التعليم (7)
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
الديمقراطية والتعليم
إلى جانب أعماله في علم النفس وفي نظرية المعرفة، كتب جون ديوي (John Dewey) بتوسع في الفلسفة الاجتماعية والسياسية. ورأى في الديمقراطية شكلاً من أشكال “العيش المشترك” المتوافق مع مناهج العلم، ونجده قد اهتم اهتماماً خاصاً بالصلات بين الديمقراطية والتعليم. وفي كتابه الأشمل عن التعليم، “الديمقراطية والتعليم”، استكشف هذه الروابط بعمق كبير ووعي عميق.
ودائماً يبدأ ديوي في نقاشه حول الديمقراطية بوصفٍ طبيعي للبشر كحيوانات اجتماعية. فالناس يرغبون في التواصل وفي الترابط، وهذه الرغبة تُشكّل دافعاً لبناء قيم مشتركة.
وتجدر الإشارة إلى أن ديوي لا يبدأ بقيمٍ مُرسّخة في عالمٍ سابق من الأشكال. فلا وجود للحقائق الأبدية، ولا لإرشاداتٍ إلهيةٍ للسلوك البشري أو لنموه. وبالطبع، يُقرّ ديوي بحالتنا البيولوجية المشتركة، فنحن جميعاً بحاجةٍ إلى الطعام والي المأوى، ومعظمنا يرغب في الإنجاب وفي حماية أطفاله وفي الدخول في علاقاتٍ متبادلة مع غيرنا من البشر.
وبدايته الطبيعية تقود بسرعة إلى موقف بشأن التعليم يختلف اختلافاً كبيراً واختلافاً عظيماً عن معظم الآراء التقليدية. ففي حين بدأ روبرت ماينارد هاتشينز (Robert Maynard Hutchins) (المعلم المعروف والرئيس المخضرم لجامعة شيكاغو) فلسفته في التعليم بفكرة الثقافة العالمية، بدأ ديوي بدافع التواصل الذي يسبق خلق الثقافة.
وقد أصر هاتشينز على أن الناس بحاجة إلى قيم وفي حاجة الي معارف مشتركة من أجل التواصل، لكن ديوي أراد أن يؤهل ذلك. فالقيم والمعرفة التي أشار إليها هاتشينز هي، بالنسبة لديوي، نتاج الاستقصاء والبناء من خلال التفاعل الاجتماعي.
ونحن لا نبدأ بالقيم المشتركة؛ نحن نخلقها ونبنيها، لذلك، لا تحتاج المدارس إلى إعداد الطلاب للتواصل النهائي من خلال صب القيم والمعرفة الثقافية المحددة فيهم. ولكن، بدلاً من ذلك، يجب تشجيع الأطفال ويجب حثهم على التواصل وعلى الاستقصاء وعلى بناء القيم والمعرفة المشتركة.
لم ينكر ديوي أن لكل ثقافة قيماً ترغب في نقلها، لكن “النقل”، بالنسبة لديوي، يتجاوز بكثير مجرد الإخبار والاختبار. فالثقافة تنقل قيمها من خلال تزويد أبنائها بأنواع التجارب التي تجعل قيمهم حقيقية وذات مغزى في حياتهم الخاصة.
وكمثال، لا يمكن للمدرسة إعداد الطلاب للحياة الديمقراطية بمجرد تزويدهم بكم هائل من المعلومات لاستخدامها ولتطبيقها فيما بعد، ولكنها تُعدّهم للحياة الديمقراطية وذلك بإشراكهم في أشكال من الحياة الديمقراطية تلك التي تناسب أعمارهم وتتناغم معها.
إن دراسة أحد الأساليب التعليمية الحاضرة، وهو “النهج اللغوي الشامل”، قد توضح، قياساً على ذلك، فكرة جون ديوي المثالية. ففي هذا النهج، لا نسعى إلى إعداد الأطفال للأنشطة اللغوية المستقبلية بتعليمهم أجزاءً من الأصوات ومن التهجئة ومن القواعد وما شابه ذلك، ولكننا نغمرهم في تجربة لغوية، ونشجعهم على انجاز وتحقيق أهدافهم الخاصة في عملية التواصل. فمنذ البداية، يتم مساعدة الأطفال على كتابة قصصهم الخاصة وعلى قراءة قصص زملائهم، ويتحدثون ويستمعون، ويقرأون ويكتبون بهدف التواصل الحاضر الحي.
وبالمثل، فإن اكتساب المشاركة في الحياة الديمقراطية يتطلب العيش بديمقراطية، حيث يعمل الطلاب معاً على حل مشاكل مشتركة، ويضعون القواعد التي ستُدار بها فصولهم الدراسية، ويختبرون ويُقيّمون الأفكار الرامية إلى تحسين الحياة الصفية وحياة التعلم والتعليم، ويشاركون في وضع أهداف تعلمهم.
ومن هذا المنظور، تُعدّ مشاركة الطلاب في الحياة الديمقراطية غايةً في حد ذاتها ووسيلةً لتحقيق حياة ديمقراطية ناضجة وواعية ومستدامة. فما يُكتسب من هذه المشاركة ليس مجرد معلومات تُطبق في المستقبل، بل هي المهارات، بل هي الإجراءات الفعلية، أي هي أسلوب الحياة الديمقراطية نفسه.
لم ينظر ديوي إلى الديمقراطية كمجرد نظام حكم يصوت فيه الجميع وتسود فيه الأغلبية أو الأكثرية. ولكنه اعتبرها أسلوباً للعيش المشترك المتعاون، ويتم اتخاذ القرارات من خلال عملية استقصاء مشتركة ومتعاونة. وكان من المقرر تجربة قواعد إدارة الحياة المجتمعية وإخضاعها للاختبارات التجريبية المعتادة، ولم يكن من المقرر فرضها تعسفياً على جميع السكان من قِبل أغلبية قوية.
ومن الواضح أن ديوي توقع أن يحكم المواطنون العقلانية والشعور الجماعي وليست شهوة السلطة ولا المصلحة الأنانية أو الأنوية. وإذا رغب أو أراد مجتمعٌ أن يُنشئ مثل هذه المواطنة، فعليه أن يبدأ بأطفال المدارس. فالديمقراطية، في وصف ديوي، ليست دولة؛ بل هي بالأحرى عملية، ويجب أن تخضع قواعدها للتدقيق وللمراجعة وللإنشاء المستمر المستدام.
وقد عمل ديوي على تطوير وصفه للديمقراطية من معيار ذي شقين. فالديمقراطية تُوصف على النحو التالي… “هناك العديد من المصالح التي يتم التواصل بشأنها ومشاركتها بوعي؛ وهناك نقاط اتصال متنوعة وحرة مع أشكال أخرى من التجمعات”.
قال ديوي إن عصابة الشوارع النموذجية ليست ديمقراطية. فقد يتشارك أعضاؤها بالفعل “مصالح”، وقد يتم التواصل بشأن مصالحهم المشتركة بوعي، لكن العصابة لا تتفاعل بحرية مع العصابات أو مع الجماعات الأخرى في المجتمع.
بالنسبة لديوي، يُقدم الجزء الثاني من المعيار اختباراً حاسماً وهو يتعلق بالآتي… هل يتواصل الناس بحرية عبر حدود الطبقة والدين والعرق والمنطقة؟ وكلما انسحبت الجماعات من التواصل، وعزلت نفسها، وأصبحت حصرية، أصبحت الديمقراطية في خطر وصارت معرضة للخطر.
وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم ديوي للديمقراطية لا يشبه مفهوم الشخص العادي. فالمجتمع الانعزالي، بعزلته ذاتها، خطر على ديمقراطيته، لأنه بذلك يكون قد فقد “نقاط الاتصال الحرة” وفقد فرص الاستفسار خارج حدوده.
قد تجد هذا الاختبار الثاني مفيداً في استكشاف مشاكل التعددية في المجتمع المعاصر الحديث. ويخشى الكثيرون من أن “التعددية المفرطة” تهدد ديمقراطيتنا ذاتها. والخوف كل الخوف من أن ينقسم المجتمع إلى مجموعات منفصلة غير مترابطة، كل منها حذر وكل منها تشوبه الريبة وغير واثق في الآخر اطلاقاً.
ولم يكن ديوي مهتماً بعدد المجموعات الفرعية بقدر ما كان مهتماً بجودة ارتباطها وبقوة علاقتها. وهل تحافظ المجموعات على تواصل مفتوح مع بعضها البعض؟ من المحتمل أن تستوفي الحركات المسكونية في الدين اختبارات ديوي، فهي تحدد المصالح المشتركة وتحافظ على التفاعل حتى من خلال الاختلافات الأيديولوجية الجوهرية.
قد يستوفي نادٍ للطلاب الأمريكيين من أصل أفريقي أو من أصل إسباني في حرم جامعي الاختبارات أو قد لا يستوفيها. والهوية العرقية للمجموعة لا تستبعدها؛ في الواقع، يمكن اعتبار العرق مصلحة مشتركة مهمة. والسؤال الحاسم هو ما إذا كانت المجموعة، أي مجموعة، تتفاعل بشكل مفتوح وبشكل صحي مع المجموعات الأخرى أم لا.
إذا كان الأمر كذلك، فإنها سوف تجتاز كلا الاختبارين. وبالمناسبة، يجب استخدام كلمة “صحي” هنا بالطريقة التي استُخدمت بها كلمة “نمو” آنفاً. والتفاعل بين المجموعات يكون صحياً إذا أدى إلى المزيد والمزيد (وليس أقل) من الاتصالات مع نفس المجموعات ومع المجموعات الأخريات.
وعلى الرغم من فائدة هذه المعايير في تصنيف بعض الجماعات وفي تفسير سبب عدم اعتبارها جماعات ديمقراطية، إلا أن حالات أكثر دقة تبدو بعيدة عن هذه المعايير. وربما تجتاز الكثير من الجماعات في المجتمعات العنصرية وتلك الطبقية هذه الاختبارات (إلى حد ما)، ومع ذلك تُشكل معاً شبكة قمع شديدة الفعالية.
ومن الاعتراضات المهمة على أعمال أو عمل ديوي أنه لم يُعر اهتماماً يُذكر لأشكال القمع المنهجي والهيمنة الثقافية. فكما لم ير أي تهديد ضروري في تكاثر الجماعات الفرعية في المجتمع، لم ير ديوي أي صراع متأصل بين الفرد والدولة.
وعلى عكس روسو، الذي اعتقد أن على الأفراد التخلي عن فطرتهم الطيبة أو العمل على تكييفها جذرياً ليكونوا مواطنين نافعين، أصر ديوي على أن الدولة والفرد، في الوضع الأمثل، وهما في علاقة دعم متبادل. فالمجتمع الصالح
يُقدّر معارضيه ورافضيه، لأنه يحتاج إلى التفكير الإبداعي الذي يُنتج فرضيات جديدة، ووسائل موسعة، ويُنتج مجموعة أوسع من البدائل، وبشكل عام، يحتاج إلى الحوار الجاد الحقيقي الذي تُحفزه الأفكار الجديدة.
وبالمثل، يحتاج الفرد إلى دولة ديمقراطية، يستطيع أن يزدهر فيها ويستطيع أن ينمو فيها، وفيها يبدع وفيها يتقدم وفيها يكون انسان فعلاً؛ ومن مصلحته بالتالي أن يساهم بسخاء في الحفاظ على أسلوب حياة ديمقراطية حرة.
قد يرغب المهتمون بالفلسفة السياسية بقراءة المزيد عن الفيلسوف جون ديوي. وسترون وسيرون أنه استبق العديد من الجدل الدائر حالياً بين الفردية الليبرالية والجماعية. وأنه قد ألح وقد أصرّ على أن العلاقات بين الدولة الديمقراطية والفرد تكون متوازنة وتكون متبادلة بطبيعتها، متمسكاً بفلسفته التفاعلية تماماً والتي لا يحيد عنها بتاتاً.
ورفض عادةً كلا التطرفين اللذين يظهران أحياناً في الفردية وأيضاً في الجماعية. ويرى جون ديوي أن الدولة لا توجد أساساً لحماية حقوق الأفراد؛ كما أن الأفراد لا يوجدون كمكونات وظيفية للدولة فحسب.
وبترجمة هذا الفكر إلى الفصل الدراسي الديمقراطي، رأى فيلسوفنا الكبير ديوي أن المدارس لا ينبغي أن تقتصر على تعزيز المنافسة العادلة بين الأفراد، ولا ينبغي معاملة جميع الطلاب على قدم المساواة، كأعضاء في صف دراسي لا هوية له.
بل ينبغي تنظيم المدارس ديمقراطياً، كأماكن تُمارس فيها أفضل أشكال العيش المشترك. فالمدارس إذن مجتمعات صغيرة يتعلم فيها الأطفال من خلال الممارسة كيفية تعزيز نموهم، وكيفية تعزيز نمو الآخرين، وتعزيز نمو المجتمع ككل.
…….. نواصل
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم