فلسفة الهوية (2)

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
ما الذي يجعلُ الوطنَ
بين عينيك أجملا؟
والأساطيرُ والزمنُ
تتمناكِ منزلا
أنتِ عندَ أمِّ الوطنِ
أم أنا الرمزُ فيكما! – *محمود درويش
ونعود للوجوديين، لنقول، بعض الوجوديين قد يعتبرون أن الهوية هي البدن، وذلك لإنكارهم ولرفضهم هذه الثنائية، ثنائية النفس والبدن. من أنا؟ يقول جابريل مارسل إجابةً عن السؤال: “أنا جسمي”. وبواسطة جسمي أتحرك وأتوزع في العالم، ولا أبوح سراً إذا قلت، به أعاشر جنسياً وأصارع. ولم يتفق سارتر مع ديكارت في مقولة “أنا أفكر”، وانحاز لمقولة “أنا موجود”. والوجود هو الجسم أي هو البدن قبل أن يُنفخ فيه الوعي. وهذا البدن هو الذي يجوع وهو الذي يعرى، يحس ويشعر، ويبرد ويصرع، ويحيا ويموت.
وتتشكل هوية الفقير في كفايته، وتظهر هوية الغني في طمعه. وتنعكس هوية الجائع في اطعامه والعاري في ستره والباسه، والطريد الشريد في ايوائه وتسكينه. وتعتبر هي الهوية المباشرة السافرة التي يتشارك فيها الكل ويشترك فيها الجميع، هي الهوية الحسية التي لا تحتاج الي وعي ذاتي، لأنها تسبقه فهي سابقة عليه. هي الهوية التي من أجلها يثور الجميع من جياع ومن مشردين ومن فقراء ومن مساكين ومن مرضى. هي نفسها الهوية التي جاء المسيح لإثباتها للمهمشين في المجتمع الروماني. وهي ذاتها الهوية التي أثبتها القرآن للفقراء والمساكين وأبناء السبيل والعبيد وصغار الموظفين (والعاملين عليها).
وقد أصبحت الهوية عنواناً لفلسفة “فلسفة الهوية” عند شلنج، أي أن يكون الوجود مطابقاً لنفسه دون فصام أو انقسام أو ازدواجية أفلاطونية، تطابق الروح والطبيعة، المثال والواقع دون حركة أو جدل أو مسار كما هو الحال عند هيجل. فهي ليست فقط هوية رياضية أو منطقية أو فلسفية أو نفسية بل هي هوية أنطولوجية أقرب الي وحدة الوجود عند الصوفية. فالهوية قد تنتقل من تجربة فردية الي الوجود كله. الوجود ليست ظاهرة نفسية بل ظاهرة كونية.
لذا كان أمثل منهاج أو منهج لمعالجة الموضوع هو ذلك المنهاج أو المنهج المسمى بالمنهج الظاهرياتي (الفينومينولوجي)، وهو منهج تحليل الخبرات الحسية أو بالأصح الشعورية ما ظلت الهوية ظاهرة إنسانية. وهو تحليل مباشر لا تعتمد أو تستند مقدماته أو نتائجه على أدبيات الموضوع من أجل تخطي منهج “قال… يقول”، وتجميع أقوال السالفين. فالقول قد يعمل على إخفاء الرابط المباشر بين الذات والموضوع، في الوقت الذي يعتمد فيه التحليل المباشر للظاهرة على الالهام أو الحدس، وتحويل النظرة من الخارج الي الداخل، من النص الي التجربة، ومن اللفظ الي الشيء ذاته.
فالمعني الذي يشير اليه اللفظ ليس في اللفظ وليس في المعجم ولكنه موجود في النفس. ويعتبر النص عبارة عن فقط علامة أو إشارة. حيث لا فرق أو اختلاف بين الأدبيات الغربية وتلك التراثية، فهذه وتلك عبارة عن رؤى ومواد علمية متباينة ومختلفة، والمهم هو التنظير المباشر للوجود أو للواقع حتى أكون أكثر دقة، التحليل المباشر للتجربة الذاتية. وهو حقيقة الفرق أو الاختلاف والتمييز بين المعلومات والعلم، فالمعلومات مجرد نقل لما عرفه وأحاط به السابقون السالفون أو السلف الكرام.
أما العلم فهو قراءة ما بين السطور. ويقوم البحث ليس على عملية تجميع للمعلومات من الشرق ومن الغرب، ولكنه يعمل على إضافة إضافات معلوماتية جديدة تضيف للعلم علماً، حيث لا يوجد لدى الباحث إحساس بالدونية أو شعور بالنقص تجاه السلف أو تجاه القدماء ونصوصهم. يعلمها ويحيط بظروفها التي اجتهدت هذه النصوص للتعبير عنها. وما أسهل نقل المعلومات! وما أصعب ابداع العلم.
أما إذا تعثر تحديد الهوية بصورة إيجابية أو ايجاباً، فانه من اليسير العمل على تحديدها سلباً بمعني أنها (الهوية) غير موجودة، وهو ما يسمى أو ينعت بالاغتراب، أن تأخذ لها الهوية وجوداً خارج الوجود، تتخارج وتصير بديلاً عنه، حيث يحس أو يرى فيها الانسان وجوده، ويغيب عنه وجوده الأصلي.
وقد تكلم الفلاسفة وعلى وجه التخصيص الفلاسفة الهيجليين منهم عن هذا الاغتراب كثيراً وكثيراً مقارنةً بحديثهم عن الهوية. وأيضاً هناك توجد صعوبة في الحديث عن الله ايجاباً ومعرفة “ما الله”، في الوقت الذي يكون فيه من السهولة بمكان أن تتحدث عن “الله” سلباً، لتعرف ما ليس الله. ولهذا كان علم اللاهوت السلبي أكثر سهولة وأكثر يسراً من ذلك الإيجابي بل أكثر قبولاً. فالله لا شيئاً، ولا مرئياً، ولا محدوداً، ولا متناهياً، ولا فانياً، وليس له مكان محدد ولا زمان.
وتعتبر وظيفة التعريف السلبي بمثابة التطهير مما علق بالتعريف الإيجابي من تشبيه، فالتعريف السلبي عبارة عن تنزيه مستمر متواصل. “فكل ما شغل بالك فالله خلاف ذلك”، “لا تفكروا في ذاته وفكروا في آثاره”. بهذا التعريف السلبي لا تعتبر الهوية فصاماً ولا انقساماً ولا تغايراً ولا تخارجاً ولا اغتراباً للذات. فالهوية، اذن، هي المحافظة على الوجود توتراً ذاتياً. ورغماً عما يبدو على المسألة من طابع فلسفي ميتافيزيقي خالص، ولكنه يعتبر بمثابة مسألة تاريخية تتعلق بالوجود التاريخي أو الوجود في التاريخ.
أنتِ اللغةُ التي
يتغيرُ عددُ أحرفها
كلَ يومٍ
وتتغيرُ جذورها
ومشتقاتها
وطريقةُ إعرابها
كلَ يومٍ! – *نزار قباني
فالهوية ليست بالموضوع الثابت أو تلك الحقيقة الواقعة ولكنها الامكانية الحركية أو إمكانية حركية تتفاعل مع الحرية. فهي بلا شك قائمة على الحرية، ولماذا هذا الاعتماد؟ لأنها ببساطة، يا سادتي، إحساس بالذات، والذات دائماً حرة. وكذلك الحرية قائمة على الهوية لأنها تعبير عنها. الحرية، بلا شك، هي تحرر بمعنى أنها إمكانية لأن يصير الانسان أو يكون حراً.
الهوية هي إمكانية على إمكانية. انها اذن ليست بالشيء الذي يُهدي أو الذي يُعطى أي انها ليست عطية ولكنها شيء يُخلق. لا يحس بها كل انسان كوعي مباشر، فالإنسان أي الانسان اليومي يكون أولاً، يوجد أولاً، ويحيا أولاً، ويعيش ثم يعي ذاته ثانياً بعد ذلك. ولا يسبق الوعي الذاتي الوجود البدني ولكنه يأتي بعده، وبعد ذلك يأتي الوعي بالوجود، يأتي الوعي بالعالم المحيط. وينبثق سؤال الهوية ويولد التساؤل عن الهوية..

  • من هو؟ ولماذا هو في هذا الوضع الاجتماعي؟
  • وماذا يحمل المحيط السياسي الذي يحيط به من معنى؟
  • وما هذا الاعلام الصاخب الطنان الذي يغازل مسامعه؟
  • وما هذه الصراعات السياسية التي تقبع حوله وماذا تحتضن من معنى، وما المغزى من محاولة إقناعه أو اغرائه أو شراء صوته للانتخاب، حتى، الي هذا أو ذاك الفريق؟
  • وما هذا الازدحام والتزاحم في الطرقات، وماذا عن التسابق بالسيارات يميناً وشمالاً، وهو على الأقدام يسير أو سائر على الرصيف وفوق الرصيف، ذلك الذي “تركن” فوقه السيارات والعربات أو تقف عنده أو عليه عربات الباعة المتجولين أو ترتاح عليه صناديق القمامة السافرة أو تلك المقلوبة أو التي خارجها حولها أكثر بكثير مما بداخلها، التي تعتمد عليها القطط والكلاب الضالة في معيشتها وفي حياتها. ولا يجد هو قوت يومه، له ولأسرته. وإذا مرض فرد منهم فلا علاج وكيف شراء دواء العلاج؟
  • أما في زمن الموت فالسؤال يكون أين يُقبر وأين يُستر جسده الخالي من نفس ومن روح؟ والي أين هو مُرسل أبناءه عندما يبلغون سنهم القانونية، رهبةً من العقاب او طمعاً في مستقبل مشرق أفضل لهم بدلاً من تركهم يهيمون في الشوارع على وجوههم أو يصبحون باعة جائلين بين العربات وعلى مفترقات الطرق، وتحت إشارات المرور ذي الثلاثة ألوان مع العجائز على أرصفة الطرق يحملن أطفالهن في البرد القارس القاتل أو في الحر القائظ المميت.
    وقد تنقلب هذه الهوية الي اغتراب، حيث تنقسم الذات على ذاتها، وتنقلب مما ينبغي أن يصير الي ما هو كائن، من إمكانية الحرية الداخلية والتصالح الي حتمية الاستسلام أو الخضوع للظروف الخارجية، وذلك بعد ان يصاب الانسان بداء الإحباط، والإحباط عكس التحقق، وضعف الإرادة، وخيبة الأمل، وتخل عن الحرية. فأنت تحس وتشعر بالحزن دون معرفة السبب.
    ونحن نلمس الاغتراب الوجودي بوضوح في رواية الطيب صالح المشهورة والمهمة، التي عكست عبقرية هذا العبقري، حيث تبدأ رواية “موسم الهجرة الي الشمال” بعودة الراوي من إنجلترا بعد ابتعاد مادي وغربة عمرها بلغ سبع أعوام، بعيداً عن أهله، وعن أصحابه وعن أحبابه، وبعيداً عن قريته الصغيرة، التي تأخذ لها موقعاً عند منحنى النيل، وكان أن بدأت الرواية بهذا المقطع..
    ((عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كنت خلالها أتعلم في أوربا. تعلمت الكثير، وغاب عني الكثير، ولكن تلك قصة أخرى. المهم أنني عدت وبي شوق عظيم إلى أهلي في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل. سبعة أعوام وأنا أحن إليهم وأحلم بهم، ولما جئتهم كانت لحظة عجيبة أن وجدتني حقيقة قائماً بينهم، فرحوا بي وضجوا حولي، ولم يمض وقت طويل حتى أحسست كأن ثلجاً يذوب في دخيلتي، فكأنني مقرور طلعت عليه الشمس. ذاك دفء الحياة في العشيرة، فقدته زماناً في بلاد “تموت من البرد حيتانها“. تعودت أذناي أصواتهم، وألفت عيناي أشكالهم من كثرة ما فكرت فيهم في الغيبة، قام بيني وبينهم شيء مثل الضباب، أول وهلة رأيتهم. لكن الضباب راح، واستيقظت ثاني يوم وصولي، في فراشي الذي أعرفه في الغرفة التي تشهد جدرانها على ترهات حياتي في طفولتها ومطلع شبابها وأرخيت أذني للريح. ذاك لعمري صوت أعرفه، له في بلدنا وشوشة مرحة. صوت الريح وهي تمر بالنخل غيره وهي تمر بحقول القمح. وسمعت هديل القمري، نظرت خلال النافذة إلى النخلة القائمة في فناء دارنا، فعلمت أن الحياة لا تزال بخير، أنظر إلى جذعها القوي المعتدل، وإلى عروقها الضاربة في الأرض، وإلى الجريد الأخضر المنهدل فوق هامتها فأحس بالطمأنينة. أحس أنني لست ريشة في مهب الريح، ولكني مثل تلك النخلة، مخلوق له أصل، له جذور له هدف)).
    وكان أول ما لفت انتباهه واهتمامه بعد هذه العودة من الاغتراب تلك النخلة الشامخة القائمة في فناء الدار، فزادته ادراكاً ووعياً بأن للإنسان امتداداً وأعماقاً لا حدود لها، وظهر ذلك جلياً في قوله.. (أحس أنني لست ريشة في مهب الريح، ولكني مثل تلك النخلة، مخلوق له أصل، له جذور، له هدف).
    ولكن كان في انتظاره في قريته مفاجأة من الوزن الثقيل، حيث كان لقاءه برجل غريب، حط رحاله في القرية منذ خمس سنوات، وكانت حالته المادية جيدة، فشيد بيتاً وابتاع مزرعة، وعقد قرانه ببنت محمود، زول لا يعلمون عنه أي شيء في القرية، ولا يعرفونه، فقط يعرفون أنه زول غريب، وكان هذا الغريب هو “مصطفي سعيد”، الذي يحيا غربتين الأولى مادية والثانية غربة روحية.
    وأظن أن منابع غربة سعيد المادية هي أنه نشأ يتيماً بلا أب، حيث تركه أبوه ورحل الي الدار الثانية قبل أن يفرك عينيه ليرى نور الحياة ببضعة شهور، وعاش وحيداً مع أمه، وكانا يعيشان أو يحس هو بأنهما يعيشا مع بعضهما البعض بغربة مادية، على الرغم من أنهما الوحيدان أهل بعض ولا زيادة، ونجده يصف هذا الإحساس بالغربة في قوله.. (كانت كأنها شخص غريب جمعتني به الظروف صدفة في الطريق، لعلني كنت مخلوقاً غريباً، أو لعل أمي كانت غريبة. لا أدري).
    تلك الغربة خلقت فيه شعوراً عدوانيا وعدائياً للآخر، وتمثل ذلك في وصفه التالي.. (كنت أحس احساساً دافئاً بأنني حر، بأنه ليس ثمة أب أو أم، يربطني الي بقعة معينة ومحيط معين).
    وتتضح غربة سعيد عن أمه وعن ذاته وتظهر أكثر ونراها بأم أعيننا في يوم رحيله وسفره الي القاهرة، فأتى أمه يخبرها الخبر، فنظرت اليه نظرة محيرة عجيبة تنم عن غربتهما، ثم همت بالابتسام ولكنها تراجعت، فبعد أن كادتا ان تفترقا، عادت شفتاها الي محلهما الطبيعي غير الطبيعي، ثم أطبقتهما، في مثل هذه اللحظة التاريخية، وعاد وجهها كالعهد به يلبس قناعاً كثيفاً بل يرتدي عديد من الأقنعة. ثم نطقت قائلة.. (لو عاش أبوك، لما اختار لك غير ما اخترته لنفسك. أفعل ما تشاء. سافر أبقى، أنت وشانك، أنها حياتك، وأنت حر فيها).
    ثم نرى سعيد أو مصطفي سعيد يرد ويعقب على كلام أمه بهذه الكلمات.. (كان ذلك وداعنا، لا دموع ولا قُبل ولا ضوضاء. مخلوقان سارا شطراً في الطريق معاً، ثم سلك كل منهما سبيله. وكان ذلك في الواقع آخر ما قالته لي، فأنني لم أراها بعد ذلك.. وركبت القطار ولم يلوح لي أحد بيده ولم تنهمر دموعي لفراق أحد. وضرب القطار في الصحراء، ففكرت قليلاً في البلد الذي خلفته ورائي، فكان مثل جبل ضربت خيمتي عنده، وفي الصباح قلعت الأوتاد وأسرجت بعيري وواصلت رحلتي).
    وهنا نلاحظ التناقض جلياً بين الموقفين موقف الراوي وموقف بطل الرواية، ولا أدري من فيهما هو البطل، فنجد الأول يجتهد في إعادة علاقاته وصلاته مع الآخرين في محاولة فهم بواعث غير مزيفة بل حقيقة للانتماء ولتحقيق معنى في الحياة. في حين أن الآخر كان يجد ويسعي باتجاه مزيد ومزيد من الغربة يحيا فيها ومن خلالها الحياة بلا أي حماسة حقيقية، بالرغم ما كان يفعله فيها، لأنها تصير وسائل لأشغال وقت لم يعد ملكه.
    والملاحظ هو أن الراوي يعتبر ذاته شيئاً له أهمية وشيئاً متكاملاً، وفي حالة ديمومة واستدامة، وهذا ما نراه في قوله.. (لا لست الحجر يلقى في الماء، لكنني البذرة تبذر في الحقل).
    أما سعيد فهو الغريب، غريب عن القرية، وغريب عن ذاته، بل هو مثال أو أنموذج من تلك الأمثلة أو تلك النماذج التي تساعد على الاغتراب حتى في لقائها مع الآخرين، لذلك نراه وهو يتعامل مع الناس ويشاركهم في افراحهم وفي أحزانهم جميعها، يظل منغلقاً على ذاته وعلى نفسه غير منفتح على الآخرين. وأكثر من ذلك يبقى عالماً مميزاً من الانغلاق المغترب، حتى أثناء لحظات سمره وسكره معهم نجده يغترب بلغته. وأبلغ برهان على ذلك انشاده بالإنجليزية وهو في وسطهم، يردد..
    “هؤلاء نساء فلاندرز
    ينتظرن الضائعين،
    ينتظرن الضائعين، الذين ابداً لن يغادروا الميناء،
    ينتظرن الضائعين، الذين ابداً لن يجيء بهم القطار،
    الي أحضان هؤلاء النسوة، ذات الوجوه الميتة،
    ينتظرن الضائعين، الذين يرقدون موتى في الخندق والحاجز والطين في ظلام الليل.
    هذه محطة تشارنغ كروس. الساعة تجاوزت الواحدة.
    ثمة ضوء ضئيل
    ثمة ألم عظيم”.
    بعد ذلك تأوه، وهو لا يزال ممسكاً بالكأس بين يديه، وعيناه سارحتان، في آفاق داخل نفسه.
    ان اغتراب سعيد عن نفسه يقوده الى ألا يتذكر شيئاً عن ذاته وعمن كانوا معه جلوساً في غرفة واحدة، وهم في حالة سمر ونشوة سكر، فهو يقول.. (خامرني بغتة، شعور فظيع، شيء مثل الكابوس، كأننا نحن الرجال المجتمعون في تلك الغرفة لم نكن حقيقة أنما وهماً من الأوهام).
    ثم تتتابع الانفعالات الإنسانية توالياً نسبةً لتتابع سلسلة الممارسات اليومية لحياة مصطفي، والتي وبالرغم من احداثها الغنية في عددها، كانت عبارة عن علاقات غرامية، نجاح في التحصيل العلمي وفي العمل، جريمة قتل، زواج وأبناء. الا أنها كلها تبرهن عن أن حياة هذا الرجل حياة لا معنى لها، بل هي عبارة عن حياة ميكانيكية، انها آلية مُشكلة من الترديد الأبدي للأفعال وللأفكار الصغيرة العمياء التي ترى كما الأخرين، لا تطور ولا تقدم نحو هدف أو غاية محددة، وانما مصدراً للاشمئزاز بما تحتويه من ترديد آلي بدون حياة، وما تضمه من برهان يشير ويؤكد على مضاعفة عزلة الانسان.
    يظل سعيد أو مصطفى سعيد في حالة سفر، والسفر حالة غربة تفضح عن مقولة الخوف والقلق الوجودي، لأنها تبقينا بعيدين بصورة مستدامة أو مستديمة عن انتمائنا.. (ومحرومين من جميع متكآنا ومنزوعة منا جميع أقنعتنا، فإنما نكون بكليتنا على سطح نفوسنا). أما سعيد فهو القائل.. (واستمرأت طوال الرحلة ذلك الإحساس في أني في لا مكان وحدي، أمامي وخلفي الأبد أو لا شيء).
    والمفارقة تتبلور في رغبة سعيد في الاستقرار، وكأن استقراره نوع من أنواع الاغتراب، فهو قام باختيار بلداً أو قرية غريبة عنه وهو غريب عليها وعنها، وقرن قرانه على امرأة غريبة، بل كانت حياته في هذا المكان عبارة عن استمرار لسفره، لا تختلف عن رحلاته الماضية. وأخيراً يرحل ويغيب غريقاً بعد أن ترك أثر غربته وشواهدها خلفه.. (كتب الاقتصاد والتاريخ والأدب، علم الحيوان، رياضيات، فلك، دائرة المعارف البريطانية، افلاطون، توقيعات، اهداءات، اغتصاب افريقيا، مصطفى سعيد).
    آثار غربته وشواهدها، هذه الصور المرصوصة والمصفوفة على الرف التي خلفها خلفه، (مصطفى سعيد يضحك، مصطفى سعيد يكتب، مصطفى سعيد في مكان ما في الريف، مصطفى سعيد في الزي الجامعي، مصطفى سعيد في تمثيلية الميلاد وعلى راسه تاج، مصطفى سعيد يتوسط رجل وامرأة، مصطفى سعيد لم يترك لحظة تمر الا وسجلها للذكرى والتاريخ).
    نستطيع أن نقرأ من هذه الرواية “موسم الهجرة الي الشمال”، أن البطل وهو مصطفى سعيد، كان يحيا حياة غنية وثرية بالتفاصيل الإنسانية، ولكن، وبالرغم من ذلك، نرى بأن حياة بطلنا يطليها أو لم تكن سوى عزلة عميقة لإنسان أو لزول تورط في موقفه أو في مواقفه، وفي اختياره أو في اختياراته، وان كل ما كان في هذه الحياة، حياة بطلنا سعيد، كان عبارة عن يوميات آلية لا روح فيها، ولا معنى لها، وانقلبت الي حزن طويل منبعث عن غربة مهجورة عزلته أمام ذاته، وعزلته أما الأنا-الآخر. والعجيبة تظهر في مفارقة غريبة وهي بالرغم من أنه كان خالي من أي إحساس تجاه الآخرين أو بهم، كان هؤلاء الناس يحبونه، وكان محبوباً بينهم وله منهم أصدقاء.
    وقد كانت نهاية مصطفى سعيد تشبه بدايته، فهو بدأ وحيداً غريباً حزيناً، أنموذجاً ومثالاً لما قاله القسيس مرة أو ذات مرة.. (كلنا يا بني نسافر وحدنا في نهاية الأمر).
    ويذكر دكتور حازم سليمان الناصر، كلية الآداب-جامعة بغداد، أن الطيب صالح اختار لهذه الرواية “موسم الهجرة الي الشمال”، بناءً أسطورياً، ثم عمل على الاستفادة من محيط الغربة المادية أو اطارها، وما تستطيع أن توضحه وتعكسه من غربة داخلية عندما التقت الحضارة الشرقية بالحضارة الغربية. مصطفي سعيد بطل الرواية وراوي الرواية كانا على مستوى الحدث، مثالان ونموذجان متباينان لخروج الشرقي، وطريقة تناوله، من خلال منظورة الشرقي ومزاجه الخاص، أطر الحضارة الغربية، ومن ثم انعكاس ذلك على موقف كل منهما، مما قاد الي محاولة سعيد من ان يكون شيئاً مهماً وذات قيمة، وظهر ذلك في غزو هذا السعيد بشرقيته القحة عمق المجتمع الغربي وحضارته، وأن يثأر من سنوات الإهانة والحرمان والاستحواذ والاستعمار، ولكنه انهار في نهاية المطاف وقفل عائداً أدراجه من حيث أتي، ولكنه عاد غريباً الي مكان غريب، ليمارس حياة عادية ويوميات أكثر من عادية. أما زولنا الآخر، الراوي، فاستغل زمان الدراسة محاولاً ان ينهل من معين علم الغرب ويستفيد منه، ولكن، فلت عزيمته وخارت قواه ورجع الي موطنه باحثاً عن جذور انتماءه، ومنقباً عن هويته.
    ويعود الينا مصطفي سعيد بطلنا الغازي المغوار، ليصف لنا ما دار في المحكمة الخاصة بمحاكمته، وكيف كان مسارها الذي عكس اغترابه الوجودي، فالي مضابط المحكمة والي مضمار المحاكمة، حيث يقول سعيد… في قاعة المحكمة الكبرى في لندن، جلست أسابيع أستمع إلى المحامين يتحدثون عني، كأنهم يتحدثون عن شخص لا يهمني أمره. كان المدعي العمومي سير آرثر هنغنز عقل مريع، أعرفه تمام المعرفة، علمني القانون في أكسفورد، ورأيته من قبل، في المحكمة نفسها وفي هذه القاعة، يعتصر المتهمين في قفص الاتهام اعتصارا. نادراً ما كان يفلت متهم من يده. ورأيت متهمين يبكون ويغمى عليهم، بعد أن يفرغ من استجوابهم. لكنه هذه المرة كان يصارع جثة.
    “هل تسببت في انتحار آن همند؟”
    “لا أدرى “
    “وشيلا غرينود؟ “
    ” لا أدري “
    ” وإيزابيلا سيمور؟”
    ” لا أدري “
    ” هل قتلت جين مورس؟ “
    “نعم”
    “قتلتها عمداً؟”
    “نعم”
    كان صوته كأنما يصلني من عالم آخر. ومضى الرجل يرسم بحذق صورة مريعة لرجل ذئب، تسبب في انتحار فتاتين، وحطم امرأة متزوجة، وقتل زوجته، رجل أناني، انصبت حياته كلها على طلب اللذة. ومرة خطر لي في غيبوبتي، وأنا جالس هناك أستمع إلى أستاذي، بروفسور ماكسول فستر كين، يحاول أن يخلصني من المشنقة، أن أقف وأصرخ في المحكمة:
    “هذا المصطفى سعيد لا وجود له. إنه وهم، أكذوبة. وإنني أطلب منكم أن تحكموا بقتل الأكذوبة.
    ….. نواصل

bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …