محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com
بين جدران الصمت الموحشة وخلف أبواب الذاكرة الموصدة تُنسج حكاية ليست ككل الحكايات؛ حكاية رجل لا يطارده الزمن بقدر ما تلاحقه الملامح. ثلاث سنوات مضت كانت كفيلة بأن تحوّل الأيام إلى جمر والذكريات إلى نِصال ثلاث سنوات منذ أن غادر منزله تاركاً خلفه طفلة كانت في الخامسة من ربيعها تملأ البيت صخباً ورضيعاً لم يكمل شهره الثاني لم يكن يدرك من ملامح والده سوى رائحة غابت قبل أن تترسخ.
لم يكن الفراق مجرد مسافة جغرافية بل كان زلزالاً عصف بأركان الأسرة مخلّفاً “هوة كبيرة” اتسعت مع مرور الأيام بينه وبين شريكة عمره وأم أولاده إن الخطأ حين يقع في حق القلوب القريبة لا يترك خدوشاً فحسب بل يحفر أخاديد من الجفاء قد يصعب ردمها بكلمات الاعتذار العابرة واليوم يقف هذا الأب على ضفة الندم يراقب من بعيد كيف كبرت ابنته وكيف تعلّم ابنه المشي والنطق بعيداً عن عينيه، وكيف استحال “الأمان” الذي كان يمثله إلى “غياب” يلفه الغموض.
يعيش هذا الأب اليوم في حالة من “التوهان” الوجداني؛ فهو عالق في برزخ مابين الحنين الذي يمزق أحشاءه كلما رأى طفلاً في عمر ابنه وبين الأمل الذي يرفض الانطفاء رغم قسوة الواقع و هو يدرك تماماً حجم الجرم الذي ارتكبه في حق استقرارهم ويشعر بمرارة “الندم أشد الندم” ذلك النوع من الندم الذي لا يترك لصاحبه فرصة للنوم الهادئ.
“إن الوحدة ليست في خلو المكان من البشر بل في خلو القلب من الرضا وفي صدى صوت الأطفال الذي يتردد في الذاكرة دون أن يجد له مجيباً في الواقع.”
هل يغفر الحب ما أفسده الخطأ؟
ما يزال هذا الرجل يتمسك بخيط رفيع من الرجاء معلقاً قلبه على عتبة “التسامح”. هو لا يطلب العودة فحسب بل يطلب الخلاص من سجن الذنب.
يتساءل في صمته هل تشفع سنوات الندم لخطايا الماضي؟ وهل يمكن للأم التي تحملت عبء التربية والفقد وحدها أن تفتح باباً أغلقه الوجع؟
إنها قصة إنسانية تختزل معاني الفقد والانتظار وتضعنا أمام تساؤل أخلاقي وعاطفي عميق إلى أي مدى يمكن للغفران أن يرمم ما حطمه الإهمال؟ وبينما يستمر هو في “انتظاره” المُر يبقي عينه شاخصة نحو أفق قد يحمل يوماً صلحاً يعيد للروح سكينتها وللأبناء والدهم الذي تاه في زحام الأخطاء.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم