فرصة للتضريبات الحسابية! .. بقلم: د. مرتضى الغالي
19 مارس, 2018
د. مرتضى الغالي, منبر الرأي
117 زيارة
عبارة المتحدث الرئاسي (محاربة الفساد بالقرآن) تحتاج إلى مذكرة تفسيرية وإلا كانت من العبارات المبهمة التي تجعل الناس يخشون أن يكون الواقع معكوساً! وإذا قلنا إن هذه العبارة تعني (التحذير الوقائي من الفساد) للذين يخافون الله، فماذا تفعل أجهزة الحكومة بالذين (لا يخافون الله) ولا يسمعون كلام القرآن ووردت بشأنهم قضايا فساد وفق تقارير المراجع العام أو وفق القرائن.. والقرائن (ببساطة) هي خصم مرتب الشخص في “سنوات عمله” من “قيمة ممتلكاته” وسؤاله عن مصدر الفرق “بين الحسابين”! و(البلد ضيّقة) كما تقول الحكمة الشعبية، لذلك يعرف الناس أحوال أصحاب الوظائف العامة (قبل تقلّد الوظيفة وبعدها)! ولا ينتظر الناس من القابضين على السلطة مثل هذه المواعظ، بل القرارت السياسية والإدارية الناجعة التي تحارب الفساد (الكمدة بالرمدة)؛ ولكن هذا التوقّع يشبه أن تنتظر تفتّح أكمام الورود في (صحراء بيوضة) وستظل الأوهام تدور حول الأرض في انتظار أن تلبس الحقيقة حذاءها!
وإذا كان الجماعة على هذه الدرجة (من التبحّر في الفقه) لماذا لا يكون الأقرب أن يتمثّلوا بحكمة (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)؟! الناس لا يحتاجون لتصريحات المسؤولين ليعرفوا كلام القرآن عن كراهة الفساد وتشديد النكير على الفاسدين والمفسدين وتجريم سرقة المال العام أو نقله خارج الحدود وخيانة الأمانة وأكل أموال الناس بالباطل..الخ كل هذا معلوم؛ لكن كيف تتعامل الدولة مع حالات الفساد (بعد وقوعها) وبعد أن يتجرأ المفسدون على الفساد رغم كل التحذير الوارد في القرآن: فماذا تفعل أجهزة الدولة مع الذين لم يعظهم القرآن ولم يستجيبوا للأمر الإلهي؟! هنا يبدأ واجب الدولة الذي لا ينفع معه اللف ولا الدوران! وحتى مع صرف النظر عن حالات عديدة من الفساد وحصره في الإعتداء على المال العام وإخفاء عائد موارد الدولة عن الناس.. فهل هذا من الفساد المنهي عنه أم هو من (الفهلوة) الحلال التي يكون ثوابها التقدير والترقية وإعادة التعيين؟؟ وهل كتاب الله هو الذي يلقي القبض على الناس في الدنيا، أم ذلك واجب القائلين بمسؤوليتهم عن تطبيق شرع الله في الأرض؟ مثل هذا الكلام المبهم لا يغني عن الحق شيئاً ولا يلقي مسؤولية مكافحة الفساد عن ظهور من تأتمر بأمرهم أجهزة العدالة والضبطية؛ فهو كلام لا يشير إلى إجراءات عملية لمجابهة الفساد في الواقع الحي المُعاش في هذه الدنيا حيث المسؤولية الأرضية المباشرة لمن يقول إنه يتولى أمر الناس.. ومثل هذه العبارات تعني الاستخفاف بالعقول وتهديم جدران المعادلة الحقيقية القائمة بين الحاكم والمحكومين (حتى إذا تجاوزنا عن طبيعة الحكم ومشروعيته)،.. مثلها مثل العبارة التي خرجت بها مانشيتات الصحف والتي تقول على لسان المسؤول الكبير (إن شعارات الانقاذ شعارات تعبّدية تزيل الابتلاءات والفتن) فما هي هذه الشعارات التي تزيل الابتلاءات والفتن؟ وكيف تزيلها؟ فهل الشعارات أشياء مادية وأعمال واجراءات أم أن تفعيل الشعارات وتحويلها إلى عمل هو الذي ينقل الأمر من السكون إلى الحركة؟ وكتاب الله الكريم لا يقبض على الفاسدين في الدنيا ولكن العمل بما جاء فيه هو الذي (يحرّك البلاغات)؟ وهذا واجب الجهات العدلية وليس وزارة الشؤون الدينية!
murtadamore@yahoo.com