فوبيا التشيع .. بقلم: معمر حسن محمد نور

بسم الله الرحمن الرحيم
ملفت جداً هذا الصياح المتكرر عن خطر التشيع وانتشاره في السودان ..والذي تجلى قبل فترة في قرار إغلاق الحسينيات بأوامر من السلطات ثم الترحيب بالقرار من قبل الدعاة ومسايرة عامة الناس للموجة.. وهاهي وزارة التربية والتعليم تعلن حذف المواد التي لها علاقة بالتشيع من المناهج ..دون أن تلتفت للسؤال البديهي والجوهري عن سبب وضعها أصلا وحيث أن الموجة قد وجدت لها أرضاً في مصر كذلك ..حيث الأزهر قلعة المذهب السني..وورود مقاطع يوتيوب تظهر (لطميات ) بمناسبة ذكرى كربلاء في مصر..فإن السؤال يبدو منطقياً عن سبب هذا الالتفات المفاجئ لما يسمى نشر التشيع..والدولتان تختلفان عن الخليج والشام حيث الوجود الشيعي المؤثر..وانعدام مذاهب الشيعة فيهما ..ويبرز سؤال آخر عن حقيقة وجود صراع مذهبي يجتاح العالم الاسلامي بين السنة والشيعة..أم ان الأمر في حقيقته لا يعدو أن يكون صراعاً سياسياً تستخدم فيه المذاهب كأدوات تدعم كل طرف وتزكي الصراع السياسي..
أجدني أكثر ميلاً لوضع الصراع في خانة السياسة..وهل بدأ التشيع أصلاً إلا باتهام الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم بالانقلاب على سيدنا علي رضي الله عنه واغتصاب الخلافة منه؟ هذا لا يعني بالطبع عدم وجود سجال مذهبي بين السنة والشيعة..ولكن مثل هذا السجال موجود بين الفرقاء داخل المذهب الواحد مثل ما بين الصوفية والسلفيين.
واللافت في الأمر أن مثل هذا الحديث عن خطر نشر التشيع لا وجود ظاهر له في الاتجاه الآخر..فما عليك للتأكد من ذلك إلا الدخول إلى محرك البحث والسؤال عن نشر المذهب السني بين الشيعة..فلن تتحصل على نتائج تذكر.ما يعني أحد أمرين ..إما اكتفاء السنة بالصراخ عن الخطر الشيعي دون عمل في وسط الشيعة..أو أن الصراع بالمعنى المتصور لا وجود له ..وإنما هو تمدد للمذهب الشيعي أتاحته ظروف إقليمية وسياسية .
الراجح لدي أن هذا الالتفات المفاجئ أملته ظروق سياسية في الدولتين تتعلق بوجود حركة الإخوان المسلمين .. فالحركة كانت قد احتفلت بالثورة الايرانية كثيراً واجتهدت في إبراز قلة الفوارق بين السنة والمذهب الذي سيطر على الاوضاع في إيران..بل خرج الاخوان المسلمون إبان العهد المايوي في مظاهرة تهتف( إيران إيران في كل مكان) وعند السطو على السلطة وطدت علاقاتها مع إيران وأعطتهم التسهيلات في إقامة الحسينيات..وعند وصول الإخوان إلى السلطة في مصر توطدت العلاقة مع إيران..مروراً بالعلاقة بين حماس وإيران..وليس أدل على ذلك أكثر من الانتقاد العنيف للترابي وحزبه لقرار إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية..ما يعني أن ما يراد إلغاؤها من دروس في المنهج وضعت عن منهج سياسي لا يناقض وجودها..إلا أن الوضع قد اختلف بعد ضربة الإخوان في مصر ووضع الحركة في قائمة المنظمات الإرهابية..والتوافق في هذا الأمر مع السعودية مركز الثقل السني الآخر..إضافة إلى بقية دول الخليج عدا قطر..حيث حكم الأسر السنية..وطبيعي أن تكون في صراع مع الشيعة في بلادها كما حدث في البحرين وتدخل السعودية بقوات درع الخليج. .ويبدو كذلك رفض دول الخليج لمن تحالف مع إيران من حركة الإخوان المسلمين منطقياً..ما شكل ضغطاً على النظام السوداني وجعله يدخل الحلبة مكرهاً وقد زاد الأمر نمو السلفية في السودان نتاج فشل نظام الإخوان في برامجه الدينية..
إذاً فإن الصراع سياسي بامتياز رغم إلباسه اللبوس المذهبي..ولا مصلحة للمسلمين فيه لأن نظرية المؤامرة تفترض في ظل القطبية الواحدة..أن الجميع مستهدفون سنة وشيعة.لكن ما يجب أن يعيه غلاة السنة وخاصة السلفيين بالسودان أن الطرق المستمر على موضوع التشيع سوف يأتيهم بنتائج عكسية تؤدي إلى زيادة انتشاره تماماً كما يؤدي التناول المستمر لمواضيع الموبقات من زنا وخمور ومخدرات إلى تذكير الناس بوجودها..فكم من السودانيين كان ملتفتاً للشيعة قبل هذه الموجة؟ 

muamar61@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً