فلسفة التعليم (6/7)

التعليم (6)
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
معنى التعليم وأهدافه
كثيراً ما تحدث جون ديوي (John Dewey) عن التعليم كمرادف للنمو، وكان النمو أحد أهم استعاراته البيولوجية. ولأن الكثيرين يعتبرون التعليم مشروعاً ذا هدف محدد -شخص مثالي أو أسلوب حياة كنتيجة له- فإن طرح ديوي للنمو كهدف للتعليم لم يُرضِ معظم الباحثين ولم يعجبهم وكأنهم انزعجوا من مثل هكذا هدف.
وتساءل الكثيرون منهم.. “نحو ماذا ننمو؟” وكان اصرار ديوي على أن النمو هو غاية في حد ذاته أو في ذاته؛ أي أن سؤال “نحو ماذا ننمو؟” يتعارض مع مفهوم النمو نفسه. وقال إن النمو هو نمو نحو المزيد من النمو، ويجب علينا ألا نُجمّد المفهوم بتحديد اتجاهه.
وإذا حاولنا الدخول في إطار ديوي المرجعي التطوري العضوي، فقد نعتبر النمو مماثلاً لـ “الحياة”. فما هو هدف الحياة، اذن؟ في كثير من الفلسفة وكثير من الدين وكثير من الأدب، حاول الكُتّاب الإجابة عن هذا السؤال العظيم، ولكن في بيولوجيا داروين، علينا أن نقول إن هدف الحياة هو بكل بساطة المزيد من الحياة.
وبالمثل، بالنسبة لديوي، يؤدي النمو إلى مزيد من النمو. لقد كان ديوي قلقاً وفي غاية القلق من أن حياة الطلاب غالباً ما يُضحى بها بشكل منهجي من أجل خير مستقبلي -حيث كان يُعتقد أن للتعليم غرضاً “هناك”، في مكان ما يتجاوز اهتمامات الطلاب وأغراضهم الآنية الحاضرة.
وكان مصمماً على تجنب هذه النظرة للتعليم، وأصر على أن التجربة تكون تعليمية، فقط عندما تنتج نمواً – أي إذا غادر الطلاب التجربة وهم أكثر قدرة أو هم أكثر اهتماماً بالانخراط في تجارب جديدة أخرى.
وقد وجد العديد من فلاسفة التعليم صعوبة في مفهوم ديوي للنمو. فقد فسّره، هو، أحياناً من منظور فتح الأبواب أو بناء العلاقات. وقد كتب ديوي أن إتقان اللص ومهارته المدهشة لا يُمثّل نمواً، لأن هذه الأنشطة تُغلق الروابط وتمنع المزيد من النمو.
ويبدو هذا صحيحاً، لكن من الصعب تقييم حالات أخرى كثيرة. مثلاً.. ماذا عن الطفل الصغير الذي يُستحوذ عليه، مثلًا، اهتمامه بالرياضيات لدرجة أنه يهمل الأنشطة الأخرى؟ هل نموه في الرياضيات يعتبر نمواً حقيقياً؟ أو ماذا عن الشخص الذي يسعى وراء الثروة المالية المادية مُستبعداً الأمور الفكرية والأمور الروحية؟ من المؤكد أن الثروة المالية أو المادية تُتيح العديد من الفرص وتخلق العديد من الروابط، فهل يُعدّ هذا التراكم المالي نمواً؟
أظن أن “ديوي” لم يقصد أن يكون النمو تعريفاً عملياً كاملاً للتعليم. لنتأمل مجدداً استعارة الحياة. إذا كان الهدف البيولوجي للحياة هو المزيد من الحياة، فهذا لا يعني بالضرورة أن مجرد تكاثرها أمراً جيداً دائماً وأبداً. فعلى سبيل المثال، إذا أنتج مجتمع ما عدداً كبيراً جداً من النسل، فقد تتأثر جودة الحياة إلى حد يهدد الحياة المستقبلية.
فالهدف، أي، إنتاج المزيد من الحياة، هنا في هذه الحالة مهدد وغير مرغوب فيه. فإذا استُخدمت القدرة على إنتاج الحياة كمعيار لجودة الحياة نفسها أو أصالتها، فإننا نطرح مجموعة من الأسئلة حول الإنتاج الأمثل للحياة. وبالنسبة لبعض المجتمعات، يصعب أحياناً الإجابة عن هذه الأسئلة، وقد يختلف الباحثون العقلانيون اختلافاً كبيراً وعظيماً في ذلك.
ربما يكون هذا الأسلوب في استخدام مصطلح النمو هو ما قصده فيلسوفنا ديوي. واستخدامه يدفعنا إلى طرح أسئلة جوهرية، والنقاش فيما بيننا حول السعي وراء السرقة أو الرياضيات أو الثروة المادية. وقد يدفعنا هذا النقاش إلى التفكير بعمق أكبر في العلاقة بين الحاضر والمستقبل، ويبعدنا عن فكرة أن التعليم هو إعداد لحالة مستقبلية محددة ومحددة مسبقاً.
لقد حاولتُ الدفاع عن استخدام ديوي للنمو ضمن إطاره المرجعي تماماً، ولكننا قد نشكك في الإطار نفسه. فكما أن الكثير منا قد لا يرضيه فكرة أن غاية الحياة هي المزيد من الحياة، فقد لا يرضينا أيضاً مفهوم غامض عن النمو يؤدي فقط إلى مزيد من النمو.
ومن المؤكد أن سقراط أراد أن يقول الكثير عن غاية الحياة وعن معناها، وكتب ديوي نفسه بشكل مؤثر عن الحياة الطيبة الخيرة. ألا ينبغي لنا إذن أن نتوسع في المعنى المعياري للنمو؟ ألا ينبغي لنا أن نصف بالتفصيل الحلقات التي تستحق بوضوح تسمية النمو؟ أنا لست متأكداً من أن جون ديوي سيعترض على مثل هكذا محاولات.
ويمكن أن تكون جزءاً من الحوار الذي كان ينوي بدئه وكان يريد الشروع فيه. لكنه بالتأكيد سيعترض بشدة إذا توّجت جهودنا بمثال واحد يجب أن يتجه نحوه كل نمو.
والهدف من التعليم، وفقاً لديوي، هو المزيد من التعليم. وبالتالي، فالتعليم هو غاية وهو وسيلة أيضاً في آنٍ واحد. وهو لا ينكر أن الأهداف المحددة مناسبة وملائمة للتعليم. بل يُصرّ كثيراً على أن الأنشطة التعليمية، بطبيعتها، يجب أن يكون لها أهداف وأن يكون لها غايات. نحن وأنتم (طلاباً ومعلمين) نسعى من أجل تحقيق شيء ما في هذه الحياة.
لكن أهدافنا ليست ثابتة وهي متغيرة في ديمومة، وليس هناك هدف أسمى وسامي، والهدف الأسمى وسامي يتجاوز التعليم المستمر. وما دام هناك هدف معين يعمل بكفاءة لتوجيه نشاطنا، فإننا نتمسك به بقوة. وعندما نفشل في توفير هذا التوجيه، نتخلى عنه ونستبدله بهدف آخر أكثر ملاءمة بكل سهولة وبكل يسر. ومن ثم، تعمل الأهداف في عملية تخطيط الوسائل والغايات.
وإذا كنا ثابتين على هدفنا، كغاية وضعناها نصب أعيننا، ولم تبدُ وسائلنا المختارة على الأرجح قادرة على تحقيق الغاية المرجوة، فعلينا حينئذٍ التفكير في وسائل أخرى وفي طرق أخرى. وفي حالات أخرى، علينا أن نعيد النظر في الهدف نفسه. وغالباً ما تكون هناك غاية محددة نصب أعيننا تعمل كوسيلة من أجل تحقيق غايات أخرى، ولذلك قد نتعامل معها كما نتعامل مع أي وسيلة أخرى.
وقد اتفق الفيلسوف التحليلي البريطاني ر. س. بيترز (R. S. Peters) مع ديوي على أنه لا ينبغي اعتبار أهداف التعليم غايات خارجية، لكنه، أي بيترز، رأي أن ديوي أخطأ في استخدام الغرض والهدف كمرادفين، ونحن كذلك نستخدمهما كمرادفين للأسف. وتعتبر مقالات بيترز بمثابة نماذج للتحليل اللغوي، وكان هدفه هو إظهار أن الهدف والغرض يشيران إلى تشديدات والي تأكيدات مختلفة في النقاش التربوي والتعليمي. وقد قال بيترز إن الغرض مرتبط بأسباب الفعل.
على سبيل المثال، قد نسأل شخصاً يقوم بحركة غريبة، “ما هو هدفك من القيام بذلك؟” على النقيض من ذلك، يشير الهدف إلى هدف، الي شيء بعيد، و”يجب أن يكون هناك تركيز للجهد وللانتباه من أجل تحقيقه وانجازه”. بالنسبة لبيترز، بمجرد أن نوضح ما نعنيه بالتعليم، لا يوجد سبب كبير للحديث على الإطلاق عن أهدافه، لأن أهدافه مدمجة وموجودة وحاضرة في مفهوم التعليم نفسه. ولا يختلف ديوي وبيترز في هذا الشأن، إلا أن ديوي اهتم بتحليل التعليم كظاهرة اجتماعية، ولم يكن اهتمامه الرئيسي تحليلاً لغوياً أو مفاهيمياً.
ويؤدي شرح آراء ديوي حول الأهداف بشكل طبيعي إلى آراؤه حول دور الطلاب في عملية تعليمهم. وقد أصرّ ديوي على أنه لا يقتصر دور المعلمين على وضع أهداف لأنشطتهم المختارة، بل يجب على الطلاب أن يشاركوا في وضع أهداف تعلمهم. وفيما يلي، نرى أن ديوي يميل إلى استخدام مفهوم “الغرض” في مناقشته للأهداف وللغايات…
عرّف أفلاطون العبد بأنه الشخص الذي ينفذ مقاصد غيره، و… الشخص أيضاً عبدٌ مُستعبدٌ لرغباته العمياء. أعتقد أنه لا جدوى من فلسفة التعليم التقدمي أكثر صحةً من تأكيدها على مشاركة المتعلم في صياغة الأهداف التي تُوجّه أنشطته في عملية التعلم، تماماً كما لا عيب في التعليم التقليدي أعظم من إخفاقه في ضمان التعاون الفعال للتلميذ في بناء أهداف دراسته.
علم النفس عند ديوي
على الرغم من أن ديوي بدا وكأنه من علماء السلوك عندما رفض التفسيرات المتعالية وتلك الخارقة للطبيعة، إلا أنه كان واضحاً جداً في معارضته لعلم النفس القائم على التحفيز وعلى الاستجابة. وقد زعم هذا العلم أن السلوك البشري بأكمله يمكن تفسيره من خلال استجابات مشروطة (أو غير مشروطة) لمحفزات ولدوافع في البيئة. فالبيئة هي التي تتحكم بنا؛ ونحن لا نتحكم بها.
وقد يكون الأوفر حظاً بيننا قادراً بالفعل على التلاعب بالبيئة لصالح البشرية، لكن قدرتنا على القيام بذلك هي في حد ذاتها نتيجة لسلسلة من المحفزات ومن الاستجابات الموفقة. وكان في إحدى مقالاته المبكرة حول هذا الموضوع، قد أثبت ديوي بشكل مقنع أن الكائن البشري لا يستجيب للمحفزات الخارجية فحسب، ولكنه يختارها بنشاط ويستجيب بطرق تتوافق مع أغراضه ومع غاياته. إن إصراره على ضرورة إشراك الطلاب، ككائنات فاعلة، في وضع أهداف لتعلمهم وتعليمهم يؤكد إيمانه بالعلاقة بين الهدف والنشاط.
في الكتاب الذي يحمل عنوان “كيف نفكر”، أوضح ديوي أن ظاهرة التقليد المعروفة لدى الأطفال ليست بهذه البساطة التي تبدو عليها. فالأطفال لا يكتفون بالتقليد فقط وكان الله يحب المحسنين. ويمكننا الاستدلال على ذلك من خلال ملاحظة أنهم لا يقلدون جميع وكل تصرفات الكبار، ولكنهم يختارون ما يقلدون. وعندما يقلدون، فإنهم يتبنون أنماطاً سلوكية معينة ومحددة لتحقيق أهدافهم الخاصة.
فالطفل الصغير الذي يقلد لوحة والده أو أي فعل يقوم به أبوه يحاول إنجاز شيء ما. إنه يشاهد وانه يؤدي الحركات نفسها لأن الأداء يحقق هدفاً حالياً خاصاً به. لذلك، لا ينبغي الاستهزاء بالتقليد أو اعتباره مجرد “لطف”، فالكثير منه هو العمل الحقيقي للطفولة.
وقد كان ديوي مراقباً دقيقاً جداً للأطفال. وبالنظر إلى أنه كان يتجول كثيراً في ذهول فلسفي -ويُقال إنه مر بأحد أبنائه في حرم جامعة كولومبيا دون أن يتعرف عليه- فإن ملاحظاته تبدو لنا دقيقة بشكل مدهش جداً. وفي كتابه “المدرسة والمجتمع”، طرح ووصف اهتمامات الأطفال الأربعة.. “صنع الأشياء (البناء)”، و”الاكتشاف (الاستقصاء)”، و”التعبير عن أنفسهم فنياً”، و”التواصل”.
ويعتقد العديد من المعلمين أنه يمكن استخدام هذه الاهتمامات الأربعة لإنشاء منهج دراسي ثري وغني للمرحلة الابتدائية، وأنه لا حاجة لتقسيم اليوم الدراسي بشكل مصطنع إلى تخصصات كاللغة الإنجليزية والتاريخ، وما إلى ذلك. وفي سياق سعيهم وراء اهتماماتهم الخاصة، يمكن للأطفال تعلم الكثير والكثير عن التخصصات التقليدية في حالة عمل المعلمون على ترتيب تجارب مناسبة لهم.
اعتراض!!! ويمكن الاعتراض بقوة على الادعاء القائل بأن الأطفال يستطيعون تعلم كل ما يحتاجون معرفته في إطار هذه الاهتمامات الأربع.
اذن، ماذا عن المواد المتسلسلة كالحساب؟ إذا كان يجب ربط جميع دروس الحساب بمشاريع بحث الأطفال المحددة، فقد تظهر لديهم بالفعل فجوات كبيرة في معرفتهم الرياضية. فهل من سبيل للتغلب على هذا القصور؟
بالإضافة إلى مناقشته للأهداف التعليمية ولعلم نفس التعليم الابتدائي، ولأخطاء نظرية التحفيز والاستجابة، طوّر جون ديوي نموذجاً للتفكير أو لحل المشكلات، وهذا النموذج لا يزال مؤثراً حتى يومنا هذا. ويبدأ التفكير بإحساس مُلحّ بأن شيئاً ما مُشكلة أو هو معضلة، أو أن شيئاً ما غير مستقر، ويُسفر الاستكشاف الأولي عن فرضية يجب اختبارها. وبعد ذلك، على المفكر وضع خطة -مجموعة من الوسائل- يمكن من خلالها اختبار الفرضية.
وفي كل مرحلة من مراحل الاستكشاف، يتطلع وينظر المفكر في البدائل. ما هي الفرضيات المُتنافسة؟ ما الوسائل الأخرى التي يمكن استخدامها؟ بعد ذلك، بالطبع، يجب تنفيذ الخطة. ثم يخضع المفكر لعواقب القرارات السابقة ويُقيّم النتائج. وبعد ذلك يُفكّر المفكرون الدقيقون في العملية، يفكرون فيما إذا كانت الطرق أو التفسيرات الأخرى هي الأفضل أو قد تكون أفضل، ولا ينسون المستقبل، بل ينظرون اليه أيضاً. كيف يمكن استخدام ما تعلموه هنا في المواقف المستقبلية؟ إنهم يحاولون التعميم.
هناك عدة نقاط أساسية يجب مراعاتها بشأن نموذج ديوي. أولاً، لم يدّعِ ديوي قط إمكانية أو ضرورة اتباعه بالتسلسل الذي وصفه بالضبط. بالطبع، على المرء تكوين فرضية قبل اختبارها، ولكن يمكن للمرء التوقف عند أي خطوة والتقدم أو التراجع في النموذج.
ثانياً، قام بعض منظري التعليم بحذف نموذج ديوي، وذلك بحذف مرحلة تحمل العواقب. وكمثال، في سبعينيات القرن السابق، طلب برنامج رياضيات حاسوبي من الطلاب قراءة مسألة كلامية (إدخال موقف إشكالي) والعمل على إنشاء معادلة لحلها. إذا كانت المعادلة كافية، يعفي الحاسوب الطالب من حلها ويعرض عليهم المسألة التالية ببساطة.
وقد كانت الفكرة هي طمأنة الطالب، بأن العمل الخوارزمي لحل المعادلات يمكن أن يقوم به الحاسوب. وكانت مهمة المفكر البشري هي وضع الخطة أو صياغة المعادلة. ومن الواضح أن هذا الإجراء مفيد للعلماء وللرياضيين الناضجين، ولكن قد يحتاج المتعلمون إلى الخضوع للإجراء بأكمله في سبيل تقييم جدوى خطتهم. في حين أن مشكلة العالم تتجاوز بكثير حل المعادلة، فإن مشكلة الطالب قد تكون هي نفسها. وبصفتنا معلمين، علينا أن نتذكر أن مشكلة الكتاب المدرسي تُثير عدداً لا يُحصى ولا يعد من المشكلات المختلفة لمختلف الطلاب.
إلى جانب تحليل عملية التفكير وطبيعة اهتمامات الأطفال، يُعرف ديوي بتحليله للتجربة ومركزيتها في التعليم. وقد قيّم بعض الفلاسفة تحليله للتجربة كواحدة من أعظم مساهمات ديوي في الفلسفة. ويعتقد آخرون أن المفهوم لا يزال غامضاً وغير واضح في معالجة ديوي. وهناك على الأقل سمتان مهمتان للمفهوم بالنسبة لجون ديوي. إحداهما يشترك فيها مع الوجوديين وهي التركيز على المعنى وعلى التأثير. فالتجربة بالنسبة لديوي ليست مجرد عرض أو مجرد خضوع سلبي؛ بل يجب أن تعني شيئاً للشخص الذي يمر بها.
ثانياً، التجربة بالنسبة لديوي هي تجربة اجتماعية وثقافية. في الواقع، لاحظ ذات مرة أنه كان ينبغي أن يسمي عمله الرئيسي في التجربة، الثقافة والطبيعة، بدلاً من التجربة والطبيعة. وبالتالي، عندما يتحدث ديوي عن التجربة في سياق التعليم، نتوقع أن نجد تركيزاً على المعنى الشخصي والتفاعل الاجتماعي.
كان يعتقد أن التجربة التعليمية لا بد أن تُبنى على التجارب السابقة أو ترتبط بها. ونترجم هذا غالباً اليوم بالقول إن على المعلمين البدء من حيث يكون الطلاب. ولكن عليهم أيضاً أن يسألوا إلى أين قد تؤدي تجربة معينة، لأنه يجب أن تكون هناك استمرارية في التجربة.
لذلك، يجب على المعلمين معرفة شيء ما عن تجارب طلابهم السابقة وتصميم تجارب تعليمية جديدة تنبثق منها، كما يجب عليهم أيضاً ملاحظة تجارب طلابهم الحالية والتخطيط لتجارب مستقبلية مصممة لدفعهم نحو فهم أكثر تعمقاً للموضوع. ويجب إعداد المادة الدراسية في ضوء استعداد الطلاب واحتياجاتهم المستقبلية. إن البنية المنطقية للموضوع، كما يصفها العلماء المحترفون، ليست كافية تربوياً وتعليمياً.
ولا يكفي أن تكون هناك استمرارية في التجربة التعليمية فحسب، بل يجب أن تكون للتجربة نفسها معنى للطلاب هنا والآن. وكذلك لا بد من وجود تفاعل بين الطلاب وبين موضوعات دراستهم. وقد أشار ديوي مراراً وتكراراً إلى أن غياب هذا التفاعل كان عيباً خطيراً في التعليم القديم.
فعندما يُجبر الطلاب على الخوض في مادة لا يتفاعلون معها حقاً من أجل غاية مستقبلية غامضة وغير واضحة، فإنهم يفقدون اهتمامهم بها، ويفقدون ثقتهم بأنفسهم. ويكتفون بإعطاء الإجابات والحصول على موافقة معلميهم. ويتخلى هؤلاء عن الاعتقاد الراسخ بأن التعليم يرتبط ببناء المعنى الشخصي.
وبسبب تأكيده المستمر على ضرورة مشاركة الطلاب ونشاطهم، ارتبط اسم جون ديوي بما يُسمى “بالتعليم المتمركز حول الطفل”. ومع ذلك، ليس من الصحيح تماًما وصف موقف ديوي بأنه “متمركز حول الطفل”. لعلكم تتذكرون أن ديوي انتقد فكرة فروبل عن تطوير أشكال التعليم السلبي بنفس القوة التي افترض فيها إمكانية سكب المادة في الطلاب.
وقد كان جون ديوي تفاعلياً تماماً، وأصر على الاهتمام المناسب بالجوانب الداخلية وتلك الخارجية لتجربة التعلم، ولم يكن راضياً عن أنشطة “التعلم” التي تُسعد الأطفال أو تُسليهم فحسب. ونجده في سنواته الأخيرة، وبخ ديوي بلطف أتباعه الذين اعتقد أنهم تخلوا عن مسؤولية قيادة الطلاب نحو التعلم الحقيقي والتعليم الحقيقي.
…….. نواصل
bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …