فلسفة الهوية (1)
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
ان لم تكن نفسي هذه أنا،
فمن أنا؟
ان لم أكن أنا من يتكلم،
فمن يكون؟
ان كنت أنا مجرد ثوب،
فمن هو الذي أغطيه؟ – جلال الدين الرومي
يساعدنا تقويم وتصميم النوع الإنساني -الهومو سابينس أو الانسان العاقل- في أن الصفة والخاصية المميزة والفريدة لنا كبشر هي قدرتنا المعرفية، التي لا مثيل لها، والتي لا شبيه لها أو نظير. فنحن، نعم نحن نفكر بطريقة مختلفة ونادرة لا تمتلكها جميع الكائنات الأخرى، التي تسرح على البسيطة وتعيش فيها، وأيضاً لنا القدرة والمقدرة لنتشارك ولنتقاسم الأفكار فيما بيننا بطرق وبسبل ووسائل لا تدانيها اطلاقاً الأنواع الأخرى، وفي المقابل نلحظ ونجد أن ما تبقى من تركيبنا وتكويننا البيولوجي يكاد يكون طارئاً على ما سبقه.
لقد أنتجت سنوات التطور، التي تحسب بمئات وآلاف الملايين، وبعشرات المئات ومئات الالاف من الأنواع المتمتعة بالأمخاخ، وأيضاً عشرات الآلاف من أصحاب المقدرات وأهل القدرات السلوكية والادراكية والتعليمية المعقدة، ولكن من بين كل هذا الكم وكل هذا الكل، هناك واحداً فقط لا ثانياً له، هو الذي تساءل في حيرة وفي دهشة مدهشة عن مكانه في الوجود أو في العالم، والسبب وراء ذلك هو أن واحداً فقط هو الذي تطورت فيه هذه القدرة.
ورغماً عن أن كوكبنا، كوكب الأرض، نفسه عبارة عن شركة نتشاركها مع ملايين الأنواع من الكائنات الحية، فإننا كذلك نحيا في وجود لا يدانيه ولا ينافسه فيه أي نوع آخر، فنحن نقيم في عالم غني بالمجردات وبالاستحالات وبالمفارقات، فنحن، الكائن الإنسان، وحدنا من يطيل التفكير في الذي لم يحدث، ونستهلك شطراً ليس بالقصير من النهار تأملاً فيما يمكن أن يكون عليه مسارات الأحداث لو أنها حدثت على نحو مختلف عما وقعت عليه فعلاً. ونحن، دوناً عن بقية الكائنات، من يطيل التأمل في كيف يكون الحال لو لم تحدث، أنى لنا أن نقابل أو أن نشير الي أي نوع من الأنواع الأخرى التي يؤرقها عدم تذكر كيف كانت الأحوال والأمور قبل أن تخلق أو يؤرقها عدم المامها بما سيحدث بعد الموت؟
ونحن نقص قصصاً من تجاربنا ومن واقع خبراتنا الحقيقية، ونألف حكايات عن تجارب وخبرات غير واقعية أو هي خيالية، بل نستعمل هذه الحكايات أو تلك القصص لترتيب وتنظيم أمور حياتنا، ونحن نحيا حياتنا في هذا الكون الخائلي المشترك بيننا، وأدركنا، بصورة تدريجية وعلى مر الدهور ومدى الأحقاب، أنه لا وجود في كوكبنا لأنواع أخرى، على ما يبدو، لها القدرة ولها الاستطاعة لتدانينا في هذه المنزلة الاعجازية، ان صحة العبارة.
نألف كلنا هذا الوجه من حياتنا، ولكن قد يخطر على بال المرء أن يسال كيف لي أن أحس بالثقة التامة الكاملة في أن هذا لا يشكل جزءاً من الخبرة الذهنية لأشكال أخري أو أنواع ثانية – وأكون يقينياً على ثقة بأنها لا تشاركني في هذه الأفكار وهذه الاهتمامات على اختلاف أنواعها – بينما هي لا تتساءل بشأنها؟ هذا هو قلب الموضوع؟ (ديكون، 2017)
ويدلف علينا المفكر حسن حنفي (2012)، ليحدثنا عن الهوية قائلاً.. تعتبر الهوية في ذاتها موضوع نقول عنه، اصالةً، “فلسفي”. تناوله كثير من الفلاسفة المثاليين، وأيضاً، عدد من الفلاسفة الوجوديين. وقد عالجه المثاليون ميتافيزيقياً، وقلبوه الي قانون، قانون الهوية. وحوله الوجوديون نفسياً حتى يمنعون انقسام النفس أو الذات على نفسها أو على ذاتها، ومن ثم يتم انكار الوجود الإنساني كليةً. وتشبهاً أو تيمناً “بفتشه” قد يصير هو القانون الأول في الفكر وفي الوجود عند بعض الفلاسفة.
وفي الشاطئ المقابل تكون الغيرية ليست قانوناً قائماً بذاته مستقلاً مغايراً، ولكنها انكار أو نفي للهوية ل-الأنا، فهي “اللا أنا”. ويتوجد القانون الجدلي، الموضوع وهو “الأنا”، ونقيض الموضوع وهو “اللا أنا”، ويتولد من ذلك مركب الموضوع وهو ” الأنا المطلق”. وهو بالنسبة للواقعيين وعلى وجه التخصيص أو الخصوص الوضعيين بمثابة تحصيل حاصل بلا ثمرة، أي يعني لا شيء. وانما هو تكرير أي تكرار لفظي للضمير المنفصل “هو” ككثير من مصطلحات الفلاسفة ومعضلاتهم وموضوعاتهم أو أقول مشكلاتهم.
هل من الطبيعي والعادي أن يطابق الشيء نفسه، وألا ينفصم عنها في غيره؟ نعم من الطبيعي جداً جداً. هذه هي طريقة ما وراء الطبيعة، وأقصد سبيل الميتافيزيقيا وتكمن في اثارة الغبار ثم الشكوى من ضبابية الصورة أو من ضياع الرؤية. ولكنها بالنسبة للوضعيين مسألة زائفة مثلها ومثل أغلبية المشاكل أو الموضوعات الميتافيزيقيا أو هي عبارة عن صياغات أدبية مصوغة على نحو عقلي، لا محتوى لها، ولا تقود الي شيء، ولا تتفوه بحاجه تفهم، مجرد تحصيل حاصل كما قلنا ونكرر الآن، والخلاصة تقول بأنها بمثابة لغو الحديث أو الكلام الأجوف.
وهي لا تعتبر موضوعاً صورياً نظرياً يستحيل فهمه كما يردد الناس من العامة، العامة التي لها الرغبة في التعامل مع الحاجات العينية المحسوسة. فماذا يعني أن يكون الشيء هو هو؟ وهل الشيء هو شيء آخر غير ذاته؟ ومن هو الذي آتانا بهذا الافتراض الذي يقول بأن الشيء يمكن أن يكون على غير ما هو عليه؟ أليس يبدو بمثابة افتراض معضلة ثم محاولة حلها؟
هل نقول أو نصف ذلك بأنه خطأ في السؤال، وأيضاً خطأ في الإجابة. ومجموعها، أي الخطأين، يكون خطأ ولا يكون صواباً؟ وكثيراً ما يستخدمه الميتافيزيقيون، وذلك لأنه يعبر عن الموضوع في أذهانهم، وهو بمثابة المثل الأعلى لديهم، وهو مصطلح عم القرى وعم الحضر بفضل الفلاسفة كباقي المصطلحات الفلسفية. عجبي أنهم يفترضون القسمة ثم يقولون بالوحدة، أنهم يفترضون سقراط ثم يرددون أرسطو.
وتداخل المفاهيم في بعضها البعض كما يشتبك مفهوم الهوية مع مفهوم الماهية، أيهما هو الأشمل؟ وأيهما هو الأعمق؟ لغوياً، الهوية تعني أن يكون الشيء هو هو وليس غيره. ونجده قائماً على التطابق أو على الاتساق في المنطق. أما الماهية فهي أن يكون الشيء “ما هو” أي علينا زيادة حرف الصلة “ما” على ذلك الضمير المنفصل “هو”، والمضمون واحد أو نقول بأن المعنى واحد، نفس المعني المحمول في هذه، هو ذاته المحمول في تلك. ولكن قد يجعل البعض، كثيرين أو قليلين، “الماهية” أكثر شمولاً وأكثر عمقاً من “الهوية”.
ومثلما يتداخل هذا المفهوم “الهوية” مع “الماهية” أو مفهومها، فانه أيضاً يتداخل مع “الجوهر” أو مع مفهوم “الجوهر”. ولكننا نجدهم الثلاثة ينتسبون الي جذر معنوي واحد، وليس الي جذر لغوي، الي مفهوم الأصل. وإذا كان المفهومان اللذان نحن بصددهما منبثقين أو مشتقين لغويين من ذات الجذر، والجذر المشار اليه هو “هو”، فان الجوهر يكون عبارة عن استعارة من علم المعادن، من الجوهر النفيس. فقول الشيء أنه جوهر يعني ذلك أنه غالي نفيس ثمين. وهو في ذات الوقت عقل الأشياء أو دعونا نغير “عقل” ب “لب” لنقول “لب الأشياء” كبديل لعقل الأشياء، وهل يختلفان؟، كالمعدن النفيس مقارنةً بباقي الأحجار الكريمة، والتي منها “جوهرة”، وقد استلفها الفلاسفة كلهم في تمييز كتبهم وتسميتها ك “جواهر القرآن” للغزالي.
الهوية، اذن، تخص الانسان وتخص المجتمع كذلك، خاصة بالفرد وخاصة بالجماعة. هي أي هي مسألة إنسانية خالصة، فهذا الانسان هو الوحيد الذي ينقسم على ذاته، وهو الكائن الذي يحس بالمفارقة أو بالتعالي أو بالقسمة بين ما هو الآن كائناً واقعاً وما يجب أو ما ينبغي أن يكون، بين هذا الواقع وبين ذاك المثال، بين هذا الحاضر وذاك الماضي، بين هذا الحاضر والمستقبل الذي نتوقع مجيئه وننتظره. هو الكائن الذي يحس بالفصام ويستشعر به وفيه، وهو الذي تتحول فيه الهوية الي اغتراب.
هذا الكائن الإنساني هو ولا أحد غيره الذي يستطيع أن يصبح مختلف عما هو عليه. فالهوية ما هي الا تعبير عن الحرية، الحرية الذاتية. فهي أي الهوية إمكانية قد تحضر وقد لا توجد. في حالة وجودها أو حضورها فالوجود هو الوجود الذاتي، وان غابت كان غيابها هو الاغتراب.
الهوية اذن على الرغم من أنها موضوع ميتافيزيقي فإنها مشكلة نفسية وتجربة شعورية، فالإنسان قد يتطابق مع نفسه أو ينحرف عنها. الانسان الواحد ينقسم الي قسمين: هوية وغيرية، أو يشعر بالاغتراب ان مالت الهوية الي غيرها أو انحرفت اليه. فالاغتراب لفظ فلسفي، والانحراف لفظ نفسي. الهوية أن يكون الانسان هو نفسه، متطابقاً مع ذاته، في حين أن الاغتراب هو أن يكون غير نفسه بعد أن ينقسم الي قسمين، هوية باقية وغيرية تجذبها.
الهوية عبارة عن حالة نفسية ولا تعتبر حالة بدنية، فهي خاصية للنفس وليست للبدن، وذلك طبقاً للقسمة الافلاطونية السينوية ذائعة الصيت بين النفس والبدن. بيد زيد وليست بيد عبيد، وأعني بيد الانسان نفسه وليست بيد عبيد الطبيب، ولو كان هذا الطبيب طبيباً نفسياً يرضي به العليل وهو في انتظار الموت أو يكون التعويض بحالة نفيسة نقيضة هي الصحة أو القوة التي لم ينالها كما هو الأمر مع نيتشه، إرادة القوة كرد فعل على عدم قدرة البدن وعجزه وضعفه. هذه الحالة تسمى من قبل المتدينون حالة روحية فيها الكفر، ونسبته هي الغالبة على نسبة الايمان، الشرك وليس التوحيد. فهي ما هي الا كفر برحمته الواسعة جل وعل، وقنوط بها، فهي ايمان بالشرك وكفر بالإيمان، أي بالانقسام أو بالتوزع بين قطبين. وقد تتولد من البدن في حالته العليلة الميؤوس منها ولا شفاء، اذ ينشد العليل الصحة بشدة، وهي هي الحالة التي يتطلع اليها ويتوحد معها ويرجوها تذللاً. فالاغتراب ما هو الا عبارة عن حالة نفسية، ولكنه أيضاً هو حالة بدنية. وإذا كان الاغتراب حالة وجودية فلأن الوجودية لا تميز بين النفس وبين البدن. والانسان جسد كرد فعل على تحويله أو قلبه أو جعله روحاً من قبل الفلسفات العتيقة أو القديمة.
ونقف هنا قليلاً مع “الاغتراب الوجودي” قبل أن نواصل ما بدأناه مع المفكر حسن حنفي، لنتيح مساحة مقدرة للفيلسوف أيريك فروم ليتجاذب معنا أطراف حديثه عن “الاغتراب الوجودي”، وبعدها نعود للوجوديين ورأيهم في الهوية، وهل هي البدن؟!
اذن، حاول أن تتعلم التخيل، وأول تجربة يجب عليك أن تقوم بتطبيقها هي أن تتخيل أنك تنهض صباحاً، بعد رقاد غطى فراغ الليل الأليل، يومياً في نفس الموعد المضروب روتينياً، وبعدها تبدأ ممارسة نفس الحاجات المكررة، مثلاً، ترتدي ملابسك التي تناسبك والتي تحمل شبهك من الخارج، ولكنها لا تماثلك ولا تشبهك في أعماقك ولا في أعماق نفسك، ثم تتحرك قاصداً عملك، الذي لا تعرف ولا تفهم، لماذا أنت في الأصل، تعمل عملاً، وتلتقي بناس ليس بينك وبينهم أي قواسم مشتركة، اناساً لا تجمعك بهم سوى كلمات فارغة مليئة بالمجاملات، وأقنعة مزيفة من حديد، تبتسم في وجههم وفي وجهك هم يتبسمون، ومرات تنقلب الابتسامات المتبسمة الي ضحكات خجولة غير حقيقية.
لكن، دائماً هناك سؤال يحتل أعماقك، لا يسكت قط، ولا تقدر على مجاملته. انها يا معشر الانس، الأسئلة الوجودية العميقة، التي تعيش في نفسك، من قبيل، من أنا؟، ماذا أفعل في هذه الحياة؟ ولماذا ينتابني شعور بأنني لا أنتمي الي هذا الوجود؟ لا يوجد خطر يغازلك ويتسكع حولك! ولكن لا يغمرك إحساس بالراحة في هذا الكون!
يا أصدقائي الأعزاء، ان الفيلسوف ايريك فروم، الذي ملأ جزءاً من القرن العشرين بحياته، في زمان وجد فيه أن البشرية تمزج بين أقصى درجات التقدم التقني التكنولوجي وأعمق أزمات الروح. ففروم تطلع في هذا الشعور أو قل هذا الإحساس العميق بالغربة، ثم قال، نعم، نعيش اغتراب. ولكن هذا الاغتراب، ليس اغتراباً عن الأوطان، وليس اغتراباً عن اللغة، ولكنه اغتراباً عن أنفسنا.
فالاغتراب، سادتي المبجلين، كما يفهمه فروم، ليست حالة مؤقتة نعيشها مروراً حيناً من الزمن، ثم نواصل طبيعتنا، لا! فهو، للأسف، نمط وجود، صار مهيمناً على المجتمع الحديث والمعاصر. فالاغتراب ليس هو مجرد شعور بالحزن أو شعور باللا-معنى، ولكنه علاقة مشوهه قائمة بين الانسان وبين ذاته، قائمة بين هذا الانسان وبين الوجود أو العالم، قائمة بين هذا الانسان وبين الناس الآخرين.
فنحن لم نلبث نعيش ونحيا ككائنات حرة، نتفاعل مع الواقع بكل الصدق، ولكننا أصبحنا نعيش ككائنات تنتج وتستهلك. فالإنسان في العالم الرأسمالي الحديث، صار هو والبضاعة شيء واحد، حيث لا فرق بينهما، نعم، أصبح يعامل ذاته وكأنها سلعة، كيف ذلك؟ لتعرف الإجابة، ما عليك الا أن تنظر الي الأسلوب الذي به يتحدث الناس عن ذواتهم وعن أنفسهم، مثلاً، يقولون.. أنا استحق لأنني أملك هذه أو تلك المهارات. أنا ذات أهمية ومهم لأنني أنجز هذا الدخل. وأيضاً، يقولون، مثلاً، أنا جدير بالحب، لأنني اتمتع بصورة شكل مقبول، وآخر يقول لأنني وسيم وفارس أحلام للكثيرات. فنحن نختبر ونقيس أنفسنا بمعايير السوق وليس بمعايير الانسان.
وفي هذه اللحظة يبدأ الاغتراب الحقيقي. ويرى فروم هذا النوع من المجتمع يجبر الانسان أو يجعله غريباً عن حقيقته، وعن جوهره، غريباً عن انسانيته وعن روحه.
اذن، لماذا؟ لأن، ويجيب فروم، الرابطة بين الفرد والكون أو العالم لم تعد رابطة تواصل، ولكنها رابطة أو علاقة استهلاك، فكل شيء للاستهلاك، وكل شيء يستهلك، فالسعادة والروابط والدين وحتى الحب الجميل. نحن، يا معشر البشر، نقطن في كوكب يجعلنا نشترى الحب، نشتري القيمة، نشتري الاحترام. كل حاجة لها ثمن، وكل شيء له نهاية صلاحية.
فأحد أبرز مظاهر الاغتراب، كما يقول فروم، هو أن هذا الكائن الحي، الذي اسمه انسان، صار لا يعيش ذاته، ولكنه يعيش صورته، يعيش كما يجب أن يكون، لا كما هو، فهو يؤدي دور الموظف، ودور الزوج، ودور الصديق، ولكنه في نهاية المطاف، لا يفهم ولا يعرف أين هو، كانسان، في وسط كل هذه الأقنعة، ووسط كل هذه المعمعة، ووسط كل هذه الأدوار، التي تجعله يبدو مندمجاً في الحياة، ولكنه في الحقيقة، وفي أعماقه يحس بالغربة، وكأن الحياة تمر مر الكرام من أمامه دون أن تلامس قلبه.
فالعمل يا سادة يا كرام، كان في زمانات سالفه امتداد للروح، لروح الانسان، فالإنسان كان على دراية بما يقوم به من عمل، ويعرف نتائج هذا العمل، ويدرك جيداً مألات ما يقوم به من عمل. أما في زماننا الحاضر، فالعمل صار مقطوع الصلة بالمعنى، فالموظف يقوم بمهمة لا يدري نتائجها، ولا يحس أنها تعنيه. فقط يعمل حتى لا يفقد وظيفته، يعمل ليعيش لا ليكون، وهذا، في الحقيقة، ما يجعل الانسان لا يشعر بأن له قيمة أو أن له أثر.
فالاغتراب هو أن يفقد الانسان الإحساس أو يفقد احساسه وشعوره بالتأثير. أن يسيطر عليه شعور بأنه لا يصنع أو يساهم في صنع هذا العالم، بل بالعكس، العالم هو من يصنعه، وهو مجرد آلة ضخمة هو نفسه لا يفهمها، ولا يستطيع حتى أن يوقفها أو أن يعرف كيف يتم ايقافها. والأخطر والأمر من ذلك هو أن هذا الانسان (أنا وانت) المعاصر فقد الاستطاعة وأصبح غير قادر على أن يمارس الحب الحقيقي، لا الحب العاطفي الذي يعيش مؤقتاً ويعبر. ولكننا نقصد الحب الذي يجعلنا نرى الآخر ككائن مستقل قائم بذاته، له روحه، وله مخاوفه، وله حرياته.
ففي هذا المجتمع، مجتمع الاغتراب، لم نعد نحب ولكننا نملك. صارت علاقتنا، علاقات الحب، قائمة على التملك وليس على الاندماج. نحب فقط من يشبهنا، نحب فقط من يرضى غرورنا، ومن يحقق رغباتنا وليس من يفتحنا على ذواتنا.
فالحل يكون من خلال ثورة روحية داخلية عميقة في نفسية الانسان، ثورة تدفع هذا الانسان ليعود لذاته، يعود الي عمقه، يعود الي انسانيته، ولكنها لا تحرضه من أجل الانعزال، ولكن من أجل خلق مجتمع جديد قائم على المحبة، وعلى التعاون، وعلى ذلك العمل الذي يحمل المعني، على الروابط التي تقوم على التفاهم وليس على الاستهلاك فقط ولا غير.
فالحب عند ايريك فروم لا يعتبر شعوراً سطحياً، ولكن عبارة عن فعل ثوري، نعم، أن تحب انسان بصدق وبحق هو فعل ثوري في عالم أشطره ترضع الكراهية والأنوية والتملك. أن تحب يعني أن تنظر للآخر الانسان لا كوسيلة ولكن كغاية.
أن تحب، يا أيها الناس، يعني أن تفتح نوافذ قلبك الأربعة كلها، هو أن تعطي بدون مقابل، العطاء من أجل العطاء، وهذه المحبة لا تعتبر رومانسية حالمة، ولكنها مشروع وجودي. والعمل، أيضاً، عليه أن يعود الي طبيعته الإنسانية، يرجع الي أصله الروحي، أن يغمر الانسان، وهو يقوم بعمله، شعور يقول له هذا الذي تقوم به ليس مجرد وسيلة من أجل البقاء، بل هو شكل من أشكال التعبير عن الذات، أن يصنع شيئاً يشبهه، شيء يرضيه ويعبر عنه.
وختاماً، يا أيها الأحباب، ممكن أن تواجهنا صعوبات في عملية تغيير العالم دفعة واحدة، ولكننا نمتلك إمكانية أن نبدأ، بأن نكون متفانين، وأن نكون صادقين مع أنفسنا. علينا أن نسأل أنفسنا كل مرة وفي كل مرة نلبس فيها قناعاً، لماذا؟ ومن أجل الا نخشى الفراغ، بل نملأه بما يشبهنا، علينا أن نبحث عن الناس الآخرين ليس من أجل أن نخفي وحدتنا، ولكن لنشاركهم هذا القلق الجميل الذي اسمه الانسان. فربما، من يدري، في زمان يملأه الضجيج، تكون أو خطوة في اتجاه الخلاص هي أن نصغي الي صمتنا.
… نواصل
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم