائدين المُلِحَّة إلى السفر من خلال بيع تذاكر تشمل الرحلة من القاهرة إلى الوجهة النهائية داخل السودان مقابل مبالغ مالية يتم تحصيلها مسبقًا، إلا أن المنصة تلقت إفادات متطابقة تفيد بقيام بعض شركات النقل بتحصيل كامل قيمة التذاكر من المسافرين؛ من القاهرة إلى الوجهة النهائية داخل السودان، ثم التنصل من التزاماتها التعاقدية بعد وصولهم إلى معبر أرقين، والامتناع عن توفير الحافلات اللازمة لاستكمال الرحلة إلى وجهاتهم النهائية داخل السودان.
وأكدت أن ذلك أدى إلى تَرْك أعداد كبيرة من العائدين، بمن فيهم النساء والأطفال وكبار السن، عالقين في العراء لأيام متواصلة وفي ظروف مناخية قاسية، دون توفير وسائل نقل بديلة أو أي ترتيبات مناسبة لاستكمال سفرهم، الأمر الذي حمّل الأُسَر أعباء مالية إضافية وعرَّضها لمخاطر إنسانية وصحية جسيمة، وسط غياب آليات رقابة ومساءلة فعالة تكفل حماية حقوق المسافرين وضمان التزام شركات النقل بتعهداتها التعاقدية.
ارتفعت أسعار بعض الرحلات إلى نحو 270 ألف جنيه سوداني (نحو 3 آلاف جنيه سوداني)، بزيادة تجاوزت 50% مقارنة بالأسعار المعتادة
وزادت: “ترافق ذلك مع زيادات كبيرة وغير مبررة في أسعار تذاكر النقل من معبر أرقين إلى الخرطوم، إذ ارتفعت أسعار بعض الرحلات إلى نحو 270 ألف جنيه سوداني (نحو 3 آلاف جنيه سوداني)، بزيادة تجاوزت 50% مقارنة بالأسعار المعتادة، في استغلال واضح لحاجة الأسر المُلِحَّة إلى الوصول إلى وجهاتها المختلفة بالتزامن مع اقتراب عيد الأضحى”.
وتابعت: “تفاقمت الأزمة نتيجة عزوف عدد من شركات وأصحاب الحافلات السودانية العاملة على خط أرقين عن نقل الركاب من المعبر إلى وجهاتهم داخل السودان، بسبب الخلافات المتعلقة بتسعير الرحلات والتعريفة المحددة من الجهات المنظمة لقطاع النقل. وقد أدى ذلك إلى نقص حاد في وسائل النقل المتاحة واستمرار تكدس آلاف الأشخاص في محيط المعبر لفترات طويلة، الأمر الذي أطال أمد معاناتهم وفاقم المخاطر الصحية والإنسانية التي تواجه الفئات الأكثر هشاشة”.
ورأت المنصة أن ما يشهده معبر أرقين يمثل نموذجًا مقلقًا لمخاطر العودة غير الآمنة وغير الكريمة، إذ لا تقتصر مسؤولية الجهات المعنية على تسهيل إجراءات العبور فحسب، بل تمتد إلى ضمان وصول العائدين إلى وجهاتهم في ظروف تحفظ كرامتهم الإنسانية وتصون حقهم في السلامة والأمن. كما ينبغي أن تراعي أي ترتيبات لعودة المعايير الإنسانية الأساسية، وأن تتضمن آليات فعالة للحماية والاستجابة الطارئة، خاصة في المواقع الحدودية التي تشهد كثافات بشرية مرتفعة.
تفاقمت الأزمة نتيجة عزوف عدد من شركات وأصحاب الحافلات السودانية العاملة على خط أرقين عن نقل الركاب من المعبر إلى وجهاتهم داخل السودان
ودعت إلى اتخاذ إجراءات عاجلة، وطالبت السلطات السودانية وإدارة معبر أرقين بفرض رقابة فعالة على أنشطة شركات النقل العاملة في المعبر ومنع الاستغلال المالي للمسافرين، والتحقيق في الشكاوى المتعلقة برفع الأسعار أو الإخلال بالعقود المبرمة مع الركاب ومحاسبة المتورطين، وضمان نقل جميع العالقين بصورة آمنة ومنظمة ودون تحميلهم أعباء مالية إضافية، وتوفير أماكن إيواء مؤقتة ومياه شرب وخدمات أساسية للمسافرين في أثناء فترات الانتظار.
كما دعت المنظمات الإنسانية والدولية إلى التدخل العاجل لتوفير المياه الصالحة للشرب والوجبات الغذائية والرعاية الصحية الأولية ومستلزمات الإيواء المؤقت، ونشر فرق ميدانية لمراقبة الأوضاع الإنسانية وتقديم الدعم للفئات الأكثر عرضة للخطر، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الأمراض المزمنة.
وطالبت وزارة النقل المصرية والجهات الرقابية المختصة باتخاذ تدابير عاجلة لضبط وتنظيم نشاط شركات ومكاتب النقل العاملة على خط العودة إلى السودان، وإجراء مراجعة شاملة لأوضاع الشركات التي تبيع تذاكر السفر للعائدين والتأكد من التزامها بالتراخيص القانونية والتعاقدات المبرمة مع المسافرين، وإنشاء آلية فعالة لتلقي شكاوى الركاب والتحقيق فيها ومساءلة الجهات التي يثبت تورطها في التضليل أو الإخلال بالتزاماتها التعاقدية أو استغلال حاجة المسافرين، وإلزام شركات النقل بالإفصاح الواضح عن أسعار الخدمات ومسارات الرحلات وضمان عدم ترك المسافرين عالقين على الحدود دون وسائل نقل أو بدائل مناسبة.
منصة حقوقية طالبت وزارة النقل المصرية والجهات الرقابية المختصة باتخاذ تدابير عاجلة لضبط وتنظيم نشاط شركات ومكاتب النقل العاملة
وشددت المنصة على أن حماية كرامة الإنسان وسلامته يجب أن تكون أولوية قصوى في جميع ترتيبات العودة والتنقل، وأن حياة المدنيين وحقوقهم الأساسية لا يجوز أن تكون رهينة للمضاربات التجارية أو أوجه القصور الإداري والتنظيمي. كما تدعو جميع الجهات المعنية إلى التحرك العاجل والمنسق لوضع حد لمعاناة العالقين وضمان عبورهم ووصولهم إلى وجهاتهم بأمان وكرامة، بما يتوافق مع المبادئ الإنسانية والمعايير الدولية ذات الصلة.
وكانت “لجنة الأمل” التي تشرف على رحلات “العودة الطوعية” أعلنت انطلاق آخر فوج من السودانيين العائدين إلى بلادهم قبل عطلة عيد الأضحى، في إطار برنامج الرحلات المجانية، التي تنظمها اللجنة منذ أشهر لتسهيل عودة الأسر الراغبة في الاستقرار داخل السودان، مشيرة إلى أنَّ الرحلات شهدت إقبالًا متزايدًا من السودانيين المقيمين في مصر، وسط ظروف إنسانية واقتصادية دفعت الكثيرين إلى العودة.
وبينت أنَّ الرحلات ستتوقف مؤقتًا خلال عطلة العيد، على أن تُستأنف مباشرة بعد انتهائها، وفق الجداول المُعدَّة مسبقًا لاستيعاب جميع المسجَّلين.
وأكدت أنَّ عمليات الشحن والنقل ستعود بصورة طبيعية، مشيرة إلى أنَّ التوقُّف مؤقت ومرتبط فقط بظروف العطلة.
