فهمت منها أن كلمة ( عركيين ) أصلها ( عراقيين ) ، رحلت هذا اليوم الأربعاء ٢٠٢٦/٨/١٩ الموافق ل ( السادس من شهر المولد النبوي الشريف ) ركيزة من ركائز الاتحاد النسائي في عصره الذهبي ورائدة مجتمعية وتربوية من طراز فريد … رحلت العمة المعلمة العركية الإنسانة نفيسة المليك بنت المجتمع وحي الملازمين بل بنت السودان مؤسسة مدارس المليك ، رحلت الي الامجاد السماويه تحفها ملائكة الرحمة باذن الله سبحانه وتعالى ونسأل الله سبحانه وتعالى لها الغفران واعلي الجنان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
دائما انظر الي العظماء من الرجال والنساء الذين يتعاملون مع من هم في درجة أقل منهم بكل ود واحترام وتقدير ويحاولون المستحيل أن يجعلوا القليل عندهم شيئا كثيرا ذو بال يرفعون به من قدرهم ويرفعون به روحهم المعنوية ويحس الواقف أمامهم بهذا التعامل الراقي ويدرك أن الدنيا بخير ما دام فيها هؤلاء الملائكة الاطهار !!..
والراحلة الغالية نفيسة المليك وهي اشهر من نار علي علم في المجال التربوي والنسوي وهي رائدة في المجالين عن علم وفهم عميق ودقيق ومثابرة لاتحدها حدود ومسؤولية اضطلعت بها كل هذه السنين دون كلل أو ملل وكانت سعيدة ايما سعادة وراضية تماما عن ماتقوم به وهي تري من حولها يشاركونها هذه السعادة الموجهة للصالح العام !!..
لعل القراء الكرام يعرفون الكثير عن مآثر هذه السيدة الفاضلة مؤسسة مدرسة المليك الأهلية الوسطي في ذاك الزمان البعيد ومن بعدها برزت للوجود مدرسة المليك الأهلية الثانوية … ولابد أن نفرق بين المدرسة الخاصة والمدرسة الأهلية إذ أن المدرسة الأهلية لم تكن منافسة للمدرسة الحكومية بل كانت يدا يمني لها تستوعب الطلاب والطالبات الذين لا يجدون حظا في مدارس الحكومة لأن المنافسة كانت حادة تتطلب قدرا عاليا من الاستذكار والاهتمام وبدلا من أن يتحول بعض الطلاب الي فاقد تربوي وبالتالي يضيع مستقبلهم أقام نفر من المحسنين المدارس الأهلية في طول البلاد وعرضها لتكمل المهمة وبرسوم خفيفة لا ترهق كاهل أولياء الأمور والغرض اصلا منها لم يكن التربح بل كان عملا وطنيا وكانت الحكومة تعين هذه المدارس وقد تسمي بعضها باسم المدارس المعانة حتي يجد جميع الطلاب من غير فرز مقعدا للدراسة في سهولة ويسر وكانت قافلة التعليم متحركة من غير توقف من أجل نهضة الوطن ورفعته !!..
علي المستوي الشخصي وانا اشهد لها بتقديم العون والمساعدة للاخرين متي طلب منها ذلك ومن غير تردد … ذاك العام ١٩٩٢ قدر لي أن اقابل في مناسبة ما سيدة فاضلة وقورة لم اتعرف عليها اول مرة ولكن من مجريات الحديث عرفت انها الأستاذة الفاضلة المعروفة نفيسة المليك وكانت مازالت في أشد الحزن والاسي علي فقد فلذة كبدها الرائد طيار أكرم الفاتح يوسف وكان قد اعدم في العام ١٩٩٠ مع مجموعة من زملائه الضباط بلغ عددهم ٢٨ ضابطا في محاكمة لم تكن عادلة وتعامل أقل مايوصف بأنه تعامل فظ بعيد عن أي كرامة وإنسانية وفي ظلم بين أصاب أهل البلاد جميعا بحزن عميق …
وجدت نفسي اقدم لها ابلغ آيات العزاء وقلت لها أننا في حي ببت المال والملازمين بل في كل أنحاء السودان نعتبر آباء واشقاء للراحل المقيم وقلت لها أن بعضا من شباب اسرتنا اصدقاء لاكرم يكنون له كل تقدير واحترام وتوقير !!..
كانت دكتورة حاجة كاشف وعند أي فعالية لجمعية المبادرات النسائية تستدعيني لعمل التغطية الإعلامية لهذه الفعالية وكانت تساعدني في وضع التصور لإخراج هذا التحقيق الصحفي بصورة مثالية وتمدني بالصور اللازمة وكل مايلزم من وثاثق تجعل من الموضوع جاذبا ومقبولا عندما يقع في أيدي القراء فاذهب به الي الصحف اليومية خاصة صحيفة السوداني وكنت أجد كثيرا من الترحاب من أسرتها خاصة من الراحل نور الدين مدني الذي لايتواني أن يفرد لنا مساحة وافرة ولو كانت صفحة كاملة .
المهم في منزل دكتورة حاجة كاشف تعرفت علي رئيسة جمعية المبادرات النسائية الدكتورة سعاد إبراهيم عيسى أستاذة الرياضيات في جامعة الخرطوم والتقيت للمرة الثانية بالراحلة نفيسة المليك و في كل الفعاليات التي اغطيها لهم كنت اقابل عضوات الاتحاد النسائي في عصره الذهبي ومنهم نفيسة مكي ازرق وسعاد الفاتح البدوي ونفيسة احمد الامين التي تبوات مناصب مهمة في العهد المايوي وقد كانت أستاذة مميزة في كلية المعلمات بأم درمان وكانت متحدثة مفوهة وراقية كاجمل مايكون الرقي وقد نما الي علمنا أن البروف عبدالله الطيب قد سمعها تتكلم فعلق قائلا : ( أنها تتكلم وكأنها عربية ) !! طبعا هذا من شدة إعجابه بما روته من قول يضاهي قول العرب في جزيرتهم حيث الفصاحة والكلم الرزين !!..
من الطريف أن الدكتورة سعاد الفاتح البدوي القيادية في جماعة ( الإخوان المسلمون ) كان من اخلص صديقاتها دكتورة حاجة كاشف المحسوبة علي اليسار وقد جمعت بينهم جمعية المبادرات النسائية والهم النسوي وخدمة المجتمع وظلت العلاقة القوية تربطهما منذ أيام الدراسة بجامعة الخرطوم ولم يعكر صفو هذه العلاقة أن د. حاجة كاشف كانت يسارية في حين أن دكتورة سعاد الفاتح البدوي كانت من القيادات في تنظيم ( الإخوان المسلمون ) … وعندما اندهشت أحدي الصحفيات عن هذة الرابطة القوية التي جمعت بين أقصي اليمين واقصي اليسار أجابت د. سعاد الفاتح البدوي حرفيا كما يلي :
( دكتورة حاجة كاشف اقرب الي من كل اخواتي في التنظيم وأنها الحبيبة وأنها صادقة لايعرف الكذب إليها طريقا ) …
شوفتو كيف كانت العلاقات تبني علي الصدق والصراحة وبعد ذلك كل فرد حر إن يعتنق ما يشاء من أفكار وان اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية !!..
بعد أن توطدت معرفتي بالراحلة طلبت منها تعيين زوجتي العزيزة عندها معلمة في القسم الثانوي وكانت زوجتي قد تخرجت في كلية الاحفاد للبنات إضافة لتخصصها في علم النفس ورياض الأطفال كانوا قد درسوا تخصصا إضافيا في تدريس اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية وكانت الأولي علي دفعتها عند التخرج في العام ١٩٨٦ وتخرجت أيضا بنيل جائزة أحسن بحث !!..
ومن غير تردد عينتها علي الفور في مدرستها العامرة ووجدت في المدة التي قضتها معهم اطيب معاملة ولا ننسي أنها عندما أخذت إجازة وضوع وبعد أن وضعت بالسلامة جاءها وقد المدرسة لتقديم التهنئة بالمولود وتمنوا له ولها الصحة والعافية وأن يجعله الله سبحانه وتعالى من الأبناء الأتقياء الصالحين المباركين وقد حملوا معهم لها مرتبها كاملا من السيدة الفاضلة نفيسة المليك رغم أنها لم تعمل معظم الشهر وهذا تقدير كبير وإنسانية رائعة !!..
رحم الله سبحانه وتعالى الغالية نفيسة المليك وامطر علي قبرها الطاهر سحايب الرحمة والمغفرة والرضوان وانزلها فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
و البركة إن شاء الله في أهلها وذريتها وعارفي فضلها والبركة في كل أهل العلم والتعليم والتربية علي امتداد بلادنا الحبيبة .
و ( إنا لله و إنا إليه راجعون ) .
حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
معلم مخضرم .
ghamedalneil@gmail.com
