فضيلي جماع: عندما تصبح “الضفاف” شاهداً على نزيف الذاكرة !!

حاورته: آمنة جبران – تونس. قيم فضيلي جمّاع، أحد أبرز رموز الأدب السوداني، في حوار خاص مع موقع “جيسكا”، المشهد الثقافي في السودان وتداعيات الحرب على الخارطة الثقافية بالبلاد، كما تحدث عن إصداراته الروائية الأخيرة وهي ثلاثية تحمل عنوان: “هذه الضفاف تعرفني”، مبدياً رأيه في ذات السياق في مميزات الأدب الأفريقي وعوامل انتشاره وعالميته. وأشار إلى أن رواية “هذه الضفاف تعرفني” تميزت من حيث الموضوع بأنها طرقت مشكلات أرض بكر في الهامش العريض حيث تعيش إثنيات مختلفة في المعتقد واللغة، لكن تجمعها في المقابل مصالح المرعى وسبل كسب العيش. لذلك تناولت الرواية “مسارح مختلفة عبر هذا البلد المتعدد والواسع، كما لعب الحب بألوانه المختلفة دوراً كبيراً في البناء السردي لهذه الرواية”.. ولفت إلى أن “الحرب تركت بصمتها السالبة على المكوّن الثقافي من حيث التفاوت في التنمية النسبية والاستقرار”، وفي تقديره “يظل التعبير الإبداعي السوداني أقلّ حجماً مما أفرزته الحرب السودانية طويلة الأمد والمستمرّة إلى اليوم”. وبيّن أنّ “اللغة ليست هي المعيار الوحيد للهوية. وأن كل الإبداعات التي خطها بالإنجليزية والفرنسية قاصون وشعراء ومسرحيون من أفريقيا تعكس الوجدان الأفريقي، وأن أي إنجاز عالمي أو قاري بإحدى هذه اللغات هو إنجاز أفريقي” آمنة جبران: أيّ تداعيات للحرب في السودان على المشهد الثقافي في البلاد؟ وكيف غيّرت الحرب الخارطة الثقافية بالبلاد؟
فضيلي جمّاع: ما يجهله الكثيرون خارج بلادي (السودان) أننا قطر عاش حالة حربٍ استمرت فوق نصف القرن مذ نال السودان استقلاله من المستعمر البريطاني في العام 1956. فقد بدأت الحرب عام 1955 – أي قبل إعلان الاستقلال بخمسة أشهر – بتمرد كتيبة بلدة توريت في أقصى جنوب السودان. استمرت تلك الحرب الأهلية – مع هدنة هنا وهناك- لتنتهي بفصل جنوب السودان الذي صار دولة مستقلة عام 2013. نفس النظام الإسلاموي الذي فصل الجنوب هو الذي واصل الحرب في غرب السودان (دار فور) وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، مستمراً في حربه على شعوب السودان حتى اللحظة. هذا مختصر لسيرة الحرب في السودان السودان – أطول حرب أهلية في أفريقيا منذ منتصف القرن الماضي حتى بداية هذا القرن.
أما عن تداعيات الحرب على المشهد الثقافي السوداني، فإنّ تأثر المشهد الثقافي لبلد يتحدث سكانه فوق المائتي لغة (أقول لغة وليس لهجة)، بلد بهذا التنوع الإثني والجغرافي الكبير لابدّ أن تكون الحرب قد تركت بصمتها السالبة على المكوّن الثقافي، من حيث التفاوت في التنمية النسبية والاستقرار، ونقيض ذلك من التهميش والفقر وضعف البنية التحتية والخدمات في مساحة ربما تساوي نصف مساحة البلاد (ما عرف بالهامش) مع تعداد سكاني يساوي حوالي ثلثي سكان البلاد، مما خلق حالة من الهجرات والنزوح الداخلي.
من الطبيعي أن يخلق مثل هذا الواقع المرير تحولاً في المشهد الثقافي عبر أجيال. وبالمقابل ربما يكون الأثر الإيجابي لهذه الهجرات والنزوح أنها خلقت تركيبة سودانية جديدة في المدن الكبرى بتنوع ثقافي جديد. لكن يظل التعبير الإبداعي السوداني باعتقادي أقلّ حجماً مما أفرزته الحرب السودانية طويلة الأمد والمستمرّة بكل أسف حتى كتابة هذه السطور.
آمنة جبران: كيف يمكن للمثقف السوداني ترميم جراح الحرب ونزع فتيل النزاع وإنهاء الانقسام؟؟ فضيلي جمّاع: هذا سؤال جيد. ولأنّ وسيلة وأداة المثقّف لإطفاء الحريق – في معظم الأحوال – غير وسيلة وأدوات السلطة الحاكمة، بل كثيراً ما يصطدم المثقف بالسلطة الحاكمة، فإنّ الحديث عن المثقف في حدِّ ذاته يأخذ مستويين مختلفين: المثقف الحر المستقل من جهة ومثقف السلطة من جهةٍ أخرى.
نعيش في السودان مثلنا مثل أمم كثيرة أزمة المثقف والسلطة. فضحت هذه الحرب عندنا خيار المثقف. البعض ممن حسبناهم مثقفين منتمين لقضايا شعبنا سقطوا في الإختبار. اختاروا تحت حيل كثيرة معسكر جيشٍ يسيطر عليه حزب الإخوان المسلمين الحاكم تحت قبضة السلاح منذ يونيو/حزيران 1989. فعلوا ذلك تحت ذرائع مختلفة، ليس أقلّها حماية الوطن من العدوان الخارجي ومسميات أخرى وضحت هشاشتها لاحقاً. وفي الجانب الآخر الآخر فإنّ جماعاتٍ من المثقفين في مواقع مختلفة رفضوا الحرب الجارية حالياً. وأدانوها، بل أنشأوا تجمعاتٍ واصلت التبشير بنشر الوعي.
آمنة جبران: من بين إصداراتك رواية “هذه الضفاف تعرفني” والتي تناولها بعض النقاد في سياق بطولة المكان، وفي حوار المكونات الإثنية في السودان لبناء سودان جديد معافى ومختلف. إلى أيِّ مدى يمكن توظيف الأعمال الإبداعية حتى يقرأ المجتمع ذاته قراءة نقدية عميقة تخاطب منابت مشكلاته وبذور نشأتها الأولى؟ فضيلي جمّاع: “هذه الضفاف تعرفني” ثلاثية. صدر جزؤها الأول تحت هذا العنوان عن دار مسكلياني التونسية عام 2018. وصدر الجزء الثاني في رواية عن دار الأجنحة بعنوان: “زغرودة في حوش أبّا الناير” عام 2022م. وأعالج حالياً الجزء الثالث والأخير والذي آمل أن يصدر عن (دار الأجنحة) قبل نهاية هذا العام.
لا أظن أنّ كاتب أي نص سردي أو مسرحي أو شعري يعرف ضربة لازب المقصد والتفاصيل كاملة وهو يعالج عمله الإبداعي لحظة الشروع في الكتابة. لكن ما لا شك فيه أنّ بين أصناف الكتابة ما يذهب كاتبه للمتعة والتشويق فحسب. وهناك الكتابة بقصد التصدّي لمشكلات عصرية، مثل: الجريمة المعقّدة أو الرواية الشائعة في العالم الصناعي، من قبيل رواية “العميل السرّي” (secret agent)، وهي رواية أوجدتها تباينات مصالح الدول الصناعية الكبرى. بالنسبة لي ولروائيين ومسرحيين من بلادي ومن أفريقيا والعالم العربي، فإن قضايا مجتمعاتنا النامية تأخذ بتلابيب الكاتب – إن كان منتمياً لمجتمعه حقاً. ولأنّ الكتابة في هذه الحالة محاكاة للواقع فإنّ تفاصيل أي عمل إبداعي عندي تطرق باب مخيلتي مثل قطرات مطر غير منتظمة. لكن الثيمة الأساس (جوهر المشكلة) يتضح كلما تواصل السرد.
ربما تميّزت “هذه الضفاف تعرفني” من حيث الموضوع بأنها طرقت مشكلات أرض بكر في الهامش العريض، حيث تعيش إثنيات مختلفة في المعتقد واللغة. لكن تجمعها مصالح المرعى وسبل كسب العيش. ولأنّ حرب السودان الطويلة – كما ذكرت في مطلع هذا الحوار – جعلت من هامش السودان العريض مسرحاً لها، فقد استخدمت السلطة المركزية إحدى هاتين الإثنيتين مطية لشن الحرب على جيش التمرّد في الجنوب.
تناولت الرواية كما كتب بعض النقاد مسارح مختلفة عبر هذا البلد المتعدد والواسع – السودان. حيث جمعت صداقة الدراسة الجامعية نفراً من أجيال جديدة يهمها صناعة وطن جديد حرٍّ ومتسامح. كما يلعب الحب بألوانه المختلفة دوراً كبيراً في البناء السردي لهذه الرواية.
آمنة جبران: نفيت في تصريحات سابقة كونك شاعراً في المقام الأول، رغم أنّ شهرتك كانت من باب الشعر. لماذا القصة والرواية هي الأقرب لك؟ فضيلي جمّاع: صحيح أنّني بدأت محاولات الكتابة في الشعر والقصة والمسرح في سن مبكرة. سكنت هذه الأجناس الإبداعية وجداني وأنا تلميذ في المتوسطة. وفي مدرسة (خور طقت) الثانوية – إحدى كبريات مدارس السودان آنذاك – كنت أكتب مسرحيات قام بتمثيلها زملائي على مسرح المدرسة. بيد أنّي نشرت في ذات الوقت بعض قصائدي في صحيفة إقليمية (كردفان) وفي الصحف القومية (الرأي العام الأسبوعي). وحين بدأت دراستي الجامعية واصلت نشر محاولاتي الشعرية في الصحف القومية. لكنّ المحاولة الأكثر جدّية حين نشرت لي دار الإرشاد روايتي الأولى “دموع القرية” وأنا بالسنة الأولى الجامعية.
نعم .. توقفت عن كتابة الرواية لفترة طويلة جداً – لكنها أي الرواية – ظلت الجنس الإبداعي القريب من التأمل في الوجود والقريب من إشباع رغبتي في الحكي ولباس جبّة أكثر من شخصية. نفعتني فترة الإنقطاع هذه بأن أقرأ حصيلة جيدة من الروايات في اللغتين العربية والإنجليزية. يقول النقاد والقرّاء من خلال ما كتبت أنني شاعر. هذا متروك لذائقتهم. لكني ما زلت أردد ما قلته بأنّي شخص سارد. فللحكي عندي متعة لا يضاهيها الشعر الذي توجعني كتابته حين ميلاد القصيدة. فميلاد القصيدة عندي حالة وجدانية وذهنية متعبة. على الأقل بالنسبة لي!!
آمنة جبران: عرف عنك انشغالك بقضية الهوية السودانية ومحاربة العنصرية. هل تعتقد أنّ الجيل الجديد من المثقفين قادر على الدفاع عن هذه القضايا بشراسة؟ فضيلي جمّاع: كما أوضحت في ردّي على سؤال سابق عن المثقف أعيد القول أنّ المثقف ليس أنموذجاً واحداً. وأنا هنا لست معنياً بمثقفٍ يتكيء على حائط السلطة. ليذهب هو والسلطة إلى الجحيم. فعندما قضمت زنازين السجون عمر أنطونيو غرامشي ساعة إثر ساعة حتى قضي نحبه، كان في روما وفي عواصم أخرى في العالم المتمدين مثقفون يصفقون للفاشي موسيليني، وآخرون يصفقون للخطب النارية للنازي هتلر. بينما ظل مشهد الضحايا ودماء الشهداء تسيل أمام أعين مثقفي السلطة وهم يصفقون للإستبداد.
وفي الختام بقيت “دفاتر السجن” التي خطها غرامشي بصبر وشجاعة لتعطينا نظريته عن (المثقف العضوي). ذلك الذي يعرف أنّ المثقف الحر عماد من أعمدة بناء المجتمع الحر. والحديث عن الهُويّة في السودان في قالبه النظري شائك، لكنّنا نعيش عصراً تبحث فيه الشعوب – كل شعوب العالم اليوم – عن وطن يقوم على العقد الإجتماعي الذي يجعلنا مواطنين لا رعايا. الجيل الجديد في السودان – والذي ولد من رحم الفجيعة – قالها بوضوح في ثورة 19 ديسمبر 2018، والمستمرّة حتى الآن: (حرية، سلام وعدالة ، مدنية خيار الشعب!)) مسألة الهويّة الجامعة لشعب متعدد الأعراق والجغرافيا والمعتقدات مثل السودان لا يمكن أن تقام بمعزل عن قيام دولة مدنية ديموقراطية. وهي قادمة دون محالة! فالحروب والدمار والنزوح واللجوء ليست خيار شعبنا.
آمنة جبران: هل نجح الأدب الأفريقي في تجاوز حدوده الجغرافية بأن يكون جزءاً من الأدب العالمي، خاصة أنّ الأدب الأفريقي المعاصر حصد العديد من الجوائز العالمية مؤخراً؟ فضيلي جمّاع: عندما نتحدّث عن الأدب الأفريقي يقفز إلى الذهن ما خطه بالإنجليزية والفرنسية قاصون وشعراء ومسرحيون من أفريقيا – ما عرف بالآنغلوفون والفرانكوفون – أي ما كتب بلغات المستعمر. هنالك أدب مكتوب بالعربية، وهي لغة لها حضور في القارة السمراء قبل قرون من دخول المستعمر الأوروبي لأفريقيا. لكن يظل النقدة الغربيون وبعض النقاد العرب ينسبون كل ما كتب بالعربية في أفريقيا إلى الصحراء العربية، وكأنّ اللغة وحدها هي الحبل السري الذي يربط الإبداع بمنشأ اللغة.
لكن يظل أي إنجاز عالمي أو قاري بإحدى هذه اللغات هو إنجاز أفريقي. فالحائزون على جوائز عالمية (نوبل)، مثل: النيجيري وولي شوينكا أو الجنوب أفريقية نادين غورديمير، أو من كتب بالفرنسية مثل: الطاهر بن جلون (جائزة الكونكورد) أو آسيا جبار أو من كتب بالعربية، مثل: نجيب محفوظ (جائزة نوبل) أو الليبي إبراهيم الكوني، كلهم يمثلون الوجدان الأفريقي.
اللغة ليست هي المعيار الوحيد للهوية. القاريء لروايات الأديب الليبي الكبير إبراهيم الكوني المكتوبة بالعربية، والتي ترجمت لفوق الثلاثين لغة يجد أنّ الصحراء الكبرى وما ضمته من أساطير – ومعظمها أساطير أمازيغية – يجد الروح الأفريقية في كل ذرة من رمال الصحراء الكبرى.
آمنة جبران: برأيك لماذا حضور الأدب الأفريقي ما زال ضئيلاً في العالم العربي رغم انتماء عدد من الدول العربية للقارّة السمراء؟ وكيف يمكن للمنطقة العربية التكامل والإنفتاح الثقافي مع أفريقيا وهي جزء أصيل من عمقها الحضاري والتاريخي؟ فضيلي جمّاع: أظنني أجبت ضمناً على جزء من هذا السؤال، وأنا أتحدث عن عالمية الأدب الأفريقي – خاصة ما عرف بالآنغلوفون والفرانكوفون – وقلت إنّ الكتابة بالإنجليزية أو الفرنسية لم تعط هؤلاء الروائيين والمسرحيين الأفارقة جوازاً بريطانياً أو فرنسياً. كذلك ظل أدباء عظام من أميريكا اللاتينية يعبرون عن قضايا شعوبهم في تلك القارة باللغتين: الإسبانية والبرتغالية. وقد نالوا جوائز عالمية مثل جائزة نوبل .. منهم الكولومبي غابريال كارسيا ماركيز والأرجنتيني خورخي لويس بورخيس وجابراييلا مسترال وبابلو نيرودا من تشيلي وماريو فارغاس لوسا من بيرو. كل هؤلاء وغيرهم لم يدّع أحد منهم أنه إسباني أو برتغالي، علماً بأنّ هجرة أجدادهم لهذه القارة حديثة جداً قياساً إلى ما عرف بالفتوحات العربية أو حملات تجارة الرقيق في أزمان غابرة في أفريقيا. واللغة الإنجليزية لم تعط بطاقة انتماء لأدباء أمريكيين عالميين للقارة ارة العجوز أوروبا من أمثال همينجواي وشتاينبيك ودان براون وغيرهم مع إنّ أسلافهم وفدوا حديثاً لأميريكا. أما التكامل والإنفتاح فلم نر من مثقفي وأدباء العرب إهتماماً يذكر تجاه أفريقيا وآدابها وثقافاتها، مثلما حدث من شعوب أخرى أبعد ما تكون جغرافياً من أفريقيا. واستطاعت بناء جسور ثقافية ن مع أفريقيا، كان العرب أجدر بذلك بحكم صلة الجوار وإمكانية التواصل المباشر لتبادل المنفعة المشتركة.كة.

حوارات منقول من موقع “جيسكا” التركي
02/أبريل/2024.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

المحبوب عبد السلام: فوجئ الترابي بضلوع نائبه في محاولة اغتيال مبارك .. البشير أيد علي عثمان طه في إعدام الذين دخلوا إلى السودان

المحبوب عبد السلام: فوجئ الترابي بضلوع نائبه في محاولة اغتيال مباركأدار مكتب الشيخ وكتب خطب …