أفق بعيد
فيصل محمد صالح
الحكم بالإعدام الذي أصدرته محكمة في سنجة في أكتوبر الماضي ضد المحامي أبوبكر منصور يمثل فضيحة قانونية وأخلاقية ومهنية تسيء للقضاء السوداني ولسيرة قضاة السودان العظام اللذين ما تزال أسماؤهم وأحكامهم توزن بالذهب.
الأستاذ أبوبكر منصور المحامي من مواطني سنجة، قرر عدم الخروج من مدينته عندما احتلتها قوات الدعم السريع، وظل يقدم خدماته الطوعية والإنسانية لمن تبقى من السكان طوال فترة وجود قوات الدعم السريع. بعد استعادة الجيش لمدينة سنجة تم اعتقال المحامي منصور وقدم للمحاكمة بتهمة التعاون مع الدعم السريع وحكمت عليه المحكمة بالسجن عشرين عاما.
قدم الدفاع استئنافا ضد الحكم، وخلال فترة الاستئناف تم اعتقال محامي الدفاع أبوبكر الماحي، وفي غياب الدفاع أصدرت المحكمة العامة حكما جديدا بالإعدام على أبو بكر منصور.
أشارت البيانات الصادرة من المنظمات الحقوقية والقانونية لكثير من أوجه القصور والتسييس في الحكم، وتجاوز المحكمة لكل قواعد المحاكمة العادلة. سأترك هذا الجانب للقانونيين المتخصصين، لكن ما لم استطع تجاهله فقرة في حيثيات الحكم الصادر ضد منصور لا تحتاج لتخصص قانوني لكي نثير العجب.
لم يجد القاضي، فيما يبدو، أدلة قوية من شهود الاتهام، فقرر تقوية الحكم بسابقة قانونية، حيث أشار إلا أن “كل المواطنين الشرفاء قد خرجوا من المناطق التي تقع تحت سيطرة الدعم السريع، ولم يبق إلا الخونة والمتعاونين”. وهكذا لم يجرم القاضي المحامي أبوبكر منصور وحده، وإنما كل من بقي في المناطق التي انسحب منها الجيش وبقيت تحت سيطرة قوات الدعم السريع. وبالتالي من الممكن، استنادا لهذا الحكم، أن تتهم من تشاء من المواطنين أنه خائن وعميل متعاون مع الدعم السريع “بدليل أنه ظل في منزله بقرية كذا أو المدينة الفلانية بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها، ولم يخرج منها”.
لا أظن أن هذا الحكم سيصمد، مهما حاول القضاة المسيسون، وقد يبقى عند بعض قضاة المحكمة العليا بعض من الحياء الذي يمنعهم من تمرير وقبول الحكم هذا الحكم المخجل لكن لن يكفي هذا لكي يمسح وثيقة العار التي سطرها هذا القاضي ولطخ بها سمعة القضاة السودانيون.
وليت هذا القاضي يقرأ قصة الاسناذ الكبير أحمد خير المحامي، حين جاء لسنجة ليدافع عن حق مواطن مسكين في دكانه الذي استأجره محام كبير ورفض الخروج منه. وحين اندهش القاضي والمحامون المتضامنون مع زميلهم المحامي كيف يأتي أستاذ كبير لقضية من أجل “دكيكين”.. وهو تصغير دكان، فأجابهم العظيم أحمد خير..”بل جئت لأستعيد ثقة المواطن السوداني في النظام القضائي السوداني بعد أن علمت أنكم رفضتم تولي قضيته تضامنا منكم مع زميلكم المحامي، فقدمتم الزمالة على أسس العدالة”.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم