.
حكاية دينق أكوى (5)
.
كان السيد أندراوس، صاحب المخبز، رجل فى العقد السابع من العمر أبيض اللون، على ما يبدو أنه ينحدر من سلالات الريافة الذين يكثر تواجدهم بمناطق دنقلا ونواحيها ويُعرفون لدى السكان المحليين هناك “بالفلاليح”. كان أندراوس رجل طيب القلب، ربما رق فؤاده لحاله وغربته، ولعزلته البائسة.. وكان كثيرا ما يجلب له الطيب من الطعام من داره التى تقع فى أرقى أحياء المدينة.. ويكثر من مداعبته رغم أن عباراته فى بعض الأحيان لا تخلو من طابع عنصرى، لكنه كان يلقيها بعفوية شديدة، فكان أكوى يتقبلها حتى لا يعكر صفو المودة بينهما، فما أحوجه اليوم إلى الأصدقاء والأحباب..
.
كان للسيد أندراوس أصدقاء كثر من مواطنى المدينة ويطرق داره الكثيرون من المعارف من شمال البلاد وأوسطها.. وكان رغم أنه مسيحى لكن داره عامرة بالأباريق وسجادات الصلاة التى يحتاجها طارقوها من التجار المسلمين الذين يقضون أياما وليالى عديدة فيها فى ظل كرمه وضيافته، حتى أن بعضهم كان يروق له أن يناديه “يا مولانا” وهو ما يطلق على الشيوخ والعلماء لدى المسلمين هنا.. لم يكن كثير التردد على المخبز، فقد كان يعمل فوق ذلك وكيلاً لشركة توتال الفرنسية بالمدينة، فهو يدير المستودعات التابعة للشركة بها، يستقبل الشاحنات المحملة بالوقود ليقوم بتفريغها فى خازنات معدنية أسطوانية ضخمة، بعضها رأسى وبعضها يتمدد على مقاعد خرصانية على الأرض.. فكان مفتش المبيعات بالشركة المقيم بمدينة الأبيض والذي كان يأتى للمدينة على ظهر عربة فورد أمريكية فارهة بصحبة سائقه واحدا من أولئك الضيوف الذين تعمر بهم الدار خلال الأيام الثلاث الأولى من بداية كل شهر.
.
طوال الأيام التى يحل فيها مفتش الشركة ضيفا عليه، كان يتوقف فيها عن زيارة المخبز.. إذ يلزم المستودعات طوال ساعات النهار كى يقوم فى حضرة المفتش بجرد المخزون من المحروقات، وفى الليل يجتمع بداره الأصدقاء والأحباب ليسهرون على الشواء، يتسامرون ويحتسون الشراب ويطربون على أنغام العود ويدندنون بالأغنيات. كانت تصدح لهم بالغناء فتاة فى عقدها الثالث من العمر، ذات جمال أخاذ، وقد حباها الله بصوت أسرٍ طروب وأنامل ساحرة فى التعاطى مع الأوتار، من فتيات الأحياء الطرفية بالمدينة، تنتمى لأسرة أكل الفقر أطرافها، تعارفوا على مناداتها بنعمات، وكانت تعمل كاتبة بمصلحة البريد والبرق.
.
كانت نعمات مثقفة ومستنيرة بالنظر لمن هم فى مثل سنّها من فتيات المدينة، كما كانت بأناقتها الظاهرة وثوبها السودانى الأبيض الناصع، رغم حسنها وفتنتها تميل أكثر دون بنات جنسها إلى مخالطة الذكور وتقليد إهتماماتهم بأمور السياسة والكرة، ولا ترى حرجا فى ذلك ودون أن تُلقى بالاً لمجتمع المدينة التقليدى المحافظ، ولنظرات العتاب والإحتقار التى كان أفراده يحدجونها بها..لم تكن تعير ذلك أدنى إهتمامها، وهى التى تريد أن تنال نصيباً غير منقوص فيما يليها من السعادة. هؤلاء الناس حتى الأقربين منهم يطالبونها بمستحقات كأقارب وأولياء دون أن يكون لديهم أدنى إستعدادٍ لأن يتحملوا مايليهم من تبعات ما تمليه تلك الولاية أو يحتمه ذلك القرب من التضحيات، فقليل منهم من يعنيه بؤسها ومآسيها أو من يكون راغباً فى مشاطرتها الفقروسوء الطالع، لكن كثيرين هم من يريدون أن يفسدون عليها سكينتها وسعيها للسعادة بما هو متاح لها.. فليست معنيةٌ هىَ على أية حال بما يدور فى أذهانهم المترعة بالإضطهاد وبالمفاهيم الذكورية وسوء الظن.. فلم لا يدعونها، على الأقل، أن تواجه مصيرها بسلام.
.
فهذا المجتمع الذى تبلغ به الجرأة أن يحاكمها على نواياها، وهى الضعيفة المسلوبة، يخفق فى أن يؤاخذ الذكور، والشرفاء منهم علي وجه التحديد، بتلك الآثام المفترضة، حينما يأتونها عنوة على مرأى من الناس ومسمع. فهو نفسه إذن لا يعبأ بالأُطُر الأخلاقيةِ التى يمجدها ويتباهى بها. فهل يريدونها شاة سوداء لمذبح الرب، أو أن يصلبوها مسيحاً آخر تتعلق فوق ظهره خطاياهم وتغسل دماؤه الكبائر والآثام؟.
.
فهى على الأقل تطّلع على الكثير من سوءاتهم، وتدرك مقاتلهم، ولعل ذلك ما يجعل الكثيرين منهم، لا يتحدثون إلا من وراء ظهرها، يتحاشونها ويفتقرون إلى الشجاعة حينما يلتقونها وجها لوجه. فهى فى دخيلة نفسها على يقينٍ كافٍ بأنهم ليسوا سوى ذئابٍ بشرية فى ثياب الكهنة، يُطأطأون الرؤوس بين الناس بينما لحاظهم تسعى كشواظٍ من نار تميز الضحايا من بين العابرين.. كانت فى يومٍ عاثر إحدى ضحاياهم وهى غريرة غضة العود، وقد إنقلبت بعد ذلك اليوم حياتها رأسا على عقب ولم تجد فى نفسها نعمات التى كانت.. لم تجد يومذاك من بينهم من تكبد المشاق لنجدتها أو سعى لتخليصها من الضوارى، أو حتى من يغسل من على وجهها الدم والدموع..
.
كانت تسهر وتغنى كيفما تشاء حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالى، مع غيرها من المتنادمين فى دار السيد أندراوس، تدخن الغليون، وتتعاطى المشروبات الكحولية..
بقيت تلك الأمسيات الحافلة بالمرح والتوادد، من أجمل اللحظات التى قضاها أكوى فى المدينة.. فقد كان يحرص على الحضور مبكرا لدار سيده لشراء معينات السهرة وإعداد الشواء، وجلب التبغ والمشروبات الكحولية من الضاحية الجنوبية بالمدينة.
nagibabiker@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم