د. علي عبدالقادر
لا يمكن الحديث عن الوجود السوداني في فرنسا باعتباره ظاهرة هجرة حديثة بدأت في العقود الأخيرة فقط؛ فهناك، في الواقع، حضور سوداني موثق في فرنسا يعود إلى القرن التاسع عشر، وإن كان في سياق عسكري استثنائي، تمثل في الأورطة المصرية السودانية التي شاركت في الحملة الفرنسية على المكسيك بين عامي 1863م و1867م.
ثم انقطع هذا المسار العسكري الطويل، ليظهر بعد ذلك الوجود السوداني المدني بصورة تدريجية، ومن ثم فإن تاريخ السودانيين في فرنسا يمكن قراءته بوصفه سلسلة من الموجات المتعاقبة، اختلفت دوافعها وظروفها الاجتماعية والسياسية، لكنها أسهمت جميعًا في تشكيل الوجود السوداني الحالي.
أولًا: البداية الموثقة — الأورطة المصرية السودانية والحملة على المكسيك
يمكن أن نبدأ الوجود السوداني الموثق في فرنسا من عودة الأورطة المصرية السودانية إلى فرنسا سنة 1867م، ضمن مسار عودتها من المكسيك إلى مصر.
وقد جاءت مشاركة هذه الأورطة في سياق الحملة الفرنسية على المكسيك ) 1862 (1867-فقد بدأت فرنسا وإسبانيا وبريطانيا تدخلًا عسكريًا ضد المكسيك بسبب الديون والمطالبات المالية، ثم انسحبت القوات الإسبانية والبريطانية، بينما واصلت فرنسا تدخلها العسكري، وانتهى الأمر بتنصيب الأرشيدوق النمساوي ماكسيميليان إمبراطورًا على المكسيك بدعم فرنسي.
وفي هذا السياق طلب نابليون الثالث من والي مصر سعيد باشا إرسال قوة عسكرية للمشاركة في الحملة. وكان سعيد باشا قد توفي في يناير 1863م، وخلفه إسماعيل باشا، الذي أرسل القوة المصرية السودانية إلى المكسيك.
وقد بلغ قوام القوة نحو 450 جنديا وضابطا ، وصلت القوة إلى المكسيك عن طريق البحر، وشاركت في عشرات العمليات والاشتباكات العسكرية خلال الحملة. وتشير رواية الأمير عمر طوسون إلى أن 313 رجلًا عادوا إلى مصر، بينما فُقد نحو 140 رجلًا بسبب المعارك والامراض
وقد قدم ريتشارد هيل وبيتر هوغ دراسة أساسية عن هذه القوة بعنوان:
A Black Corps d’Élite: An Egyptian Sudanese Conscript Battalion with the French Army in Mexico, 1863–1867, and Its Survivors in Subsequent African History.*
كما تناول الأمير عمر طوسون تاريخ الأورطة في كتابه: “بطولة الأورطة المصرية السودانية في حرب المكسيك، الذي صدر في 1933، وأصبح من أهم المصادر العربية المبكرة عن هذه الحملة.
وكانت الأورطة المصرية السودانية جزءًا من القوات المصرية التي شاركت في الحملة المكسيكية، وكان يقودها ضباط من الجيش المصري، وكان من أبرز قادتها جبر الله، ثم تولى القيادة بعده محمد الماظ ) محمد ألماس(، Mohammed Almas). بعد مقتل جبر الله،
منح نايليون الثالث محمد الماس “الماظ” وسام فارس Chevalier de légion d’honneur ، كما منحه صليب الضابط La Croix d’officie ، ويظن ان محمد الماظ هو احد اجداد او أعمام عبدالفضيل عيسى الماظ الذي شارك مع علي عبداللطيف في ثورة اللواء الأبيض في 1924م.
ومن بين المكرمين أيضا عبدالرحمن موسى والذي منح وسام جوقة الشرف Chevalier de légion d’honneur ، ويكتسب وجوده أهمية خاصة لأنه توجد له صورة فوتوغرافية تاريخية التُقطت في باريس سنة 1867م، وهي محفوظة ضمن مقتنيات Musée de l’Armée في مجمع Invalide.
وقد خصصت المؤرخة Heather J. Sharkey دراسة لهذه الصورة بعنوان:
The Photograph of ‘Abd al-Rahman Musa in Paris (1867): A Sudanese Veteran of the Egyptian Army in Mexico.
وإقيم حفل التكريم في 9 مايو 1867م في Cour des Tuileries في باريس.
ومن بين المكرمين كذلك علي جفون ، ورمضان كوكو.
بعد انتهاء تجربة الأورطة المصرية السودانية في القرن التاسع عشر، لا نستطيع أن نتحدث عن وجود سوداني مستمر ومتصل في فرنسا دون فجوات.
ثانيا :الوجود المدني والهجرة السودانية الحديثة التي بدأت تتشكل بصورة أوضح خلال القرن العشرين.
صدر كتاب الأمير عمر طوسون وهو ابن عم الملك فاروق الذي كان اخر ملك لمصر ” بطولة الاورطة المصرية السودانية” في العام 1933م .
وصل عمنا المرحوم مصطفي دكومة الى فرنسا مع عائلة طوسون كسكرتير خاص في العام 1948م و كان يحمل جواز سفر بريطاني باعتبار ان السودان كان تحت الاستعمار البريطاني، وبقى بفرنسا حتى مماته في العام 2024م: ولذبك بعتبر من أوائل السودانيين الذين وصولوا الى فرنسا بعد الاورطة المصرية السودانية
عمنا المرجوم مصطفى دكومة من مواليد 1925 بمنطقة الخندق ريفي القولد بشمال السودان.
ومن الذي وصلوا بعده في الخمسينات المرحوم يوسف شيخ طويل، حسن محمد إدريس، حسن عبدالرحمن، حسن أرباب، ومن الذين وصلوا في الستينات، عثمان تأبيده، عبدالله إدريس، محمد حسن خيري، حسن كجوك، الفاضل عثمان، سعيد عثمان، ومن الذين وصلوا في السبعينات عبدالله بصير، علي ماجد، عبدالله فرح، طه عثمان، عمر كجوك.
ثم تواصل الوجود السوداني في فرنسا بصورة أكثر كثافة ونستعرض ذلك كما يلي :
موجة الطلاب والمتعلمين: الثمانينيات
خلال الثمانينيات ظهرت موجة ثانية أكثر ارتباطًا بالتعليم؛ جاء سودانيون إلى فرنسا لتعلم اللغة الفرنسية أو للدراسة الجامعية، ثم اختار بعضهم الاستقرار فيها. وتزامن ذلك مع تطور العلاقات الثقافية والعلمية بين فرنسا والسودان.
الهجرة السياسية بعد انقلاب 1989م
شكّل انقلاب 30 يونيو 1989م نقطة تحول كبيرة، فقد بدأ وصول معارضين سياسيين ونشطاء ونقابيين سودانيين إلى فرنسا، بعضهم كلاجئين سياسيين.
دارفور والحروب: من بداية الألفية إلى 2010م
أحدثت حرب دارفور منذ 2003 تحولًا آخر في الهجرة السودانية إلى فرنسا. فقد وصل سودانيون من دارفور ومناطق أخرى نتيجة الحرب والعنف والاضطهاد، وأصبح اللجوء أحد أهم مسارات وصول السودانيين إلى فرنسا.
توسع الجالية منذ 2010م
ثم منذ بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ارتفع وصول السودانيين إلى فرنسا بشكل واضح..
من ديسمبر 2018 الى ابريل 2023م
. وصلت إلى فرنسا أعداد جديدة من السودانيين، بينما تحولت الجالية الموجودة أصلًا إلى شبكة دعم للعائلات والقادمين الجدد.
وبذلك أصبحت الجالية لا تقتصر على الطلاب والمهنيين والمعارضين السياسيين القدامى، بل تضم أيضًا لاجئين ونازحين من مختلف أنحاء السودان.
أي أن الجالية السودانية لم تتشكل في موجة هجرة واحدة، وإنما عبر مراحل متعاقبة اختلفت فيها دوافع الوصول إلى فرنسا: الهجرة الفردية والعمل والتعليم في البدايات، ثم الهجرة السياسية بعد انقلاب 1989، ثم اللجوء المرتبط بحرب دارفور منذ 2003، وأخيرًا موجات اللجوء الجديدة المرتبطة بالحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023.
الجيل الثاني والهوية السودانية–الفرنسية
مع استقرار العائلات السودانية وولادة أطفال في فرنسا، بدأت تظهر قضية جديدة هي قضية الجيل الثاني.
وهؤلاء لا يعيشون التجربة نفسها التي عاشها المهاجرون الأوائل. فهم يتحدثون الفرنسية بصورة طبيعية، ويتعلمون في المدارس الفرنسية، ويعيشون الحياة الاجتماعية الفرنسية، ولكنهم في الوقت نفسه يرتبطون بالسودان من خلال الأسرة واللغة والطعام والدين والزيارات والذاكرة.
لذلك أصبحت الهوية لدى جزء من الجيل الجديد هوية مزدوجة أو متعددة: فرنسية وسودانية في الوقت نفسه.
وبذلك يمكن ان نعدد المجموعات التي تشكل الجالية السودانية اليوم بفرنسا كالتالي :
التركيبة الاجتماعية للجالية السودانية
لا يمكن النظر إلى السودانيين في فرنسا باعتبارهم مجموعة متجانسة.
فالجالية تضم، بدرجات متفاوتة:
الجيل الأول الذي استقر في فرنسا منذ السبعينيات.
الطلاب والمثقفين الذين وصلوا في الثمانينيات.
المعارضين السياسيين الذين وصلوا بعد 1989م.
اللاجئين القادمين من دارفور ومناطق أخرى منذ بداية الألفية.
مهاجرين من مناطق سودانية مختلفة.
الجيل الثاني والثالث المولود في فرنسا.
الذين وصلوا خلال مرحلة الثورة السودانية وما بعدها.
موجات اللجوء الجديدة المرتبطة بالحرب منذ 2023.
وتختلف أوضاع أفراد الجالية من حيث التعليم والدخل والمهنة والوضع القانوني والعمر واللغة.
ولهذا فإن الجالية السودانية ليست كتلة اجتماعية واحدة، بل هي مجتمع متعدد الطبقات والخلفيات والتجارب.: ولهذا فمن الأدق استخدام تعبير “الجاليات السودانية داخل الجالية السودانية” عند دراسة الاختلافات الداخلية.
نمو الجالية وظهور المجال السوداني في باريس
خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أصبحت باريس وضواحيها مركزًا مهمًا للحياة الاجتماعية السودانية.
وتبرز منطقة La Chapelle في الدائرة الثامنة عشرة من باريس باعتبارها إحدى المناطق التي شهدت ظهور متاجر ومطاعم وخدمات مرتبطة بالسودانيين.
ولم تكن هذه المؤسسات التجارية مجرد مشاريع اقتصادية؛ بل أدت أيضًا وظيفة اجتماعية مهمة.
فالمطعم أو المتجر يمكن أن يصبح:
مكانًا للقاء السودانيين؛
نقطة للحصول على المعلومات؛
فضاءً للحديث باللغة العربية؛
وسيلة للحفاظ على الطعام والعادات السودانية؛
نقطة اتصال للقادمين الجدد؛
وأحيانًا مساحة للنقاش السياسي.
وهكذا تشكل في باريس ما يمكن تسميته المجال الاجتماعي السوداني، أي شبكة من الأماكن والأشخاص والمؤسسات التي تسمح للجالية بإعادة إنتاج جزء من الحياة الاجتماعية السودانية داخل فرنسا.
الجمعيات وبناء المجتمع السوداني
تظهر البيانات الفرنسية الرسمية أن عدد طلبات اللجوء الأولى المقدمة من السودانيين في فرنسا بلغ 5,902 طلبًا في 2025
وتظهر بيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الإقتصادية INSEE أن عدد الأشخاص المولودين في السودان والمصنفين كمهاجرين في فرنسا ارتفع بصورة كبيرة بين التعدادات؛ ففي بيانات التعداد المعروضة كان العدد 15,500 شخصًا عام 2019 مقابل 4,500 في 2009 و2,300 في 1999.
ومع زيادة عدد السودانيين، ظهرت جمعيات تهدف إلى الحفاظ على الثقافة السودانية، مساعدة القادمين الجدد، وتنظيم الأنشطة الاجتماعية والسياسية.
من الأمثلة جمعية الجالية السودانية في فرنسا Association de la communautés soudanais en France (ACSF) التي تأسست سنة 2006،
كما تأسس تجمع السودانيين في فرنساRassemblement des Soudanais de France (RSF) سنة 2011، وتأسست رابطة السودانيين بفرنسا Ligue des Soudanais de France
و أهداف هذه الجمعيات تشمل تنسيق الأنشطة الثقافية والاجتماعية ومساعدة السودانيين في فرنسا والتعريف بتاريخ السودان وثقافته. من خلال المؤتمرات والندوات والمعارض والفعاليات الثقافية.
التحديات المستقبلية للجالية بعد 2026م
مع استمرار الحرب السودانية، تواجه الجالية مجموعة من التحديات.
ارتفاع طلبات اللجوء السودانية يعني استمرار وصول أشخاص يحتاجون إلى الحماية والسكن والتعليم.، تحتاج الجالية الجديدة إلى تسريع الانتقال من اللجوء إلى العمل والاستقرار. الحفاظ على الهوية أي سيكون من الضروري نقل اللغة والثقافة السودانية إلى الجيل الثاني والثالث.، ظهور جيل سوداني–فرنسي جديد
سيكون لهذا الجيل دور أساسي في تحديد مستقبل الجالية؛ فهو أكثر اندماجًا في المجتمع الفرنسي، لكنه يحمل في الوقت نفسه ذاكرة سودانية من خلال الأسرة.
خلاصة تاريخية
يتضح من هذا العرض أن الوجود السوداني في فرنسا لم يتشكل في موجة هجرة واحدة، وإنما عبر مراحل تاريخية متعاقبة.
بدأت إحدى أقدم حلقاته الموثقة مع الأورطة المصرية السودانية التي شاركت في الحملة على المكسيك ووصل أفرادها إلى فرنسا سنة 1867م، ومن أبرز أسمائها محمد الماظ وعبدالرحمن موسى.
ثم جاء الوجود السوداني المدني في القرن العشرين، وبرزت نواته في السبعينيات، تلتها موجة الطلاب والمتعلمين في الثمانينيات، ثم الهجرة السياسية بعد انقلاب 1989م، ثم موجات اللجوء المرتبطة بحرب دارفور منذ 2003م.
ومنذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين توسع الوجود السوداني بصورة أكبر، وأصبحت باريس وضواحيها مركزًا اجتماعيًا وثقافيًا مهمًا، خصوصًا في منطقة لا شابيل في الدائرة الثامنة عشر بباريس
.
ثم جاءت ثورة ديسمبر 2018م فأظهرت الجالية السودانية في الفضاء العام الفرنسي بصورة أكبر، قبل أن تفتح حرب أبريل 2023م فصلًا جديدًا من الهجرة واللجوء.
وبذلك يمكن النظر إلى تاريخ السودانيين في فرنسا بوصفه انتقالًا من وجود عسكري استثنائي في القرن التاسع عشر، إلى وجود مدني واجتماعي وثقافي متنامٍ في القرنين العشرين والحادي والعشرين.
والأهم أن هذا التاريخ لم يُكتب بعد بصورة كاملة؛ فما زالت هناك أسماء سودانية كثيرة في الأرشيف الفرنسي لم تُدرس، وما زالت قصص العائلات الأولى في فرنسا بحاجة إلى الجمع والتوثيق.
ومن هنا فإن كتابة تاريخ السودانيين في فرنسا ليست مجرد استعادة للماضي، وإنما هي أيضًا محاولة لحفظ ذاكرة مجتمع سوداني–فرنسي آخذ في التشكل.
مصادر ومراجع مختارة
Richard Hill & Peter Hogg, A Black Corps d’Élite: An Egyptian Sudanese Conscript Battalion with the French Army in Mexico, 1863–1867, and Its Survivors in Subsequent African History, Michigan State University Press, 1995.
عمر طوسون، بطولة الأورطة المصرية السودانية في حرب المكسيك، الطبعة الأولى 1933.
Heather J. Sharkey, The Photograph of ‘Abd al-Rahman Musa in Paris (1867): A Sudanese Veteran of the Egyptian Army in Mexico.
John Jayet، دراسة عن الأورطة المصرية السودانية والحملة المكسيكية، مع إحالات إلى الوثائق الفرنسية الأصلية.
Archives diplomatiques françaises, Légation de France à Mexico:
432PO/1/233، Expédition de 1862–1867 — Correspondance générale — Corps expéditionnaire — Dossier général.
432PO/1/234، Maréchal commandant en chef (1863–1867) ; cabinet du Général en chef.
432PO/1/235، État-major général (1863–1867) ; Commissariat extraordinaire des finances.
Maryline Baumard, «Les Soudanais, une nouvelle communauté en France», Le Monde, 11 octobre 2017، حول تطور المجتمع السوداني في فرنسا ومنطقة لا شابيل.
