غوّاصات ترمب: الجنون أداة تفاوض

من عُمقٍ لا تطاله الأقمار الصناعية، ومن تحت أمواج لا تبوح بسرّ، انزلقت الغواصات. كما تنسلّ الأفكار المجنونة في رؤوس الطغاة. لم تكن زوبعة ولا عاصفة، بل صمتاً مدججاً بالنوايا.
القطيع المعدني الصامت في عرض المحيط، الذي جُبل على التخفي والصبر والانتظار، تلقى أمراً من قائد لا يُحب الانتظار.
قال دونالد ترمب: “أرسلت الغواصتين إلى مناطق مناسبة”. ولم تكن “المناطق المناسبة” سوى ظلال روسيا.

الشرارة لم تكن أكثر من تهديد مبطن أطلقه ترمب قبل أيام، قال فيه إنه قلّص المهلة الممنوحة لروسيا للتوصل إلى اتفاق سلام مع أوكرانيا من خمسين يوماً إلى عشرة، ملوّحاً برسوم جمركية وعقوبات تطال المشتري قبل البائع.
الخطاب خرج عن مألوف السياسة، وارتدى رداء الرعب. لم يكن تصريحاً، بل رسالة في زجاجة نووية، ألقيت في بحر العلاقات الدولية المتصدع.
ديمتري ميدفيديف، المعروف بأنه “ظل بوتين”، لم يتأخر في الرد. كتب على “إكس”، بلغته المشبعة بالبَارود، أن التهديد هو طريق إلى الحرب، ليس مع أوكرانيا، بل مع أميركا نفسها. وذكّر ترمب بأن روسيا ليست إيران… ولا إسرائيل.

لكن ترمب لم يرتدع. ردَّ كمن يسكب الماء على الزيت المشتعل، لا ليُخمد النار، بل ليراقب انفجارها. قال: “الكلمات لها ثقلها، وقد تقود إلى عواقب غير مقصودة، وآمل ألا تكون هذه إحداها”. لكنه لم يكن يأمل… بل يلوّح.
كأنه يُعيد تجربة نيكسون، حين جرّب “نظرية الرجل المجنون”: أن تقنع خصمك بأنك غير عقلاني بما يكفي للضغط على الزناد، أن تتحرك بطريقة تجعل الآخر يحبس أنفاسه، فالمسألة لا تتعلق باستراتيجية عسكرية بل بفوضى مقصودة، تَمنح صاحبها أفضلية في التهديد والمساومة وربما التدمير.
الأمر لم يعد مجرد تصريحات، بل استعراض عبثي في مسرح الغضب العالمي، يُعيد للأذهان صور الحرب الباردة، لكنه يفتقد حكمتها، ويستدعي أرواح جنرالات خلت، كانوا يعرفون متى يصرخون… ومتى يصمتون. أما ترمب، فربما لم تكن رسالته لموسكو وحدها، بل أيضاً لحلفائه الذين تعبوا من تردده، ولصقوره الذين يريدون ردعاً حقيقياً لا رسائل دبلوماسية.

الخبراء انقسموا بين من قال إن الغواصات تُحرّك فقط حين يُراد تفادي حرب،
ومن قال إن الرجل يستعرض عضلاته النووية لتغطية فقدان السيطرة على الملف الأوكراني. أما البنتاغون، فتمسّك بصمته كمن يعي أن اللعبة أكبر من أن تُفسَّر.
في موسكو، الصحف تتساءل. في واشنطن، البيت الأبيض يلتزم الصمت، والكونغرس يتحسّس موطئ قدميه. السيناتور كريس كونز يطالب بتحقيق حول جدوى الإفصاح عن تحرّك غواصات نووية. وميدفيديف، يطارد ترمب، بلغة قاتمة: “لا تسلك طريق النعسان جو”.
ترمب يبذل جهوداً لتمييز نفسه عن بايدن، الذي اتُّهم بالحذر الزائد. الرجل، كما يبدو، قرّر أن لا يُلقي بالحذر في البحر فحسب، بل أن يُبحر بالغواصات إلى أبعد من خطوط بايدن الحمراء. “وول ستريت جورنال” همست: “لكل جنون حد. افتح قنوات التواصل. لا تُحرّك القنابل، حرّك الدبلوماسية”. لكنها همسة خافتة وسط طبول تُقرع.

وراء هذا الصخب، تظهر إشارات خافتة بأن “نظرية الرجل المجنون” تصل إلى حافتها. أن اللعبة التي كان يمارسها ترمب في مفاوضاته مع إيران وكوريا الشمالية، لا تصلح في مع صقور الكرملين. وأن بوتين، رغم عناده، لا يريد مواجهة “الناتو” لا لأنه يخافه، بل لأنه يدرك عبء الحرب وفواتيرها في ظل اقتصاد منهك، بالكاد تحتمل فيه موسكو شتاء العقوبات.
ورغم كل شيء، هذا ليس إعلان حرب، وبالطبع ليس تحية سلام.
إنه رقصٌ أعشى على حافة الهاوية، واليد التي تلوّح بالسلاح النووي لا تبحث عن النصر، بل عن الصدى. وترمب، الذي وبّخ ميدفيديف في وقت سابق، لاستخدامه الخفيف لكلمة “نووية”، عاد ليشحن الكلمة برنين جنازير الغواصات…
غواصتان الآن، وقد تكون هناك ثالثة،
تتهيأ تحت المحيط، لا تنتظر أمراً… بل زلّة لسان.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …