فاشر صديق محمد البشير الفنجري … بقلم: د.عبد الله علي إبراهيم

IbrahimA@missouri.edu

كتب الأستاذ عبد الله آدم خاطر (الصحافة 5-9-2009) كلمة مؤثرة في نعي المرحوم صديق محمد بشير صاحب مكتبة “الجماهير” بمدينة الفاشر لعقد الخمسينات حتى السبعبنات. وهي كلمة عن فضل الرجل ومكتبته في ولع خاطر بالمعرفة وأيلولته كاتباً راتباً محسناً. وأصبح عرفان فضل “مكتبجبة” الخمسينات والستينات ممن توفوا إلى رحمة مولاهم ضرباً أدبياً متبعاً عندنا. فقد سبقه إلى ذلك الأستاذ  محمد علي جادين حين نعى المرحوم عبد الله المطري صاحب مكتبة المحطة الوسطي بالخرطوم الذائعة. وقد سبق الأستاذ جادين إلى ميزة المطري بحياته المرحوم الباحث المصقع محمد أبو القاسم حاج حمد. كما قرأت كلمة مؤثرة عن رفيقنا المرحوم يونس الدسوقي بقلم الأستاذ أبو قرجة يعدد حماسة يونس لتسليك الطلاب في محبة القراءة وسبله الذكية في ذلك. ثم كتبت أنا عن مكتبة دبورة بعطبرة وكيف أدبتنا فأحسنت تأديبنا في مناسبة وفاة صاحبها المرحوم عوض الله دبورة. وفاتني بالطبع كتابات ربما ذكر فيها أصحابها أفضال أصحاب مكتبات أخرى في مدن أخرى.

 

 

ولا سبب لإستغراب مِنَة هذا الجيل من أصحاب المكتبات على قرائهم من الشباب خاصة. فقد خرج الجيل المكتبجي من معطف الحركة الوطنية. وهي حركة أتت سيئات أواخرها على حسنات مقدماتها. فلم نعد نذكر منها سوى: “ضيعو البلد”. بل ذهب فريق مستنير إلى ذمها لاستعجالها ذهاب الإنجليز من السودان. وضاعت فحولة الحركة وأشواقها في الحرية بين الخلف. وأضاعها أكثر ما أضاعها الجهل بمغزي الحركة وطاقتها في تخيل هذا الوطن من مستعمرة لمّ المستعمر شعثها كيفما اتفق. فأكثر ما نقرأه عنها هو خطوط عامة لتاريخ تكوين مؤسساتها ومناجزتها المستعمر وأبطالها في هذه الجبهة وغيرها. ولا نبلغ شوقها للحرية وللتربية على حب الوطن عن معرفة الذي انطوى عليه هؤلاء المكتبجية الأفذاذ الذين بكاهم عارفو فضلهم. لقد كانوا وراقين وباعة كتب ولكن بعاطفة غراء على الوطن.

 

 صديق محمد البشير رفيق لم تلده عطبرة مدينتي الأثيرة. فلم احتج لأكون في الفاشر ليغمرني صديق بفيض عنايته. ولكننا تعارفنا عبر الصحف إذ  لم نلتق إلا مؤخراً ربما في آخر الستينات. فقد كنت كتبت في جريدة “الميدان” قبل إغلاقها بعد قيام انقلاب 17 نوفمبر 1958. ثم تابعت الكتابة في جريدة الصراحة. وسعدت أن كتاباتي الأدبية لم تخطء عينه العارفة القارئة. فكاتبني أو بعث لي رسولاً يشيد بما أكتب. فملأ ذلك جوانحي بالفرح.

فرح صديق بي عابر المسافات وسعادتي به هو ميسم وطن الرجال الفناجرة والنساء الفنجريات. فقد وصف خاطر صديقاً بالفنجري الدارفوري المثالي. قال عنه كان ” وسيماً تبدو وسامته بادية للعيان من خلال جلبابه الناصع، وعمامته المصفوفة بعناية، فيما يشاهد أحياناً وهو يحمل عصا مخروطة”. ماذا ابقيت يا صديق؟ قال بعض الوعي. لقد فتح للجماهير مكتبة لتقف على حقائق وطنها وحقائقها. واستبدلنا الفناجرة على أيامنا هذه بمن حملوا أكفهم فوق أيديهم من كل شاكلة ولون ففشى القتل بالجملة. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر الفنجري بعصاه المخروطة.

 

 

واكتمل لقاء الخاطرة عابرة الوطن بي وصديق في بلد آخر. هو قطر. فقد زرته لمؤتمر ما في 1989. ووجدت صديقاً مغترباً فيه. وأخجلني (وزهاء الطاهر عليه الرحمة مدرارا) بحفاوته بي. أخذني في جنح ليل بعد محاضرة لي للجالية السودانية إلى مدينة في أطراف الدوحة. وكنت أغالب النعاس الذي أرى من بين غلالته مودة هذا الإنسان الفنجري النبيل وزوجته. أهذا ما تفعله الكتب والمعرفة بالناس الفناجرة؟ كان صديق رفيقاً لم تلده عطبرة.

 

 

ثم طلبته يوما من الولايات المتحدة. كنت أريد التحقق عن مظاهرة الفاشر التي أنزلت العلم البريطاني عن ساريته. كنت قرأت عنها باكراً ثم صدئت في ذاكرتي. ضربت لباي خاطر أولاً فأخذت رقم صديق منه. وحدثني خاطر عن المظاهرة كمتلق تاريخ. وأردت أن أسمعها ممن ربما حضر الواقعة عن كثب. فهاتفته ووجدت زوجته التي قالت أنه خرج. واستعجلت كتابة المقال فأخذت برواية خاطر. وقصدت في إجازات أخرى أن التقي صديقاً. ولكن القدم له رافع.

 

 اتفق مع خاطر في مناشدته عارفي فضل صديق لموالاة مشروعه لتيسسير الكتاب ووسائط المعرفة للشباب. وهذا ما حدث صديق خاطراً به قبل أسابيع من رحيله. وكان يريد لمشروعه أن يكون في الفاشر مرتع شبابه وكهولته أو في أم درمان التي رحل لها مؤخراً. وددت لو اتبعنا ذلك بتكشيف أرشيفه للصحف السودانية. فقد سمعت منه هو نفسه أن له منها أرشيفاً جاذباً.  قبره في عالي الجنان كما قالت الوالدة دائماً.              

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً