محمد هاشم محمد الحسن.
بناء الدولة لا يخضع لقوانين إدارة الخنادق، وهذه هي الحقيقة العارية التي تصطدم بها قيادة الجيش السوداني اليوم في بورتسودان. فعندما يجد مركز السلطة نفسه في مواجهة خطر وجودي مباغت، كما حدث في أبريل ٢٠٢٣، فإن أول ما يسقط هو ترف الاختيار الأيديولوجي أو الحسابات السياسية بعيدة المدى. إذ تفرض غريزة البقاء المجرّدة معادلة واحدة تتمثل في الحصول على السلاح الحاسم وبأي ثمن لكسر التفوق الميداني للخصم.
لكن الأزمة الحقيقية في حسابات الحروب تكمن في أن الأدوات والتحالفات التي تمنح طوق النجاة لتأمين الصمود العسكري، هي نفسها التي تتحول إلى مقصلة سياسية تخنق الشرعية الدولية عندما يحين وقت الانتقال من منطق جبهات القتال إلى منطق إدارة الدولة ونيل الاعتراف الخارجي.
والتقارب العسكري بين الخرطوم وطهران في أواخر عام ٢٠٢٣ لم يكن نتاج تقارب فكري، بل كان حاجة ميدانية ملحة أملتها خطوط النار، إذ منحت المسيّرات الهجومية الإيرانية الجيش تفوقاً تكنولوجياً سمح له بوقف التمدد الأفقي السريع لقوات الدعم السريع واستعادة المبادرة في مواقع حيوية.
بالتوازي مع هذا الدعم الخارجي، شرعت جبهة الجيش الداخلية أبوابها أمام مقاتلي التيار الإسلامي ككتيبة البراء بن مالك لتعويض النقص الحاد في القوة البشرية على الأرض.
ومن منظور عسكري بحت، نجحت هذه البراغماتية الخشنة في منع انهيار المؤسسة العسكرية ومركز السلطة في بورتسودان، لكنها من منظور جيوسياسي منحت خصوم الجيش الورقة الأكثر فاعلية لتسويقه أمام العواصم الغربية والإقليمية كواجهة لمحور عسكري وأيديولوجي مقلق ومرفوض.
هذه التوليفة العسكرية منحت قوات الدعم السريع مادة دسمة لبناء سرديتها السياسية والدبلوماسية، فبالرغم من الجرائم والانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها على الأرض، استطاعت من خلالها اختراق بعض الدوائر الدولية وتقديم نفسها كحائط صد يمنع عودة نظام الإسلاميين وبناء موطئ قدم إيراني على البحر الأحمر.
هذا التسويق وجد صدى وتلقفاً ذكياً في بعض عواصم القرار، لكن المستفيد الأكبر منه كانت أبوظبي، إذ تحولت السردية بيدها من مجرد بروباغندا إعلامية لقوات الدعم السريع، إلى ذريعة سياسية متماسكة تبرر بها تموضعها الجيوسياسي في هذه الحرب.
فالمسألة بالنسبة للإمارات تتجاوز تفاصيل المعارك الميدانية إلى معادلاتها الصفرية الصارمة تجاه تيار الإسلام السياسي في المنطقة. ومن هذا المنطلق، لم يعد ثقل أبوظبي الدبلوماسي يتحرك لمجرد خصومة ظرفية مع بورتسودان، بل بات يستخدم ورقة التغلغل الإسلامي والتحالف مع طهران كرافعة شرعية لعزل السلطة الحالية وحرمان الجيش من أي حاضنة دولية.
والنتيجة الحتمية لهذا التقاطع الجيوسياسي أن الجيش وجد نفسه مدفوعاً إلى مربع الدفاع المستمر عن هويته السياسية، فالمطلوب منه في الغرف المغلقة ليس إثبات كفاءته العسكرية في الميدان، بل تقديم صكوك براءة تثبت أنه يمثل مؤسسة دولة مستقلة وليس غطاءً عسكرياً لتحالف حرب.
وأمام هذا المأزق الدبلوماسي المعقد، يتضح أن المسألة تتجاوز ما يبدو للوهلة الأولى مجرد إعادة ترتيب للعلاقات الخارجية ولائحة الحلفاء، فذلك ليس سوى تفسير سطحي وقراءة للقشرة. إذ إن ما يجري في الحقيقة هو محاولة مستميتة لإعادة تعريف المؤسسة العسكرية نفسها، بعد أن أعادت ظروف الحرب تعريفها أمام العالم.
وطوال ثلاثة أعوام من قتال الاستنزاف الصاعق، لم يكن الجيش يقاتل لتغيير موازين القوة على الأرض فحسب، بل كان يتغير هو ذاته في غبار المعارك ، إذ فرضت عليه حسابات الميدان التخلي تدريجياً عن نمط العمل العسكري النظامي الصارم، والتحول نحو صيغة الجيش الهجين الذي تذوب في خنادقه الحدود الفاصلة بين القوات النظامية، وكتائب المستنفرين، والميليشيات الحليفة ذات الخلفيات العقائدية والجهوية المختلفة.
ولهذا السبب تحديداً، دخل الحرب باعتباره مؤسسة دولة شرعية مشدودة إلى تقاليدها العسكرية الكلاسيكية، ليصبح في نظر كبريات العواصم جزءاً من معسكر سياسي هجين تتحكم جبهاته الخلفية في هندسة قراره الاستراتيجي.
ومن هنا تصبح أصعب مهمة تواجه الجيش اليوم هي استعادة هذا التعريف القديم، بينما النيران لا تزال تشتعل في الخنادق الخلفية وتفرض شروطها على مراكز صناعة القرار.
هذا الفهم يفسر لماذا اختار الجيش الذهاب إلى واشنطن في هذا التوقيت تحديداً؛ فالأمر لا ينبع من تبدل مفاجئ في العقيدة العسكرية، بل لأن القيادة تعتقد أن ميزان الحرب الميداني بدأ أخيراً يسمح لها بالتفكير في ملامح التسوية السياسية وشكل الحكم المستقبلي.
وهنا يكمن جوهر التحول، فالجيش لم يذهب إلى واشنطن ليطلب دعماً أو سلاحاً، بل ليقول إن إيران كانت تحالف ضرورة لا تحالف خيار، وإن المؤسسة العسكرية لا تريد أن تُعرَّف بعد اليوم من خلال تلك المرحلة.
عند هذه النقطة، برز إدراك داخل المؤسسة العسكرية بأن واشنطن لا تعاقب بورتسودان على مجرد استيراد السلاح الإيراني، وإنما تعاقب التموضع الجيوسياسي الجديد الذي قد يمنحه هذا النفوذ لطهران بمحاذاة الممرات المائية الحيوية.
وهو ما دفع بورتسودان إلى تقديم تعهدات حاسمة بقطع الصلة بطهران كشرط إجباري لنيل غطاء سياسي ومالي من واشنطن وعواصم الخليج، وتحديداً الرياض التي تشترط غياب أي نفوذ إيراني بمحاذاة حدودها البحرية.
وفي ذات الاتجاه، جاء الانفتاح السوداني المتزايد على أنقرة ليقدم مخرجاً استراتيجياً تمت هندسته بدقة، حيث توفر تركيا، كدولة عضو في حلف شمال الأطلسي ومقبولة دولياً، مسيّرات متطورة تمنح الميدان كفاءته العسكرية دون دفع الثمن السياسي والأيديولوجي الباهظ المرتبط بطهران.
لكن التدقيق في هذا المسار يكشف أن تركيا لا تعالج أزمة الجيش البنيوية، بل تعالج أزمة صورته الخارجية فقط، بينما تظل المعضلة الأعمق تتفاقم في الداخل، وهي ورطة عبد الفتاح البرهان الحقيقية مع الجماعات الإسلامية التي تشكل العصب العقائدي والمنظم للجبهات، والمنخرطة في القتال بحسابات صريحة تهدف للعودة إلى سدة السلطة.
وهنا تتجلى المعضلة في أن كل خطوة يخطوها البرهان لإقناع واشنطن بإبعاد الإسلاميين هي في الوقت نفسه اختبار حرج لقدرته على فرض إرادته داخل معسكره، فالقيادة العسكرية تدرك أن التضحية بهذه الجبهة العقائدية تعني انتحاراً ميدانياً أمام الدعم السريع. وفي المقابل، فإن المقاتلين الإسلاميين لن يترددوا في إسقاط البرهان سياسياً، أو حتى التخلص منه إذا رأوا أن تنازلاته الدبلوماسية تهدد مشروع عودتهم إلى الحكم.
وبناءً على ذلك، جاءت خطوة البرهان بإبعاد عدد من الضباط المحسوبين على التيار الإسلامي كمناورة تكتيكية محدودة الأثر لاحتواء الضغوط الخارجية. وهي مناورة لا تثبت أن البرهان يسيطر على المعسكر، بل تثبت أنه مضطر إلى إثبات أنه ما زال يمسك بزمام الأمور لامتصاص الضغط الخارجي، دون القدرة على المساس بالبنية العقائدية الصلبة على الأرض.
وإذا فك الجيش ارتباطه بالإسلاميين تلبيةً للشروط الدولية قبل حسم الحرب عسكرياً، فإنه يواجه سيناريو التفكك الداخلي. وإذا فشل في إقصائهم، فإن واشنطن قد تدفع نحو تسوية تضغط على معسكر بورتسودان وتعيد توزيع النفوذ داخله لصالح قوى مدنية مدعومة إقليمياً.
هذا الانسداد الجيوسياسي يكشف أن المعركة المقبلة في السودان لم تعد تقتصر على خطوط النار التقليدية، بل إن النذر تشير إلى اقتراب مواجهة صامتة وربما دامية داخل معسكر بورتسودان نفسه، وهي ما يمكن تسميتها بـ حرب الكرامة الثانية على هوية القرار.
ربما يكون الدعم السريع هو الخصم الذي فرض على الجيش هذه التحالفات الخشنة في لحظة اضطرار، لكن هذه التحالفات نفسها قد تصبح الخصم الحقيقي الذي يحدد مستقبله ويخنق طموحه.
فالحروب لا تنتهي دائماً بانتصار طرف على آخر، بل أحياناً تبدأ مرحلتها الأكثر ضراوة عندما يحاول الطرف الذي استعاد زمام المبادرة التخلص من الحلفاء الذين أوصلوه إلى لحظة الانتقال من معركة البقاء، إلى معركة الشرعية.
herin20232023@gmail.com
