فجر الدولة التأسيسية للسودان الجديد (تأسيس). 20 فبراير 2026 — أوغندا، أفريقيا، وإعادة البناء الهيكلي للسودان

د. احمد التيجاني سيداحمد ٢١ فبراير ٢٠٢٦ روما ايطاليا

تقديمً
في 20 فبراير 2026، استقبل فخامة رئيس جمهورية أوغندا يوري موسفيني بالقصر الرئاسي في عنتبي وفد تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) برئاسة رئيس المجلس الرئاسي الفريق أول محمد حمدان دقلو. لم يكن اللقاء مجرد مناسبة دبلوماسية عابرة، بل مثّل عودة السودان الواضحة إلى مركزه المؤسسي الأفريقي، وإعلاناً عملياً عن دخول مرحلة هيكلية جديدة.

نال السودان استقلاله في 1 يناير 1956، محققاً السيادة السياسية. غير أن البنية الإدارية المركزية الموروثة ظلت قائمة دون إعادة تصميم حقيقية. وعلى مدى عقود، انشغل الفاعلون المدنيون والعسكريون بالتنافس على السيطرة على هذه الدولة المركزية بدلاً من إعادة هيكلتها. ومع مرور الوقت، تعمقت النزعة الأمنية في الحكم، وأصبح النظام أكثر تركّزاً واستخراجياً.

أدى انقلاب 30 يونيو 1989 إلى تعميق قبضة الدولة الأيديولوجية ودمج الحكم بالبنى الأمنية والحزبية. ثم جاء تدخل 25 أكتوبر 2021 ليعيد تمركز السلطة داخل الإطار الأمني. أما الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 فقد كشفت هشاشة النموذج المركزي وأظهرت استنزافه الكامل.

لم يكن ما انهار مجرد حكومة.
بل كان هيكلاً كاملاً.

توضيح المسار الدبلوماسي

في خطابه العلني في كمبالا بتاريخ 20 فبراير 2026 أمام الجالية السودانية، أوضح الفريق أول محمد حمدان دقلو أن زيارته إلى أوغندا جاءت استجابةً لدعوة من الرئيس يوري موسفيني، وأن هذه الدعوة جاءت عقب طلبٍ تقدمت به السلطات المرتبطة بالفريق أول عبد الفتاح البرهان.

إذا صح هذا التسلسل، فإنه يبرز حقيقة مهمة: دور أوغندا لم يكن منحازاً، بل جسّد استعداداً أفريقياً لتوفير مساحة مؤسسية للحوار في ظل الأزمة السودانية.

تكمن أهمية لقاء عنتبي في أن الفضاء الأفريقي أصبح الساحة المركزية لإعادة تموضع السودان سياسياً.

إعادة الضبط فرضها الانهيار

لم تكن إعادة ضبط المسار خياراً سياسياً طوعياً، بل نتيجة لانهيار هيكلي.

كشفت الحرب عن اختلالات متراكمة:

  • هيمنة المنظور الأمني على الحكم
  • إخضاع الاقتصاد لمعادلات القوة
  • تهميش الأطراف و استخدامها كادوات و ليست كما يجب كرافد دايم للزخم الاجتماعي الحضاري
  • الاعتماد على تصدير المواد الخام
  • تركّز الممرات الاقتصادية

ظل السودان لعقود يؤدي دور المورّد الأولي للمنتجات الزراعية والموارد الخام لدول الجوار وشركاء إقليميين، خاصة مصر وبعض دول الخليج، إلى جانب ممرات تجارية غير محكمة نحو عدد من دول الجوار.

*كانت أرضه تُطعم غيره.
*وثروته الحيوانية تُصدَّر حية.
*ومحاصيله الحقلية و الغابية تُغادر دون تصنيع.
*وذهبه يُستخرج دون تعظيم القيمة داخلياً.

**عمل السودان كحديقة خلفية ضمن منظومات اقتصادية أكبر.

المرحلة التأسيسية ترفض هذا الدور المختزل.

السيادة الإنتاجية تعني اليوم:

  • التصنيع قبل التصدير
  • التكرير قبل الشحن
  • التعبئة قبل العلامة التجارية
  • الاحتفاظ بالقيمة قبل توسيع الحجم

هذا ليس رفضاً للشراكات.
بل إعادة توازن.

أفريقيا منصة التجديد

البيئة الجيوسياسية الطبيعية للسودان تقع في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، وتشمل شراكاته البنيوية أوغندا وكينيا وإثيوبيا وتشاد.

الانخراط في أوغندا يضع السودان ضمن إطار دول (الإيقاد) والبنية المؤسسية الأفريقية الأوسع.

وقد ظل الرئيس موسفيني أحد الفاعلين الرئيسيين في مسارات الاستقرار الإقليمي بشرق أفريقيا. واستقباله وفد تأسيس يعكس إدراكاً بأن السودان يمر بتحول هيكلي لا بأزمة عابرة.

لقد وفرت أوغندا مساحة قارية لإعادة البناء السوداني داخل الأطر الأفريقية.

الوفد الرسمي إلى أوغندا

مثّلت زيارة عنتبي عرضاً عملياً لبنية الحكم الناشئة.

وضم الوفد:

  • الفريق أول محمد حمدان دقلو، رئيس المجلس الرئاسي
  • القائد عبد العزيز آدم الحلو، نائب رئيس المجلس
  • رئيس مجلس الوزراء محمد حسن التعايشي
  • وزير شؤون مجلس الوزراء إبراهيم الميرغني
  • الدكتور الهادي إدريس يحيى، حاكم إقليم دارفور
  • الطاهر أبو بكر حجر
  • سليمان صندل، وزير الداخلية
  • عمار أموم، وزير الخارجية

عكس هذا التشكيل توازناً بين القيادة الرئاسية، السلطة التنفيذية المدنية، الإدارة الإقليمية، والتمثيل الدبلوماسي.

التأسيس المؤسسي: سلطة العون الإنساني

كخطوة إدارية أولى منظمة، أنشأ تحالف تأسيس سلطة مدنية مستقلة للعون الإنساني.

تم تعيين الوزير عزالدين الصاوي رئيساً لسلطة العون الإنساني، بما يضمن الفصل الواضح بين العمل الإنساني والهياكل العسكرية أو الأمنية.

يتيح هذا:

  • رقابة مدنية
  • تنسيقاً شفافاً
  • شراكة منظمة مع المانحين الدوليين

وتظل الولايات المتحدة ودولة الإمارات العربية المتحدة من أكبر المساهمين في دعم الجهود الإنسانية بالسودان.

الاستقرار الإنساني هو الركيزة التشغيلية الأولى للمرحلة التأسيسية.

محركات السيادة الثلاثة

تتجسد إعادة البناء عبر:

  1. تصنيع الثروة الحيوانية بدلاً من تصديرها حية.
  2. تصنيع الحبوب الزيتية والحبوب و المنتوجات الغابية (الصمغ) بدلاً من تصديرها خاماً.
  3. تكرير المعادن داخلياً لتعظيم العائد الوطني.

السيادة تُصنع عبر الاحتفاظ بالقيمة.

فجر الدولة الجديدة

لن يُذكر يوم 20 فبراير 2026 كموعد بروتوكولي عابر.
بل كاليوم الذي عاد فيه السودان إلى فضائه الأفريقي المؤسسي، وأعلن بدء إعادة تصميم هيكله الوطني.

قدّم نموذج 1956 العلم.
أما المرحلة التأسيسية فتسعى لتقديم السيادة الإنتاجية، والحكم المدني، والاندماج الأفريقي.

إذا استمرت هذه العملية بانضباط وفصل مؤسسي واضح، فقد يمثل هذا التاريخ اكتمال الاستقلال الحقيقي للسودان.

فجر السودان الجديد لا يشرق من العزلة.
بل من البنية.
وفي 20 فبراير 2026، خطت تلك البنية أولى خطواتها القارية.

المحطات المفصلية

1 يناير 1956 — استقلال السودان
30 يونيو 1989 — انقلاب إسلاموي عنصري عسكري
25 أكتوبر 2021 — تدخل عسكري اسلاموي للقضاء علي الثورة الديسمبرية
15 أبريل 2023 — اندلاع الحرب الشاملة التي فجرتها القوي الاسلاموية
20 فبراير 2026 — استقبال وفد سلطة الـتأسيس (السودان الموحد) في عنتبي

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

قيادي مؤسس في تحالف تأسيس

التاريخ: 20 فبراير 2026 – روما، إيطاليا

ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

عن د. احمد التيجاني سيد احمد

د. احمد التيجاني سيد احمد

شاهد أيضاً

جنوب السودان: دولةٌ حقيقية لا تختزلها صورة

جنوب السودان: دولةٌ حقيقية لا تختزلها صورة. قراءة تحليلية في شرعية الدولة ومؤسساتها، بعيدًا عن …